الرئيسية / إضاءات / أميلي ديكنسون.. العزلة وابتكار فردوس الشعر

أميلي ديكنسون.. العزلة وابتكار فردوس الشعر

*ناجح المعموري

استطاع الشاعر نصير فليح، ترجمة قصائد للشاعرة أميلي ديكنسون وجعلها قريبة إلينا ومعروفة في محيطنا العربي أكثـر مما توفر لها من فضاء في وطنها. وما ترجمه الشاعر نصير نجح في الوصول إلينا وكأنه أعاد خلق قصائدها بشكل جديد، هذا ما تشعر به ونحن نقرأ لشاعر ومترجم متميز، وتأكد هذا لي عندما انتهيت من قراءة ديوان الأكمة والحجر. ضم قصائد لثلاثة شعراء هم :

نصوص ديكنسون كافية للتعرف عليها وهي من نمط الشعراء الكبار والذي يسحق مترجماً مقتدراً كي يصل إليها ويمنحها فضاءً واسعاً وعميقاً. لقد أضفى على قصائدها ما يمنحه لنصوصه الشعرية من جدة وجمال وسحرية، مع سرية وخفاء بحيث يترك تطارد ما كتب ولا تتمكن إلا من ظل لأثر.
العزلة متسيدة في قصائدها والخوف حاضر مع أشياء كثيرة ، مجهولة ولا تعرفها الشاعرة، لكن الحاضر منها هو الموت .
******************
الفردوس مستدعى، متخيل، صور هاربة، تدنو إليها تلتقطها لتخلق فردوسها الشعري، وهي تعرف كيف تردد صوتها وتلتقطه ثانية وتتعايش معه، وكأنه تمثيل لكل الإيقاعات الكامنة في الغابة التي هربت إليها الحياة إنها عتبة أبدية، كل ما فيها أساطير وطقوس.
تزاولها امرأة وحيدة، لا تعرف في مكانها الريفي غير إيقاعاتها الخفية والصامتة.
” أتذوق خمراً، لم يخمر قط / من أباريق مرصعة باللؤلؤ / ليست كل ثمار فرانكفورت / تنتج كحولاً كهذا / أنا عاشقة الهواء / وثمة الندى / أدور عبر ليلي الصيف النهائية / في حانات من زرقة مذابة / عندما يخرج السادة النحلة المخمورة / خارج باب الخشب / عندما ترفض الفراشات جرعاتها سوف اشرب أكثر / حتى يؤرجح الملائكة قبعاتهم.
المغطاة بالثلج / ويهرع القديسون الى النوافذ / ليروا الى المدمنة الصغيرة / قادحة من ” مانزانيللا”
لم تعطل العزلة أحسسها بالجمال الموجود في الفضاء الواسع، ولىنها لا تعرف عشيقاً تموت من اجله بأسطورة رومانسية قررت الموت من الأجل الجمال. لكنها عرفت لاحقاً كائناً مات من اجل الحقيقة وأعلنت الشاعرة بأن الذي مات لأجل الجمال متماثل مع الذي مات لأجل الحقيقة.
تثير قصائدها ثنائية حاضرة بين الكائن والفضاء الفردوس، أو الحديقة الصغيرة. فكلاهما يذكران بفردوس الذاكرة ، المحفز لاستمرار الأحلام الحقيقية. وما دام الإنسان قد عرف الأحلام، فإنه سيعيش ويظل هكذا باقياً مع أحلام التفاصيل العديدة في قصائدها، وأكثرها حضوراً هو الفزع من العزلة والقلق من الموت الذي لم يتعطل ابدأ. انه يزحف بهدوء واطمئنان، مثل طفل يحبو، حتى يصل، ومثلما قال ديفديلج: كامل فكرة الإيمان تبدو وكأنها لا شيء أكثر من خدعة الاحساس النهائي هو أن هو الحد النهائي لمزحة سيئة كحادت طويلاً.. اميلي ديكنسون منعزلة ، تعيش وحيدة ـ كما قلناـ ولهذا تمظهر واضح في قصائدها. ويبدو في القراءة العميقة بأنها، لا تشعر بما منحته لنا القراءة… أي الفردانية، والاكتفاء بالحوار مع الذات والذهاب ابعد من ذلك، عندما تتخيّل مكانها ضاجاً بالحركة، لا بل، هناك من يقصدها.
الريح طرقت الباب مثل رجل متعب/ وأنا لمضيقة أحببت بجرأة : ادخل ./ فدخل بيتي عندها
ضيف عجول بلا أقدام
*************
زارني، ساكناً، متنقلاً،/ ومن ثم كرجل خجول/ طرق مرة أخرى/ لقد كانت زوبعة/ وأصبحت وحيدة ، مرة أخرى ص 82//
هذه قصيدة مخاتلة وهادئة، تقول ما تشعر به في كل لحظة وسط فضاء الريف، حيث الهواء أو الوصف، فهي راضية بوحدتها لا أحد يزورها، وهي سعيدة بذلك، لكنها مخيا لها يلتقط ما يجري أو يحدث في فضاء الريف ويعيد إنتاجه صوراً يفضي بها وبالنص نحو تبدلات قد حصلت، وهي غير ذلك تحلم مثلما قلنا أن يزورها رجل ما، لكن لا يتحقق هذا بل يغزوها ريح، تطرق بابها، لكن طرقتها تشبه ضربة رجل على باب يعرف من سيفتحه له. وتنتج سرديتها البسيطة الشفافة وتتخيّل الريح رجلاً متعباً وهي مضيفته لذا اجابت على نقرته للباب: ادخل
تعرف المرأة الوحيدة في بيتها بأنها تعيش لحظة وهو جميل، يولد لها نوعاً من طمأنينة مثل الحلم، لكنها اكتشفت بأنه ضيف عجول، بلا أقدام ومستحيل أن تقدم له معقداً، فهو لا عظم فيه ليربطه.
هذا نص منفرد بطبيعته السرديته، لذا ذهبت مع الحكاية حتى اللحظة الأخيرة، حيث أدركت بأنه كرجل خجول، طرق مرة أخرى ” لقد كانت زوبعة ” وتلاشى حلمها وتعطلت تصوراتها عن الذي طرق الباب ” لقد أصبحت وحيدة ، مرة أخرى، في قسوة، ووحشة العزلة، فهي عادت لوحدتها مرة أخرى.
الخوف من أشياء كثيرة ، مجهولة، وغامضة، لا تعرفها لكنها متيقنة من كونها في مكان ما . ذهبت الى خارج المدينة، واختارت الريف، لتستعيد لحظة البدء الفردوسية وترتضي بالذي هي فيه، تقرأ ما ترى وتعيد إنتاجه شعراً. لكن الموت هو الحاضر الماثل في كل مكان، انه هاجس مريب وتكرر حضوره مرات عديدة في قصائدها مثال ذلك رقم 16 ، و19 ، 33 وغيرها.
لكن معايشتها للموت كحضور لم يعطل أحلامها وطموحها بالبقاء لقد اختارت عزلتها واعتادت على هدوء لم يعرفه كائن آخر. أنها امرأة حالمة، كي تعطي حياتها مبرراً، وقصائدها أحلام من نوع آخر، مرنة، شفافة، ويجب أن تكون هكذا في الريف. لأنها ممتلكة طاقة تخليق الأحلام والتخيلات، لذا تبدّت أحياناً وكأنها كائن من كائنات العتبات الأولى. الريف، الحدائق، الطبيعة رموز / أحلام، ارتضت بها، وتعايشت مع فردوس جديد، خطيئته الوحيدة كتابة الشعر.
أميلي ديكنسون شاعرة مهمة، تلتقط ظل الشعر وتصونه في عمق النص، وتعطيه من روحها صفاء ظلال الشعر، ومن ذاكراتها ما تبقى فيها من طفولة. قصائدها تخيّلات وصور، هي التي أرادت إشراكنا بها وكنا سعداء بالذي ارتضاه نصير فليح لأنه نجح كثيراً في الذي أنتجه ، وصار وسيطاً مثلما اعتدنا عليه في ترجمته للشعر.
*****************
الفردوس مستدعى، متخيل وحاضر، صورها ربة تدنو إليها، تلتقطها، لتخلق فردوسها الشعري، وهي تعرف كيف تردد صوتها وتلتقطه ثانية، وتتعايش معه، وكأنه تمثيل لكل الإيقاعات الموجودة في الغابة التي هربت إليها كحياة بدئية كل ما فيها أساطير // ( أتذوق خمراً ، لم يخمر قط / من أباريق مرصعة باللؤلؤ / ليست كل ثمار فرانكفورت / تنتج كحولاً كهذا / أنا عاشقة الهواء / وثمة الندى / أدور عبر ليلي الصيف النهائية / في حانات من زرقة مذابة / عندما يخرج السادة النحلة المخمورة / خارج باب الخشب / عندما ترفض الفراشات جرعاتها سوف اشرب أكثر / حتى يؤرجح الملائكة قبعاتهم .
المغطاة بالثلج / ويهرع القديسون الى النوافذ / ليروا الى المدمنة الصغيرة / قادحة من ” مانزانيللا ص 79)
الوحدة / العزلة يغذيان الروح بالشعر والتأمل والغناء في لحظة تلتقط فيها اصوات الغابة الضاجة بالحنين لشيء هو الأخر البعيد ، القريب ، الغائب ، الحاضر ، لقد أختصرهم الشعر / ومن ثم كرجل خجول / طرق مرة أخرى / لقد كانت زوبعة / وأصبحت وحيدة مرة أخرى ص 83//.

_______

*المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *