الرئيسية / إضاءات / وداعا جنيف سويسرا بعيون عربية /حواشي على متن الرحلة

وداعا جنيف سويسرا بعيون عربية /حواشي على متن الرحلة

خاص- ثقافات

*إبراهيم مشارة 

كم وددت أن أكتب عن سويسرا وكم أمسكت بالقلم ثم تركته، كان قلمي كالجواد الحرن يأبى علي ذلك ويسلمني إلى خدر وإلى كسل كبير فأرجئ الكتابة إلى وقت آخر لا أعلمه ، بالرغم من أنني زرت هذا البلد الجنة في أواخر التسعينات وبقيت فيه أكثر من ثلاثة أشهر، وما كنت أحلم أن أزوره في يوم ما ولكن الأقدار رتبت لي هذه الرحلة الكبيرة وادخرت لي بين ثناياها ذكريات سعيدة فلها المنة. كانت الطائرة تطير فوق الألب الأشم في العاشر من شهر أيار وهو يكتسي بياضا أبديا كأنه قطعة ضخمة من القطن ومن إحدى نوافذها كنت أراقب المشهد ولا أصدق أنني بعد أقل من ساعة ٍأحط الرحال بمطار جنيف أنتركونتنتال،أو “كوانترن” كما يسمى كذلك. وفي النفس قلق غريزي من تغيير المكان والحلول في آخر وما تدخره الأيام من مصادفات قد تكون غير سارة. واقتربت الطائرة من المدينة، وهي تحلق منخفضة في أجوائها، كنت مندهشا من سحر المنظر وروعته وقلت في نفسي منظر لا يصلح له إلا شاعر ! البحيرة المشهورة ساكنة بلون اللازورد – والشمس مشرقة- وأراض خضراء والرون يشق تلك الأرض في هدوء وثبات وشفافية بلورية وتتناثر على ذلك البساط الأخضر دور الناس من مزارعين وغيرهم بقرميدها الأحمر وكنت تميز بسهولة الأبقار وهي ترعى جماعات وفرادى ومن بعيد النافورة العملاقة التي تميز المدينة والتي صارت معلما سياحيا كما يميز برج إيفل باريس وتمثال الحرية نيويورك والكوليزيوم روما الخالدة . حطت الطائرة في مطارها الذي يعد من أكبر مطارات الدنيا، وحثثت الخطى أريد أن أتفرج على المدينة التي كنت أحلم بها مدينة روسو وكارل غوستاف يونغ ، ركبت أحد الباصات النظيفة جدا وصوت إحدى الحسناوت المسجل يمسح على الروح بعذوبة نبرته كلما وصل الباص إلى محطة، ينزل ركاب ويصعد آخرون بلا ضوضاء وحتى من يتحدث مع مرافقه لا تكاد تسمع حديثهما كأنهما يتناجيان وآخرون غرقوا فيما هم فيه من كتب أو مجلات يتصفحونها،ونزلت بموقف شامبولي. سألت عن شارع ريشموند ففيه بيت الشباب حيث قررت أن أبيت ليلتي وربما بت ليلة أخرى وأخرى أتفرج على المدينة وماذا ورائي ؟ لقد جئت هنا أصلا لأشبع تسكعا في الشوارع وأتفرج على خلق الله، فأوربا كتاب مفتوح تقرأ فيه كل يوم سطرا أو صفحة أو أكثر وقد لا تنتفع بما تقرأ فلا تتغير تظل كما أنت، وتلك مأساة كبرى! ففي السفر فوائد أحصاها شاعرنا القديم ويمكن أن تضيف إليها أخرى ، ثم أن السفر إلى مدينة دولي مون حيث ينتظرني صديقي جاك وزوجته إيرين يحتاج إلى ترتيب خاص وعلي أن أدبر بمفردي كيفية الوصول إلى هذه المدينة القريبة من ألمانيا وفرنسا على السواء، ولا بد من الكلام عن بيت الشباب هذا إنه فندق فخم يتفوق على فنادقنا السياحية ويبذها، نظيف جدا ،أنيق جدا، فيه كل شيء تحتاج إليه كغريب ،غسالة تغسل لك ملابسك ومطعم و موزع للمشروبات وهواتف والتواليت تسمع فيها الموسيقى الهادئة ولا أغالي في ذلك فهي حقيقة ، وفوق ذلك يطل على بحيرة ليمان الساحرة ، تلك البحيرة التي ألهمت لامارتين قصيدته المشهورة “البحيرة “. قضيت ليلتي هناك وفي الصباح كنت أتناول الفطور مع سيدة نمساوية شرعت تحدثني عن رحلتها إلى قلب سويسرا أما السيدة الأخرى فكانت عجوزا نيوزلندية جاوزت السبعين ولكنها في كامل أناقتها وحيويتها أخبرتني أن الرحلة من بلدها إلى جنيف استغرقت حوالي ثلاثين ساعة وأنها تعشق الأسفار وتهيم بمتعة الاكتشاف وأكبرتها وأكبرت صنيعا وتمنيت لها إقامة طيبة. جنيف مدينة على الحدود الفرنسية هي مدينة روسو صاحب العقد الاجتماعي وإميل والاعترافات ، ومدينة الأديب جان جينيه اللامنتمي صاحب رواية “سيدتنا صاحبة الزهور” والتي باح فيها بأشياء خطيرة وتعاطف الروائي مع المستضعفين فتبنى طفلا مغربيا بلا أبوين وأوصى أن يدفن في المغرب، أسس فيها الشاعر المصري علي الغاياتي جريدة “منبر الشرق ” عام 1922 وعاش فيها أمير البيان العربي شكيب أرسلان وافتتنت النساء السويسريات بقفطان محمد عبده لما نزل المدينة سائحا رفقة تلميذه أحمد لطفي السيد وحتى أمير الشعراء شوقي جاشت قريحته بالشعر السلس لما جاء سويسرا سائحا وله قصيدة في وصف أحد أنهارها وأحسبه نهر الرون. هي عاصمة كونتون دو جنيف فسويسرا بلد فدرالي مكون من كونتونات ولكل كونتون حكومته وخصوصيته وهناك حكومة فدرالية في برن وسويسرا أحسن مثال لتجاور الألسنة والعادات ، بعض الكونتونات لغتها الألمانية والناس هناك كالألمان في عاداتهم وفي صرامتهم وبعضها الآخر لغتها الفرنيسة وهي التي تتاخم فرنسا والناس هناك أقرب إلى الفرنسيين وكونتونات لغتها الإيطالية وهي التي تجاور إيطاليا وفي قلب البلد كونتون دو شفيتز ولغته الرومانشية ومنه أخذ البلد اسمه بالألمانية وربما في كونتون اليوم يوم عطلة ولا تجد ذلك في كونتون آخر وسويسرا – ذلك البلد الذي اختاره شارلي شابلن للإقامة فيه بعد أن ترك التمثيل وأمريكا – بلد المنتجعات السياحية حيث محطات التزلج الجميلة في زارمات وسان موريتز ودافوس وغيرها والبحيرات المشهورة الليمات حيث تطل عليها مدينة زيورخ قلب البلد الصناعي ونوشاتل ولوكارنو واللوجانو وغيرها وهي بلد بطل الاستقلال الأسطوري غليوم تل في القرن الرابع عشر الذي حكم عليه بأن يرمي بسهمه تفاحة وضعت على رأس ابنه فرماها ولم يصب الفتى بأذى وهي بلد المصارف كذلك فالبنوك العالمية مشهورة ورأسمالها بالبلايين وفي بازل- المدينة المرتبطة في فكرنا بمؤتمرها الشهير الذي ترأسه تيودور هرتسل وانتهى إلى قرار بإنشاء وطن قومي لليهود – بنك التسوية الدولية وهو بناية تبدو لك فارغة إلا أن اجتماعا ينعقد سنويا هناك وينفض الجمع بعد ذلك فتبلغ قلوب الرأسماليين الحناجر، ثلة من الرجال تلقي قولا ثقيلا يرتفع الدولار أو ينخفض الين أو ينتعش الأورو فتغنم دول وتخسر أخرى . في هذا المكان الذي يشبه البنكرياس في الجسم يجري ضبط مستوى السكر في الدم حتى لا يهلك البدن والسكر هو التوازنات المالية حفاظا على حياة الاقتصاد العالمي ، وفي الحربين العالميتين لم يمس البلد سوء، سواء من قبل الحلفاء أو من قبل جيوش النازية فالبلد قلب العالم المالي ويقولون لك إن الأموال والذهب والأحجار الكريمة وهي لأصحابها المودعين تخبأ تحت الأرض بل تحت بحيرة ليمان، وحينما كنت هناك رأيت عجبا اندماج لبنكين كبيرين في سويسرا هما اتحاد البنوك السويسرية والقرض السويسري وكان الرأسمال المجتمع للبنكين سبعمئة مليار دولار، ووصفت الصحافة هذا بزواج القرن! غير أن سويسرا بلد الصناعات الدقيقة فصناعة الساعات التي تشتهر بها تدر على البد البلايين وكذا الشكولاطة وإن بحثت في دول العالم فلن تجد مثل الشكولاطة السويسرية ، ألوان وأشكال ومذاق عجيب ، وفي سويسرا الجبن كذلك وصناعة الأغذية والصناعات الإلكترونية ويفتخر السويسريون أنه لما هبطت المركبة الفضائية “باثفايندر”على سطح المريخ وخرج المستكشف” سوجرنر” يجس تربة المريخ وأحجاره ، كان به جهاز صنع في مدينة زيوريخ وقد قرأت ذلك بنفسي في الصحف السويسرية في الرابع من يوليو في جريدة ” منبر جنيف”. ويطوق جبل صخري المدينة ويسلمها في وداعة إلى البحيرة الساحرة فتمسح على المدينة بهبات النسيم المنعشة والبحيرة تطل عليها مدن فرنسية كإيفيان وسويسرية أشهرها لوزان ونيون وفيفي مدينة ” نسله” شركة الصناعات الغذائية العملاقة ومونترو، والبحيرة بلون اللازورد إذا كانت السماء صافية والبواخر في جيئة وذهاب تنقل السواح من فرنسا إلى جنيف أو من مدن سويسرا الأخرى إلى المدينة ، وفي قلب المدينة قطعة أرضية يشطرها نهر الرون ويحف بها كما تحف الهالة بالقمر والأكمام بالزهر هي جزيرة روسو وفيها حديقة كان روسو يجلس فيها يتأمل وله تمثال رائع هناك وتربط الجزيرة بالمدينة جسور أخاذة جميلة. ويشق المدينة نهر آخر هو الأرف ولكنه أقل قيمة ومتعة من الرون فهو نهر متوحش، مندفع صاخب كأنه شاب، موحل ليس فيه صفاء الرون وحكمته في سيره الوئيد وجماله ومتعته وفائدته الاقتصادية للبلد. خرجت أجوب المدينة على ضفاف البحيرة حيث كثرة الزهور والأرائك المعدة لجلوس المتأملين والعاشقين والأشجار المنضدة تسر الناظرين وتنعش الغادين والفنادق الرائعة المطلة على البحيرة ، نوجاهلتون البو ريفاج والرئيس ولسن ، والبرنسويك المعلم التاريخي ، وتفتنك الجسور على الرون ولكن جسر المون بلان أحدثها وهو أطول جسورها ليس له ما للجسور الأخرى من جلال الماضي ورونقه ومسحة الفن وبإمكانك من هناك رؤية المون بلان أعلى قمم جبال الألب وقد كللت الثلوج البيضاء هامته فبدا كراهب بوذي يتبتل والمناظير مثبتة على الرصيف تدفع فرنكا فيشتغل المنظار لمدة قصيرة وترى الجبل عن كثب،كانت إلى رفقتي فتاة برازيلية من مدينة ريو دي جانيرو، سمراء فيها ملاحة تتفرج معي على المدينة وفي سويسرا كثير من الفتيات والشباب من البرازيل والأرجنتين ولا تلقى عنتا أن تصاحبك إحداهن أما السويسريات فيحتجن إلى وقت، إنهن يتمنعن ولا يبدين رغبة في التعرف إلى الأجانب ويبدو أن الحياد السياسي وسحر البلد الذي يعيشون فيه وكونه مهوى أفئدة الجميع والرفاهية التي يعيش فيها الناس هناك دفعتهم إلى الاعتداد بالنفس والشعور بالتفوق فلا يسلسن القياد إلا بعد لأي ، تسأل إحداهن عن الوقت أو عن شارع أو بناية فترد عليك في لباقة وتنصرف ، لا تبدي رغبة في الحديث أكثر وتجلس إحداهن على جنبك في الباص تتحدث إليها فتسمع منك وتسألك عن بلدك وتخوض معك في أحاديث شتى ولكن في تحفظ شديد وتنزل في أحد المواقف وينتهي الأمر. كانت سماء المدينة تغشيها بعض السحب والمدينة تتشح بلون رمادي ولكن الذي يسر عينك أكثر نظافة المدينة وتخطيطها وشوارعها الرائعة وقلة الزحام بها فليس الشأن كما في باريس أو لندن أو القاهرة ، واقتربت من النافورة العملاقة ، نافورة تدفع بالماء إلى أكثر من مئة وأربعين مترا ليلا ونهارا والسياح فرحين بمنظر الماء المتدفق وينظرون في أدلتهم السياحية وينظرون مرة أخرى إلى النافورة وكأنهم لا يصدقون أعينهم أنهم حقيقة أمامها! ومن ذلك المكان كنت أرصد المدينة ، يندفع فندق الأنتركونتنتال- الذي شهد لقاء أمريكيا عراقيا انتهى بقرار الحرب ويحتفظ في غرفه وصالوناته بأسرار عربية كثيرة – شامخا يتدافع إلى عنان السماء فيصبح نقطة مرجعية في توجيه السياح هاهي الضفة اليمنى وتلك هي اليسرى والجميل في هذه المدينة أنك تستطيع الانتقال من هذه الضفة إلى تلك في قوراب صغيرة على الرغم من وجود الباصات ولكن الفرجة لها حكمها. وجنيف مدينة عالمية وفيها مقر الأمم المتحدة ومكتب العمل الدولي حيث رأيت لأول مرة جائزة نوبل الشهادة والميدالية التي نالهما المكتب والمنظمة العالمية للصحة والمنظمة العالمية للملكية الفكرية والمفوضية العليا للاجئين وكلها زرتها ولكن زيارة مقر الأمم المتحدة له أهميته الخاصة تدفع فرنكات قليلة وتسير مع مرشد رفقة سياح تجوب أبنية الأمم المتحدة يقول لك المرشد هنا أبرمت اتفاقية إنهاء الحرب العراقية الإيرانية وتدخل قاعة الاجتماعات وتفاجئ أن سويسرا لا تتمتع بمقعد عضو ولكن ملاحظ فقط وهو ما يؤكد طابع الحياد لديها، وفي الحديقة التي تحتضن هذا البناء الفخم مجسم كأنه سهم أو صاروخ نحته أحد الفنانين الروس وأهداه الاتحاد السوفيتي إلى الأمم المتحدة هناك وهو يرمز إلى سيطرة الإنسان على الفضاء ورغبته في التحرر أكثر من كل شيء .وفي جنيف متحف الصليب الأحمر حيث كان بيت مؤسسه هنري دونان لقد حولوا البيت إلى متحف وهو يحكي تاريخ الصليب الأحمر وتاريخ الرجل الذي أسسه في سويسرا عام 1863، ولا يمكن لمن يسافر إلى سويسرا أن يضل طريقه حيثما سرت خرائط للحي الذي أنت فيه وموقعه بالنسبة وسط المدينة وخرائط أخرى لسير الباصات وأمكنة توقفها ويثير انتباهك أكثر في شوارع المدينة أنها لا تسمى إلا بأسماء أعلام المدينة أو مدنها وبحيراتها وعجائب الطبيعة المكنونة فيها، شارع روسو شارع غوستاف يونغ شارع زيورخ شارع لوزان …الخ وتحت كل اسم شخصية تاريخية هوية صاحبه وتاريخ ميلاده ووفاته ثم أعلام سويسرا في الدرجة الثانية ففي هذا البلد المتحفظ اعتزاز بالتراث والثقافة والتاريخ السويسري، ولن تسأل أحدا عن الوقت في جنيف أو في غيرها من المدن فحيثما سرت ساعات كبرى من أكبر الماركات العالمية راما ،أوميغا ، موريس لاكروا مثبتة في زوايا الشوارع ، وواحدة منها مزار عالمي إنها ساعة الورد ووقفت أمامها متأملا مفتونا بجمالها، ساعة عملاقة ميناؤها من العشب الأخضر وأرقامها من الورد وكان السياح أمامها يتأملون جمالها ويلتقطون الصور التذكارية وهي دقيقة في توقيتها ولها فريق من العاملين يسهرون على العناية بها وتغيير التاريخ المكتوب هو أيضا بالورد! وأما السير في المدينة القديمة فله متعته شوارع ضيقة قديمة أشبه بالأزقة ولكنها جميلة تنفحك برائحة الورد وفي كل زاوية عاشق يقبل حبيبته أو يتبادلان النكات أو يجلسها في حضنه يداعب شعرها ولا أحد يهتم بأولئك العشاق إنهم يعيشون حياتهم ، وربما إن مرت عجوز ترقب الفتاة المنتشية بسعار القبلة أو إيحاء الهمس تمثلت بشعر الأخطل الصغير لو كانت تعرف العربية:
عرفتهم واحدا واحدا
وذقت الذي ذقته مرتين

000424
وفي أعلى نقطة من المدينة القديمة كاتدرائية جنيف وهي ككل الكاتدرائيات في أوربا تتميز بالفخامة والجمال والفن الذي أبدع فيه متعاطوه سواء في رسوم السيدة العذراء أو السيد المسيح أو القديسين وفي الزجاج الملون وعبق القرون الوسطى بما يحمله من تاريخ في الصراع مع الكنيسة ويتدفق السياح على الكاتدرائية بعضهم ملحد لا يؤمن بدين ولكنه يأتي لمجرد الفرجة وبعضهم من كبار السن عادة يقفون وقفة خشوع، وفي زاوية جلس أحدهم إلى قس وهو يعترف له بخطاياه! والمدينة القديمة لها سحرها ، المقاهي جميلة تدخل مقهى فيحضر النادل الذي هو فتاة جميلة عادة فتطلب قهوة وتتناول جريدة من الجرائد الموجودة عند المدخل وتحضر القهوة مع شيء من الحليب حتى لو لم تطلبه فهو من تقاليدهم وكان يلذ لي أن أتردد على مقهى كانت تتردد عليه إليزابيث تايلور ولها صورة في ذلك المقهى معلقة في أحد جدرانه وفي المساء المطاعم يكثر روادها والموائد تنضد في الخارج حيث يتناول الناس عشاءهم على ضوء الشموع وهذا عازف يعزف على قيثارته أو على الأكورديون ينفحونه بالنقود فهم يتكرمون على أهل الفن بلا من أو أذى . وجامعة جنيف جامعة مشهورة درس فيها العالم السويسري الشهير دوسوسور بين1907و1911 وقسم اللغة العربية مشهور أيضا وقد ترددت عليها كثيرا للمطالعة في مكتبتها وقضيت ساعات رائعة في رحابها حيث القوم كلهم غارقون فيما هم فيه من مطالعات وبحوث، نثروا المراجع والقواميس أمامهم لا يتكلم الواحد مع صاحبه إلا فيما تعلق بالعلم والأدب وبعضهم من كبار السن ليسوا طلبة ولكنهم يغشون الجامعة ويطالعون ويحضرون المحاضرات والجامعة لا تحرمهم ، فلا حدود عمرية للتعلم . والتسوق في جنيف له متعته ولكن تكاليف المعيشة غالية غير أن دخل الفرد مرتفع فالناس جميعا ينعمون بالرفاهية ويمكنك أن تدخل ” البلاصات” أو “الميغرو” أو “الكوب” فتشتري طعاما أو لباسا أو وما شئت غير أن البلاصات في جنيف له مكانته ففيه ولد روسو وهناك لوحة تشير إلى ذلك. فتاريخ الأدب والعلم والأدب لا يمكن التغاضي عنه أمام الأجيال التالية. ومرافقي التونسي هذه المرة يخبرني بأن لا أطمئن كثيرا إلى هدوء المدينة في شهر أيار ففي أغسطس تصبح كلها عربية ! على أنني ودعت صاحبي ووعدته باللقاء في أغسطس أما الآن فورائي ما هو أهم ، السفر إلى صديقي جاك فرواديفو في قريته الهادئة على الحدود الفرنسية، ركبت القطار من جنيف إلى بيين والقطار السويسري قطعة من البلور الشفاف تجري على القضبان، جمال و نظافة وخدمات ، كل شيء يدفعك إلى التأمل جمال الناس وهدوءهم داخل القطار والمراقب الذي يرتدي بذلة العمل، حليق الذقن ، لبق في كلامه يقترب منك إن كنت نائما فيهمس لك :
– التذكرة ، من فضلك سيدي وتسأله متى نصل بيين؟ فيرد بلطف ويقين:
– سنصل إلى نوشاتل في الساعة الرابعة وخمسين دقيقة ونصل بيين في الخامسة وخمس وأربعين دقيقة ،هنا الدقائق لا مجال للتلاعب بها ويصدق في كلامه ، فعند الساعة الخامسة وخمس وأربعين دقيقة يدخل القطار محطة بيين وتسمع صوتا من داخل القطار: المسافرون المتوجهون إلى دولي مون نشكركم على اختياركم السفر معنا القطار يتوجه إلى زيوريخ أنتم مرجوون أن تنزلوا لتمتطوا قطارا آخر. و دولي مون عاصمة كونتون دو جورا مدينة يحضنها جبل الجورا وينزلها في حضنه برفق ويكلأها من عوادي الأيام مدينة كمدن سويسرا لم أبق فيها أكثر من ساعتين، ككل مدن البلد تتعب عيناك من ترصد الجمال والنظام والنظافة وألوان الزهور الفتانة ومن هناك امتطيت باصا إلى قرية سوبي وقبل أن يصل الباص إليها نزلت في قرية إسارفالون حيث مزرعة صديقي جاك الذي استقبلني بحفاوة رفقة زوجته إيرين رايزر وابنتيه الصغيرتين وهما تدرسان في مدرسة ابتدائية قريبة وله بنت ثالثة تعيش مع أخته في مدينة لاشو دو فون المدينة الأكثر ارتفاعا بين مدن سويسرا وتدرس في مدرسة لاند شتاينر حيث الانتقال تلقائي بلا امتحان ويختار الأولياء لأبنائهم النظام المدرسي الذي يودون ، وجاك صديقي مزارع سويسري هو وزوجته إيرين وهي من زيوريخ يعيشان بلا عقد زواج لا يكفان عن انتقاد الدولة وهو شأن كل الأوربيين فالحكومات منبوذة ومهما صنع رجالها لمواطنيها فهم مجرد مرتزقة يعيشون على الضرائب التي يدفعها المواطنون ويحسنون الكذب والخداع! لفت انتباهي وأنا عند صديقي في بيته بيت يرتفع فيه علم كوبي وعليه عليه صورة المناضل العالمي شي غفارا وقلت في نفسي هل هذه سفارة بلد في الريف؟ وأخبرني جاك أنه مواطن سويسري يعيش في زيوريخ ويأتي إلى الريف في كل نهاية أسبوع ولا أحد يمنعه من رفع العلم الكوبي ولا يخضع لاستنطاق من قبل بوليس بلاده ، وجاك وزوجته يمتلكان مزرعة مليئة بالأبقار ويصنعان الجبن ويبيعانه وقد تعلمت من زوجته صنع الجبن وصنعت منه خلا ل إقامتي التي دامت شهرا أكثر من خمسين كيلوغراما.وأهل البيت يكادون يكونون نباتيين فيقتصدون في استهلاك اللحوم ويحبذون الخضروات والمزرعة لا تستعمل أسمدة كيماوية وحتى فيما يشترونه من أغذية يحرصون على الطبيعية التي لم تخالطها كيماويات وفي البيت مكتبة والكتب فيها معظمها ما تعلق بالزراعة والحيوانات والطبيعة. وإيرين في الثلاثينات من عمرها قامة ألمانية وعينان زرقاوان وشعر بلون أشعة الشمس تعمل في المزرعة، تحلب الأبقار في مراعيها وتجلب الحليب لصنع الجبن وتقود سيارتها وتشتري الغذاء من المحلات في القرى المجاورة وتعمل في المزرعة، وتبيع الجبن في المدن القريبة بلا كلل ، تستيقظ كل يوم عند الخامسة صباحا وهي مثال للمرأة الأوربية المكافحة العاملة.ويتردد علة البيت ستيفان وهو شاب من زيوريخ له قرابة مع إيرين ودود نمشي المسافات الطوال نتحدث في كل شيء ويحب الشرق ويود زيارته وكم يأسف على سيطرة الفكر الاستشراقي على العقلية الأوربية في تعاطيها مع الشرق وفي أفكار الأوربيين المشوهة عن العرب والإسلام، يحشو سيجارته بالحشيش ويعرض علي السيجارة استجلابا للنشوة وأعتذر له عن قبول دعوته تلك ، وإيزابيل البلجيكية المطلقة في الثلاثين من بروكسل لا تكف عن التدخين والفضول ودانيال السويسري الولوع بحصانه الذي لا يكف عن الحديث عنه كأنه ولده ويحضر إلينا رزمة من المجلات المتخصصة في شؤون الأحصنة نتفرج وهو يشرح لنا ما تراه أعيننا ، أما إلفيك فهو فلامندي مرح ودود لا يحب البروتوكولات يمزح كثيرا فيضع الأصباغ على وجهه كأنه غانية ويخرج إليك من مكان خفي مفاجئا إياك بشكله العجيب هذا ، يأكل فليحس الصحن إذا فرغ من الطعام كأنه قط ويهيم بالمغامرات ومرة كنا نتحدث فأنكر على المتحدث ذكره للسماء وتعلل لذلك بأنه لا يراها وقلت له إن روح أورست في ذباب سارتر قد حلت فيك أيها الفلامندي الملحد ويضحك الجميع. وكذلك الأوربيون عموما يؤمنون بالحياة ويسعون إلى العب منها بلا كلل. كانت إقامتي في الريف السويسري رائعة ألهمتني الكثير، كنت أقوم بجولات في الغابات وأستمتع بجمال الأنهار وتغريد الأطيار وخوار البقر وأصوات الأجراس المتدلية من أعناقها، والريف السويسري أنيق، الخضرة حيثما التفت والمنازل جميلة تكثر فيها النوافذ – لمزيد من الضوء والهواء- والطرقات مرصوفة والريف الأوربي كله فاتن ولكن الجمال في سويسرا له طابعه الخاص كل شيء بقدر، البلد مساحته صغيرة وكذا عدد سكانه ولا تفاجئ بالعمارات الشاهقة الباذخة في المدن ولا الأحراش الموحشة في الأرياف هنا الأناقة واللطف والرقة والهدوء الذي يقلقك أحيانا وحتى الأبقار وهي في المراعي تمر عليها فترفع رؤوسها في ثقل تنظر إليك قليلا فتعرف بأنك غريب فلا تبالي وتعود إلى ما هي فيه من شأن بلا صخب وحتى كلبة صديقي جاك ” بوتشي ” كنت أزجرها إن أصرت على مرافقتي في جولاتي فتتأسف في لطف وتعود كسيرة مطرقة بلا ضوضاء هي أيضا! ويمكنك في الريف أن تشتري ما شئت فأنت لا تحس بالعزلة وساعي البريد يحمل إليك البريد كل يوم في ميعاده بلا تأخير فأهل الريف كأهل المدن ينعمون بنفس الرفاهية التي أتاحها العصر الديمقراطي الصناعي ولا تشكو الأرياف من نزوح شأن أريافنا ، والباص يمر في مواعيده المثبتة على لوح في موقفه ولا زلت أذكر تلك الحفلة التي دعينا إليها أنا وصديقي جاك في الهواء الطلق، المزارعون الذين كانوا رجالا ونساء ، شيبا وشبانا، يستمعون إلى الموسيقى ويرقصون على أنغامها واللحم يشوى والخمر تصب في الكؤوس والفرح باد على الوجوه المحمرة والمزارعون يخوضون في أحاديث شتى. يقول أحدهم لصاحبه الثمل:
– أتذكر ذلك المذنب؟ كان هناك منذ ليال لكنه اختفى الآن، وكان يشير إلى مكان اجتمعت فيه كوكبة من النجوم تسترق الهمس وتتنصت على السامرين . فيرد الآخر:
– مذنب “هال بوب “؟ آخر مرة زار فيها الأرض كان ذاك منذ عهد الفراعنة ، في المرة القادمة حينما يزور الأرض سوف تكون هلفيسيا أي سويسرة بحرا سيذوب الجليد في القطب ألا تسمع يا جاك أنباء عن ارتفاع درجة حرارة الأرض وارتفاع مستوى مياه البحار؟ فيجيب جاك :
– أنا لا أسمع إلا أنباء عن ارتفاع أسعار المازوت والحنطة وبذور الكرنب الذي نطعم به حيواناتنا، سحقا للحكومة فيرد آخر :
– أمريكا هي السبب، تبا لها موسيقى، رقص، هيا حبيبتي نرقص قبل أن يعود هال بوب ونكون في عداد الغرقى كأصحاب التيتانك! ويقهقه الجميع . هنا الثقافة ليست حكرا على أبناء المدن أو طلاب الجامعة، إنها هواء يتنفسونه وغذاء يتناولونه شيبا وشبانا، رجالا ونساء، أهل حضر أو بداوة ومعذرة لابن خلدون على هذا التحريف المتعمد. ولكل كونتون في سويسرا صحافته وحكومته وفي كونتون دو جورا كنت أقرأ جريدتها بانتظام وأذكر الضجة التي أثيرت حول ثروة موبوتو سيسسيكو، كان الثوار قد استولو على الحكم والرئيس مريض يعالج في فرنسا ويقيم بالكوت دا زير وتطلب الحكومة الجديدة بيانا بأموال موبوتو وتطلب الحكومة السويسرية وقتا للتحقيق ثم تعلن أن أموال الرجل أربعة ملايين فرنك سويسري بينما الحكومة في الزائير – سابقا أو الكونغو الديمقراطي حاليا – تقدرها بمليارات الدولارات إضافة إلى عقود الماس والأحجار الكريمة فالرجل نهب البلد عقودا وكان يدخر أمواله في البنوك السويسرية ولكن الحكومة لا تعطي الحقيقة إنها تتكتم على حسابات زبائنها بل وتفتح لهم حسابات مشفرة وهذا الإجراء جعل السياسيين في العالم يدخرون أموالهم هناك فالبلد يتكتم على أصحاب الحسابات ويصونها من متابعات تلك البلدان إذا تغير النظام السياسي. وعند صديقي جاك حضرت استفتاء غريبا فسويسرا بلد الاستفتاءات ويقولون أن هناك أحد عشرة استفتاء كل عام، وكان موضوع الاستفتاء : هل تؤيد صنع بلدك للأسلحة وبيعها للعالم؟وفي مكان الملصقات في دار البلدية ملصقة عليها حجج المعارضين وبجوارها أخرى عليها حجج المؤيدين ويختار المواطن عبر الاقتراع في صناديق زجاجية الرأي الذي يراه صائبا، ولا مجال للتلاعب هنا فالاقتراع نزيه وشفاف ومن غرائب المفارقات أن المؤيدين هم الذين فازو في هذا الاستفتاء!وأعلن الرافضون أنهم لن يكفوا عن النضال حتى يتحقق مطلبهم. شهر كامل قضيته في الريف السويسري أصاحب الأطيار والأبقار وأتنزه في الغابات الوارفة الظلال وأستمع إلى خرير الماء في الأنهار وأنتشي بصحبة بعض الأصدقاء. إلا أن تلبد السماء وكثرة المطر والضباب الذي يستمر لأيام كان يسلمني إلى حزن أحيانا. المطر، المطر، المطر، وأذكر قصيدة السياب العظيمة، أنشودة المطر :
وكل عام حين يعشب الثرى بجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي واهب الحياه
مطر…
مطر…
مطر…
سيعشب العراق بالمطر
وأتذكر العالم العربي متى يعشب بالعلم والديمقراطية والحياة والرزق والمساواة لكامل الشعب العربي؟ أم أنه كمومس السياب العمياء:
أكان عدلا فيه أنك تدفعين
سهاد مقلتك الضريرة
ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيرة
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين
ولا يفوت السائح وهو يمر بالمدينة في أغسطس عيد جنيف ، احتفالات بالموسيقى والرقص والسينما والمطاعم المنتشرة على الهواء والمثلجات الحلوة المذاق والألعاب النارية والألعاب للأطفال والتسلية للكبار بما يناسبهم من رمي بالبنادق وركوب سيارات صغيرة وعربات تدخل بهم أنفاقا مرعبة كل هذا على ضفاف البحيرة فقد أعدت منذ أمد لاستقبال العيد ويحضر العرب بكثرة خاصة من الخليج مع أسرهم وتمشي على ضفاف البحيرة فلا ترى إلا العرب وكأن البلد حال عربيا كله وتشجع الحكومة هذا لأنه يدر عليها ملايين الفرنكات ويروج للبضاعة المحلية وفي ليلة العاشر من أغسطس لا تنم وامش على ضفة البحيرة ليلا ستفاجئ إن كنت لا تعلم بشلالات دافقة من الضوء بكل الألوان وأصوات المفرقعات النارية وهي تتصاعد إلى السماء وانكسار الضوء المتموج على صفحة البحيرة في شكل بديع وكأنك في حلم ، شلالات من الضوء من كل الألوان وصخب ورقص وموسيقى ومرح إلى الفجر. والمراقص الليلية الشبابية في المدينة أشهرها اثنان “الباق” أي الخاتم وهو ملهى ليلي صغير تؤمه الجالية من أمريكا الجنوبية ويقدم موسيقى أمريكا الجنوبية وإيقاعها رائع مرقص ، و”الميد” وهو مرقص شبابي كبير وحين يمتلئ تكاد تختنق من رائحة الأنفاس والجعة والتبغ والعرق المتصبب،هناك اطرح حياءك الشرقي واستعد أن تجذبك إحداهن تراقصك رقصات جنونية وتؤمه كثير من الحسناوات السويسريات ذوات الرشاقة والأناقة، قدود نحيفة مياسة متموجة وعيون فيروزية تغرقك في أقيانوس جمالها وشفاه كرزية وسيقان مرمرية وخدود أسيلة وشعور قمحية لا تكف عن الرقص المجنون حتى الصباح ويأخذك العجب كيف تجد الناس صارمين في النهار سواء أكانوا طلبة أم موظفين وحين يسدل الليل أستاره تجد القوم صرعى ، أبدان مكدودة ورؤؤس منتشية بالخمر والرقص ويطلع النهار فيعود القوم إلى جدهم في الجامعات والمعامل،إنهم يعطون ما لقيصر لقيصر وما لله لله أو ساعة لأعمالهم وساعة لقلوبهم! وجنيف فيها مكتب لاستقبال اللاجئين يستقبلهم المكتب يجري عليهم فحوصا طبية ثم يرسلهم إلى مراكز إيواء إلى حين النظر في طلباتهم بالرفض أو القبول واللاجئ يتمتع بالرعاية الصحية والمطعم والمبيت ويتقاضى منحة شهرية فإذا قبل طلبه سويت وضعيته وتحصل على سكن وربما على عمل قار وإن رفض، طلب منه مغادرة البلد وكثيرون يأتون يتعللون باللجوء يستفيدون من المنحة والإيواء ويقضون الليالي في المراقص بحثا عن زيجات يسوون بهن وضعياتهم وقد التقيت بلاجئين من التبت وشمال إفريقيا والعراق وإفريقيا لا هم لهم إلا قبول مكتب اللجوء لهم وعدم العودة إلى بلدانهم وبعضهم كان حقا قد عانى الويلات في بلده. ومرة أخرى أركب القطار السويسري الرائع إلى لوزان وإلى جنبي فتاة نيوزلندية ، كل شيء فيها ينخس سكونك ويدفعك لاستقبال الحياة مستمتعا مندفعا لا تلوي على شيء ، الأنوثة فيها صارخة معربدة والنضج والاستواء أخذا مكانهما في هذا الجسد المرمري وكنا نتجاذب أطراف الحديث وأنا أهمس لنفسي : قد عرفتكم أيها النيوزلنديون منذ أفطرت مع جدتكم في شارع ريشموند، ويأخذني العجب وتستبد بي الحيرة أأستمتع بجمال هذا الوجه أم بجمال الطبيعة؟ والفتاة تغريني بالذهاب معها إلى زيورخ ؟ ولوزان مدينة جبلية تكثر فيها المرتفعات والرطوبة وهي مدينة سكنية من الطراز الأول لا تجد فيها ضوضاء المدن الكبرى بل هي مدينة شاعرية ، توفي فيها محمود تيمور – القصصي المصري – مصطافا يتخذها كثير من السياسيين المعتزلين والأثرياء مقر إقامة لهم وإطلالتها على ليمان رائعة وكاتدرائيتها جميلة وفيها مقر اللجنة الأولمبية والبوليتيكنيك في لوزان مشهورة يتخرج منها المهندسون وعلماء المستقبل ولا تضاهيها إلا بوليتكنيك زيورخ ومنها تخرج ألبرت أينشتين والتحق موظفا بمكتب براءات الاختراع في برن وكثير من صانعي النظارات والعدسات يتخذون صورا له يزينون بها واجهات محلاتهم فقد اشتهر أينشتين بعيب في الإبصار وأهل سويسرا يفتخرون به فهو مواطن سويسري كما هو مواطن ألماني، فيها درس وفها توظف وفيها أخرج للعالم نظرية النسبية الخاصة عام 1905. وضفاف البحيرة المسماة ” أوتشي” ساحرة شاعرية، منتزهات رائقة،الورد الأصفر والأحمر يستقبلك والشجر يظللك وجمال الوجوه يغريك ويتركك حالما، على أنني لم أبق في لوزان غير يومين وعدت إلى جنيف. كنت أقيم بعمارة للطلاب تدعى “سان بونيفاس ” يقيم بها طلبة من الإناث والذكران ، هذه أمريكية تحضر لشهادة الدكتوراه في العلوم السياسية وتلك بولندية جاءت للمتعة لا غير وهذا روسي طالب وذاك من المغرب العربي يحضر لشهادة مهندس في الاتصالات يحرص على أداء الصلاة ويخشى من حضارة الغرب ومن الذوبان فيها ويعدد لي محاسن الشرق:الحميمية ، الروحانية ، روح الاجتماع والوفاء الزوجي والإيمان، ونذهب معا إلى الباق أو الميد نختلس المتعة ولكنه يشكو من الحرمان يقول لي:
– أتدري كم أتعب، كلما تعرفت إلى فتاة هنا في العمارة تصدني لأني أظهر لها شبقي للوهلة الأولى فتنكر علي ذلك، وهن كما ترى ساحرات يفتن الراهب في معبده وصبري نفذ أأبقى أتلظى صاديا والماء السائغ لذة للشاربين؟ وأعزيه على ما فاته ، وأطمئنه أن في الغد الخير الكثير! وأقول له يا صديقي إن مشكلتك هي نفس المشكلة التي تضمنتها رواية عصفور من الشرق وأديب والحي اللاتيني وموسم الهجرة إلى الشمال وما الحب إلا وجها من وجوه المشكلة في التعاطي مع الغرب ثقافة ومعاشا وتفكيرا، لقد قال كبلنج ذات مرة :الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا! وكثيرون يعتقدون أن بنات أروبا شبقات لا يشبعن من الحب وكأنهن ما خلقن إلا للمتعة بلا حسيب. هن لسن كذلك، جادات عاملات أو طالبات، يعطين الفرصة لأنفسهن في التفكير والتروي ولا يعني مطلقا أنها إذا عرفت شابا أسرعت معه إلى السرير! وقد تكون معها في البيت كصديقين فقط وقد يحدث وقد لا يحدث. وذلك راجع إلى كونها لا تعاني حرمانا ثم نضجها الثقافي والاجتماعي -وحريتها لم تكتمل بعد حسب سيمون دي بوفوار- يصونها عن الابتذال. وكذلك عشت ما عشت في جنيف بين الأصحاب والفرجة والتردد على دور الثقافة والفن ، غير أن صديقة دعتني إلى بيتها بعد أن تعرفت عليها كانت روسية الأصل ومتزوجة من أرجنتيني وضعت زجاجة الفودكا على المائدة فقلت لها إني إن شربت منها هلكت للتو، فتضحك وتخبرني أنها قررت مغادرة البلد مع زوجها إلى الهند وأسألها عن السبب فتقول لي أنها زارت الهند وأعجبتها تقاليد الهنود وروح الاجتماع عندهم وهي ممارسة للرياضات الروحية كاليوجا وكذلك وزجها، فأقول لها :
– هل هي روح إيفانوفتش حلت فيك ؟ وتسألني عن الرجل من هو ؟ فأجيبها شخصية من شخصيات رواية توفيق الحكيم في “عصفور من الشرق” فقد نصح بطل الرواية بالعودة إلى بلده وكان ناقما على مادية الغرب وانحلاله وفقدان الحياة بهجتها وقيمتها الحقيقية، وقد أهدتني بعضا من كتب مكتبتها. وفي سويسرا كما في أروبا ظاهرة هي ميل بعضهم إلى الروحانيات في تبني أديان جديدة كالإسلام أو البوذية أو البراهمية وممارسة الرياضات الروحية وفي جامع جنيف في البوتي ساكوني يمكنك أن تجد سويسريين شبانا أسلموا ويحرصون على أداء صلاة الصبح أكثر من المسلمين أنفسهم المقيمين هناك غير أن اتخاذ البعض هذا ذريعة إلى تتفيه حضارة الغرب وتسفيه إنجازاتها ضلال كبير بين من يقول: ظلام من الغرب أو: جاهلية القرن العشرين وينتشي لكل مشكلة في الغرب كدليل على قرب إفلاسها وزوالها تماما كما انتشى الكثيرون يوم سقط الاتحاد السوفيتي لأنه دولة ملحدة ولو لم يسقط ماوقع العالم العربي والإسلامي فريستين للظلم والاستغلال الإمبريالي في عهد الأحادية القطبية ومشكلة العراق وفلسطين مظهر لذلك الظلم والكيل بمكيالين. غير أن الحضارة الغربية تجدد ألقها وشبابها فهي كالربيع لا يهرم لأن في التجدد قوة وحصانة لها، إنها تأخذ بالعلم في السياسة والاجتماع وفي التعاطي مع الطبيعة وتثمن الإنسان وتحترم حريته وحقوقه بعيدا عن القهر السياسي والهرمية البغيضة وفي التفكير بعقدة الممنوع أو البقعة الحمراء كما يقول صادق جلال العظم وتؤمن بالخلق والابتكار والخطأ ليس نهاية العالم والحياة الإنسانية مغامرة تنشد الرفاه ، الحقيقة الرفعة والكمال وتغوص في تلك الحياة إلى الأذقان فتعب من طيباتها بلا عقد وتقوم من كل سقطة كأنها طائر العنقاء . وميل البعض إلى ديانات غير المسيحية آية مرونتها واحترامها للخصوصية الفردية وهؤلاء الذين اختاروا مذاهب أخرى ليسوا كل الغرب . وبعد أن شبعت تسكعا وانطلاقا وغلى في مرجل الحنين أشرعت سفني حين قررت أن أعود بعد أن أودع الأصدقاء والأزقة، جزيرة روسو والرون وكل ذرة من ذلك البلد ” اللؤلؤة ” والمطر ينزل زخات زخات وفي داخلي صوت يردد أبيات السياب من “مدينة لا مطر و”أنشودة المطر” وفي النفس حزن غض ، دفين، طفولي، مبهم:
وفي غرفات عشتار
تظل مجامر الفخار خاوية بلا نار
ونحن نهيم كالغرباء من دار إلى دار
لنسأل عن هداياها
جياع نحن وا أسفاه ، فارغتان كفاها
وقاسيتان عيناها
باردتان كالذهب
مطر…
مطر…
مطر…

شاهد أيضاً

مهرجان فاس للسينما و الفلسفة..دلوز و السينما

خاص – ثقافات *د.عزيز الحدادي بهذا العنوان نكون قد اكتشفنا قارة أخرى بواسطة مهرجان الأغورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *