الرئيسية / خبر رئيسي / صوفية صلاح بوسريف بطابع وجودي

صوفية صلاح بوسريف بطابع وجودي

*عمر شبانة

ما بين صوفيّة روحانيّة خالصة، وصوفيّة ذات طابع وجوديّ/ إنساني في أسئلتها ومآلاتها، وبأساليب تراوح بين الشعر والحكاية والحوارات والاقتباس من هنا وهناك، يشتغل الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف في إعادة «تشكيل» شخصية «مولانا» جلال الدين الرومي، ضمن مُعطَيات بعضها معروف بتاريخيّته وواقعيّته، وبعض آخر يُنسب إلى مرويّات مريدي الرومي وتلاميذه ودارسيه، فيما البعض الثالث ينتسب إلى «متخيّل» الشاعر بوسريف، في هذا «العمل الشعريّ» الذي ينتمي إلى الشعر بعالمه الواسع والخصب والعميق، حيث «العمل» مجموعة من النصوص المفتوحة على آفاق العالَم السحريّ للرومي. هنا إطلالة على عوالم الرومي والصوفية عبْرَ «عمل» بوسريف، العمل الذي يكشف ثقافته وتجربته «الصوفيّة»، من دون دخول في التفاصيل.

في هذا العمل، الذي منحه بوسريف عنواناً هو «ياااااااا هذا، تكلّم لأراك»، وهو مستعار من عبارة سقراط الشهيرة التي تداولها الصوفيّون، هذا العمل الضخم (460 صفحة، صدر مؤخّراً في دار فضاءات، عمّان)، نتنقّل مع شاعرنا بوسريف، بحثاً عن الرومي، بين إسطنبول وهضبة الأناضول في مدينة قونية، حيث مرقد الرومي وشمس التبريزي. وهي الرحلة التي قام بها شاعر معاصر وحديث وحداثي، متتبّعاً آثار واحد من كبار الصوفيّين في العالم كلّه، وليس في العالَم الإسلاميّ وحسب، والذي عرفناه خصوصاً من خلال علاقته مع شمس الدين التبريزي، وإن لم نعرف أيّهما «المُريد» للآخر.

العمل- الكتاب- الشعريّ، الذي يتكوّن في كلّيته من نصّ واحد، ينقسم في تفاصيله إلى سبعة أقسام/ عناوين رئيـــسة، وتحت كل عنوان عدد من النصوص «الفرعـــية»، تتشابك وتتداخل من حيث الأرقام والعناوين، كما من حيث تركيب الصفحة الشعرية التي تنقــسم إلى ثلاثة أقسام في بعضها. فهو يقسّم الصفحة إلى نصّ على يمينها قد يكون مقتــبساً وإن بتصرّف، وفي يسار الصفحة نقرأ نصّ بوسريف الذي يســتلهم حالاً من «أحوال» الرومي أو الحلّاج أو «ألشيخ» الأكبر- ابن عربي، أو من مقاماتهم وأشعارهم.
العمل الشعريّ هذا، بقدْر ما هو مقاربة لروحانيّات الرومي، وقصائد «عشقه»، هو وغيره من المتصوّفة وعوالمهم، فإنه اقتراب منهم حدّ التداخل معهم، سواء على مستوى اللغة أو المضمون، خصوصاً حين «يتصرّف» بوسريف ببعض النصوص، ويستعير نصوصاً معروفة لكبار الصوفيّين مثل ابن عربي والحلاج والنفّري والشبلي والبسطامي وغيرهم، ويتصرّف بهذه النصوص ضمن رؤيته ولغته، كاشفاً عن دواخله وأعماقهم وأسرارهم، مثلما يكشف عن أعماقه هو و «انتباهاته وأشواقه» هو، لكن هذه جميعاً تتحوّل معه إلى العوالم الأرضيّة، أكثر منها السماوية.

نقول العمل «الشِعريّ» كما يستخدمها الشاعر، وهو يحاول تجاوز مفهوم «القصيدة» إلى «ما بعد القصيدة»، الذي يعني به «النصّ المُركّب» الذي تتداخل فيه أجناس من الكتابة، كما أشرنا في البداية، بل يتداخل الصوت والصدى في مقاطع هذا العمل، ولكن لكل منهما حيّزه ومساحته، مثلما يتداخل صوت الشاعر الحديث (بوسريف) مع تلك الأصوات القديمة، فيعيد إحياءها، ليعيش معها وبها، مساحات من التأمّل في العلاقات المتعددة. وإلى ذلك، فإن الشعر- لدى بوسريف «أسمى من أن تختزله في جمل وتعابير وألفاظ، بعضُها يُجاورُ بعضاً…»، فالشعر بحسب ما يرى هو «بناءٌ وعمارة تنأى بنفسها عن مألوف العمارة والبناء».

هذه البنية التي يمكن أن أطلق عليها «البنية التوليدية» من جانب، «والتركيبيّة» من جانب آخر، هي أبرز ما يميّز العمل الشعريّ الذي نحن في صدده. توليدية، لأنها تقوم على توليد مقطوعة من أخرى، أولاً، ولأنّها تتولّد على ضوء نصوص في خلفيّتها، أو حتى في جوارها. أمّا كونها تركيبيّة، فأعيده إلى أنها، بعد توليدها للنصوص «الفرعية/ القصيرة»، تعيد تركيبها في نص مركّب من هذه «المقاطع»، ضمن «بنية» معمارية/ شعرية جديدة، بنية تكتسب ملامحها الأساسية ليس فقط من مجرّد اجتماع «لَبِنات» عدة، بل من طريقة تركيبها بما يسمح بتفاعلها وتكوين البناء الجديد. فالعلاقات بين عناصر العمل، تشهد هذا التوالدَ الشعريّ من بعضها، فمنها ما هو بين العاشق والمعشوق، وهذه علاقة «الاتّحاد» وذوبان الواحد منهما في الآخر، بحسب المفهوم الصوفيّ للاتحاد، وهي يمكن أن تنحصر في اتّحاد «العاشق» بالمعشوق، أي المتصوّف المخلوق بالخالق، أو «الشيخ» بالمُريد. فالشاعر هنا لا يترك مفهوماً من المعجم الصوفيّ، سواء كان مفردة مألوفة، أو زوجاً من الثنائيات المتقابلة، أو بيتَ شعر أو مصطلحاً، إلا ويجد له مكاناً في قاموسه، وصياغة يستمدّها من تجربته مع هؤلاء الصوفيّين، وخصوصاً من ترحاله وراء «آثار» الرومي.

هو إذاً عمل في منطقة من «المناطق» الخاصّة في الشعر العربيّ، على رغم كثرة من تأثروا بجانب من جوانب الشعر الصوفيّ، لكنه ظلّ في منطقة التأثّر، ولم يبلغ إلى مساحة «رؤية» هذا الشعر والخوض في مخاضاته الغامضة والعسيرة. فهذه الرؤية، كما يقدّمها بوسريف، تأخذنا إلى مساحات من «الشطح» والروحانيّات الصوفية، الملتبسة بجوانب إنسانية في التجربة الصوفية، بل النزول بها من عليائها و «سُرياليّتها» لكي تسير في الأسواق، وتمشي بين الناس، كما في إحدى النصوص في هذا العمل، حين يخاطبه بـ «الأمر»:

ياااااا الرومي، انهض من تكيّتك،

اخرجْ إلى الأسواق، امشِ فيها كما تشاءُ،

كلْ الخبزَ الذي كنتَ بعرَق أنفاسكَ

بلّلْتَه ليصيرَ خميرة هَوىً،

به أشعلتَ ناركَ في كلِّ العُشّاقْ

هو عمل مشغول ضمن رؤية خاصة لعالم الرومي، ورؤية لعوالم الصوفيين عموماً، ويشكّل مقاربة لم يجترحها الشعر العربيّ سابقاً، لذلك فهو يستحقّ وقفة نقدية أكثر مما حاولنا في هذه القراءة السريعة.
___________
*المصدر: الحياة.

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *