الرئيسية / خبر رئيسي / الأوجه الخطابية في رواية “سيرة حمار” لحسن أوريد

الأوجه الخطابية في رواية “سيرة حمار” لحسن أوريد

خاص- ثقافات

*العربي الحميدي

إذا كانت طبيعة الإنسان التفاعل مع محيطها، تؤثر وبأثر فيها، وتعبر عن ذلك بطرق مختلفة. فإن المفكر يعبر عما يحيط به أدبا. لأن ما يميز المفكر عن الإنسان العادي هو اللغة الأدبية.
فالمنجز الأدبي غالبا ما يعبر عن مضمرات الإنسان، ويحمل في طياته كثلة هائلة من المسكوت عنه. فتخرج آخذة  عدة طرق منها المباشر ومنها الالتفافي، حيت يتحول التعبير الكلامي من الشكل السكوني إلى  شكل تتابعي خطابي.
هل في رواية “سيرة حمار” للمفكر حسن أوريد كيانا عميقا من المرئي والمسكوت عنه؟
صنعت بي رواية سيرة حمار ما لم تصنعه أي رواية أخرى. أربع قراءات بالكاد أسعفتني على الغور في أعماق ما تحمله فلسفتها وأسئلتها الوجودية. فهي حمالة لعدة رسائل  خطابية، لكونها  رحلة عذاب متواصل ترمي إلى تطهير (إنسانية الحياة) من العذاب والمعاناة في حاضر معاق. إنها ليست نظرة لفترة تاريخية كما تعتقد فئة من النقاد والقراء.  بل تهدف لأبعد وأسمى من  ذلك.
رواية لم تترك للتاريخ فرصة الحكم عليها. لأنها ليست خرساء، ولم تعطي للصمت الموافقة. ولم تترك للآخرين مصيرها. إن الذات الحالمة التي تسكنها الفلسفة يخافها  النفاق، ولا تجرؤ أشباح الأقلام  ولا تلاوين   الحبر أن تعبت بها.
يقال لا توجد لذة بدون ضريبة ولا توجد متعة بدون ثمن. فكتابات المفكر حسن أوريد تهتم بتفاصيل الوجود الإنساني، وغير متعلقة بلحظات الفرح والحزن، الأفراح والأحزان أعراض زائلة تجيء وتذهب. أما الوجود الإنساني بكل ما يحمله من  متناقضات فيظل موجودا في أعماق  وتفاصيل الحياة. إنها شرح اعطاب مجتمع الحمير.

اعتقد ان صنع ما قدم حسن أوريد  في رواية سيرة حمار لن ينساها له الأدب الانساني قبل المغربي أو العربي. لأنها نظرة فلسفية قبل أن تكون صورة  لفترة تاريخية من ماضي موريتانيا الطنجية  وحاضره المغرب. الحالي. وما هي إلا صور  للواقع المعاش في جل البلاد العربية. أما لغة السرد فلا يختلف اثنان على رفعتها العالية، وسيولتها، وفي اتساع معجمها. فجاذبية غنائيتها بلغة السرد الاستعارية، تشد القارء شدا.
في هذا النص حاولت الوصول إلى القيمة الفكرية المنبثقة من الفلسفة القائمة على الاختلاف والتضاد والتصارع بين الأفكار والحقائق، والمؤدية في الأخير إلى ظهور الحقيقة المجردة، بعيدا عن الزيف،  وكذلك ما تحمله نظرته الفلسفية الوجودية. إن فكر حسن أوريد يصعب الإلمام بجميع جوانب تصوراته، والغوص في أعماقه لما تحمله  موسوعته المعرفية. التي لا يمتلكها الكثير من المفكرين ناهيك عن الكتاب والنقاد. إن جائزة بوشكين للأدب والثقافة لاتحاد كتاب  روسيا الحائز عليها سنة 2015 لها عدة دلالات خاصة لمن يعرف الثقافة الروسية.
يقول حسن اوريد
“لقد طوفت أرجاء عدة لأقول لكم إخوتي إنا تأثرنا بحضارات عدة مثلما أثرنا فيها، وأن لا خطر يتهدد شخصيتنا العميقة من هذا التفاعل. إن الخطر كل الخطر، أن نختزل تلك الشخصية في جانب ونصدف عن التجربة الإنسانية التي أتيحت لنا من الحضارة الفرعونية فالإغريقية والرومانية وقبلها الفنيقية. إخوتي إننا لسنا طارئين على هذا الرصيد الإنساني، لسنا متسولين، هو جزء منا ونحن جزء  منه. إن الأمم العريقة  هي التي  لا تخشى الانفتاح ولا تتأذى من التلاقح، أما تلك التي تروم ما تزعم من صفاء فيتهددها الذبول، بله الفناء..”
تم يطرح سؤال جوهريا لمسائلة الضمير.
“هل انا حمار يأتي ما تأتي الحمير أم أنا إنسان؟
أوطن نفسي أن أصير حمارا فيأبى علي شعوري ذلك، وآية ذلك أني لا أزال أفكر، وأعي، وأسمع، وأفهم، وأقرر قرارا أن أظل إنسانا، فأتين أني لا أستطيع، فلم يعد لي منطق الإنسان ولا مظهره، ولست أستطيع هذه الأشياء البسيطة التي أوتي الإنسان وحرمتها مند مسخت لست أستطيع النطق، ولست استطيع الحب، ولست أستطيع الغضب…”

مما لاشك فيه أن جل المجتمعات كانت ضعيفة في بداية تكوينها. إلا أن الإنسان كان دائما وسيبقى المحرك الرئيسي  باستمرار في هاته السيرورة  مع الزمن  إلى أن يصل إلى دورة الارتقاء. ثم بعدها يعود إلى نقطة الانحدار. والسبب في ذلك كما
قال حسن أوريد
“قد أدركت أن كثيرا من تصرفات بني الإنسان تغلب عليها الطبائع الحيوانية، فهم يحبون الغلب، ويميلون إلى المتع، وينفرون من التفكير، وهم يغلفون نزواتهم بغلاف إنساني نبيل.”
ان المجتمع كالرضيع لا يمكنه أن يصل إلى مستوى الرشد دون المرور بالطفولة إلى الكهولة. أي بالأحداث ومعيقاتها. إذا كل المجتمعات البدائية مرت بمرحلة الطفولة معتمدة على غيرها أكثر رقاء، للتطور والعيش، لأن الضعف والجهل والغباوة وغالبا الحماقة قد تُؤْدي بها نفسها.
يقول حسن اوريد
“إن كثيرا من الحماقات مصدرها العقل حين يخضع للهوى نُحَكّمه لتسويغ ما تهوى النفس وتبرره”
“ورأيت أن لا فرق بين البداوة والتمدن في حقيقة الأمر إلا من حيث الدرجة، فمصدر التمدن هم البدو حين تتاح لهم ظروف تاريخية معينة، وهم بتعبير آخر، بمثابة المادة الخام للنتاج  الصقيل”.

إذا كانت جل المجتمعات المعاصرة بالأصل مجتمعات بدائية. فإنها ستصبح أيضا بدائية في زمنها. لأن البداوة لا تعني الرجوع إلى الماضي. فلكل زمن بداوته. بلغة وفكر أهله.
إن التاريخ سيحكم علينا بما لنا وما علينا. إن لم نكتب تاريخنا سيكتبه الآخرون عنا. وإن لم نتكلم ، يستكمل عنا الآخرون.
وأن لم نعترض في مجتمعاتنا، سيعتبرون صمتنا موافقة. وفي ظل هذه الحالة ينبغي على كل شخص في مجتمعنا أن يكتب تاريخه. فلنكسر هذا الصمت. لا نترك للآخرين أن يتلاعبوا بمصير مجتمع لصالحهم . لا نترك التاريخ يحكم علينا. ولا نستعمل لغة الحمير.  فكما يقال الكرسي لا يحكم على النجار الذي صنعه.

يقول حسن اوريد
آه كنت مدرسا للأطفال ، أعلمهم  اللاتينية والإغريقية والخطابة تم ننقل ذلك إلى لساننا الأمازيغي، وبعد أن يشتد عودهم أعلمهم الحساب والمناطق واهيئهم التذوق الموسيقا… الطفولة هي المادة الخام التي يصنع منها الإنسان. شخصية الطفل تتحدد في سنواته الأولى. إذا كنا نريد خطباء علمنا الأطفال فنون الخطابة مند نعومة الأظفار، وإن أردنا المنطق سعينا أن نغرس ذلك في الصبا من خلال حملهم على طرح الأسئلة والاستنتاج الذهني، وإن رمنا إكتشاف علوم الطبيعة علمنا الأطفال حاسة الملاحظة.. الناس تمر على الأشياء دون أن تلاحظ شيئا.
الناس تحسب الحقيقة جامدة، تلقن أو تحفظ… الحقيقة إكتشاف دائم، هي مدى مطابقة فكرة للواقع…”
وإلا لن نخلع  جلباب الجهل ونتحرر من الخيبات التي نحن فيها. وان نتعافى من لغة الحمير والا سنستحسنها لعدم  قدرتنا على قبر تجربتنا الفاشلة مند ستة عقود، ولن نصحوا من النوم معافين من الخيبة.
يقول حسن اوريد
“ومن حسنات لغة الحمير أنها تعدم التفكير ولا تتوفر على تلك الفروق التي تعرفها لغة الإنسان ما بين الأحاسيس والأفكار كما في الألوان  ما بين الأسود والأبيض. فلغة الحمير لا تعرف التمييز ولا الشك وإنما تقوم على احكام قطيعة..”
هل نقبل العيش بهذه اللغة؟
فهل باستطاعتنا أن نكون مشروعنا الفكري والأدبي ونحاول أن نطور لغتنا واسلوبنا وأفكارنا. لا ريب أن انجاز ذلك ممكن، وأن اقتضى جهدا ووقتها. بيد أن إنجازه وإنجاز غيره، لا يجدي إذا لم يقترن بمنهج لأجرأته  في جل المجالات.

العربي الحميدي / المغرب

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *