الرئيسية / فنون / ظاهرة مستر”جاردنر”: التضليل والتنظير وتزييف الحقائق

ظاهرة مستر”جاردنر”: التضليل والتنظير وتزييف الحقائق

خاص- ثقافات

مهند النابلسي*

منذ سنوات عرض فيلم أمريكي كوميدي لافت بعنوان ” مستر جاردنر” أو “التواجد هناك” ، وتتلخص قصته الغريبة بسرد حياة “مستر جاردنر” أي الحدائقي البسيط السابق الذي كان يعمل بمنزل أحد الأثرياء، فبعد أن يغادر المنزل الذي قضى فيه جل حياته وهو يعمل بإخلاص بعد وفاة صاحب المنزل ، وعدم رغبة الورثة الطامعين في الاحتفاظ به.

يقوده حظه الجيد إلى ان ينتقل للاقامة في منزل ثري آخر متنفذ بعد حادثة سير طفيفة، حيث تشفق عليه زوجة الثري الجميلة والتي تشعر بالملل، كما يعجب به صاحب المنزل السياسي المريض المتقاعد نظرا لما يتمتع به من كاريزما “كلامية” وبراءة طبيعية و”مواهب فلسفية خلاقة”! وينتهي الأمر بأن يصبح وريثا له بعد وفاته، بعد أن ينال إعجاب وحب زوجة الثري أيضا، ويكاد يصبح مرشحا محتملا للرئاسة الأمريكية ، بعد أن يجترح بنهاية الفيلم معجزة المشي فوق الماء على بحيرة!

large_bgTFBMBuh4jA45l0DYyHC2GTq8X

 وتتلخص المفارقة الكوميدية في هذا الشريط السينمائي اللافت (1979) بأن مسترجاردنر عامل الحديقة البسيط يتحدث ببلاهة وسذاجة دوما عن جدوى الزراعة وتقليم الأشجار والسقي، بينما يصر الآخرون بعناد على أن يفهموا أنه يتحدث مجازا عن الحياة والفلسفة والسياسة ، هكذا يسقطون عليه ثوب الفهم والعمق والحكمة وهو أبعد ما يكون عن ذلك…وحتى صمته البليد وإيماءته الغبية يفهم منها أنها تخفي معارف لغوية متعددة إلى أن يبالغ أحد خبراء اللغات فيدعي أن “مستر جاردنر” يعرف خمس لغات على الأقل! بينما هو في حقيقة الأمر عاجز عن استيعاب لغته الانجليزية  ويكاد يكون أميا! وحتى خبرات”جاردنر” الحياتية فهي قاصرة وتكاد لا تتعدى معرفته للأمور التي يشاهدها على جهازالتلفزة ، وهي هوايته الوحيدة بعد انتهاء عمله.

إن الذي دعاني للحديث عن شريط “مسترجاردنر” هو ما أشاهده في حياتنا العربية البائسة من فوضى وانتشار وتكريس واضح لهذه الظاهرة؛ أولا لغرابتها ثم لتوافقها مع المثل الشعبي الدارج “شر البلية ما يضحك”! فنحن نلاحظ تصاعدا بيانيا في أدعياء الخبرة وعدد المتظاهرين بالفهم في كافة مناحي حياتنا بلا استثناء، حتى نكاد جميعا نتحول لخبراء أفذاذ، وقد تغولت هذه الظاهرة مع بدء الربيع العربي الخائب وانتشار ظاهرة “التحليل الاستراتيجي” الذي يهدف لتضليل مشاهدي الفضائيات وقراء الصحف وتوجيه أفكارهم، حيث يبدو الحماس مرتبطا بسخاء “الدفع المالي” السخي من مؤسسات وجهات موجهة ماكرة! ..فمستر جاردنر “الخبيث هنا” مختبىء داخل شخوصنا ومستعد دوما للظهور والتنظير والتضليل والثرثرة، فهوالذي يقودنا للتحدث باستمرار عن أشياء ربما لا نستوعبها تماما ، وهو الذي يدفعنا للادعاء بالمعرفة  بمجالات بعيدة عن إدراكنا، إنه وراء اندفاعنا المجنون لإحراز جوائز عن أعمال ليست أصيلة أو ربما “مسروقة”! وهو ربما وراء طغيان الرغبة بتبوء المناصب الرفيعة بلا كفاءات وقدرات موازية ، ولا شك أن “مستر جاردنر” العربي أكثر خبثا من النسخة الأجنبية  فهو يلهث وراء الشهادات والجوائز والمناصب بلا كلل أو ملل مع القليل من الجهد والاتقان، ومن خبرتي أعرف مديرا عاما نال منصبه بفضل قدراته على المجاملة والفساد المقنع “والواسطة والمحسوبية”، بل نجح باستنفار عدد كبير من موظفي مؤسسته وغيرهم ليكتبوا له رسالة الدكتوراة، التي منحت له من جامعة بريطانية مرموقة!

الفيلم هو تحفة سينمائية من اخراج هال أشبي وتنافس بالدور الرئيس الراحل بيتر سيلرز على الاوسكار ولكنه لم ينله، كما أبدعت شيرلي ماكلين بدور زوجة الثري ميلفين دوغلاس، وبقيت مشاهد المشي فوق الماء غامضة وفريدة (بنهاية الشريط)، وعلق بيتر سيلرز على تقمصه العبقري للدور قائلا: عندما لا أتقمص شخصية ما، أكون لا شيء!   

شاهد أيضاً

20 مليون زيارة افتراضية لمتحف الإرميتاج الروسي بعد إغلاقه بسبب كورونا

ثقافات – حصدت المشاريع الافتراضية التي أعدها متحف «الإرميتاج» في روسيا نحو 20 مليون مشاهدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *