الرئيسية / خبر رئيسي / التشكيل المغربي من التقليدانية إلى الحساسية الجديدة

التشكيل المغربي من التقليدانية إلى الحساسية الجديدة

خاص- ثقافات

*عزالدين بوركة

بعد انحسار الاشتراكية في العالم، وبداية القضاء على الإيديولوجية الواحدة، ومحاولة قتل الأب والخروج عنه والتمرد عليه، وما عرفه العالم من أزمات وما شهده من حروب وحرب باردة، كانت تتلاعب بأعصاب العالم. وجد المثقف نفسه أمام ضرورة البحث عن التجدد والتقدم والتخلي عن القديم، والانزياح عن الواقع والتغلب عليه. بعد عقود من التقلبات في فلسفة والفن وتمثيل وفهم الواقع ومجابهته.

تشكيليا كان لكل تلك الحركات التي حاولت الحد والقطع مع التقليدانية، المساهمة لما يزيد عن ستة عقود من بداية القرن العشرين، بظهور ما نسميه اليوم بالحساسية الجديدة. فالفن المفاهيمي Conceptuel فتح الطريق، سنوات الستينيات من القرن الماضي، نحو القطع النهائي بين النشاط الفني والجمالي، صار العمل الفني غاية في ذاته بعيدا عن السند والحامل، عن اللوحة والإطار. مما أعطى لمارسيل ديشومب شرعية في خروجه عن المألوف والفهم التقليدي للفن.

أما في العالم العربي وبعد النكبات والنكسات وفشل القومية العربية، وسقوط أحلامها الوردية، أدّى الأمر بالفنان العربي إلى تبني الحداثة القائمة على الفردانية، كمحدد أولي لها وللتقدم، مما سمح له أن يتقبّل الجديد والغريب عنه. ما دفعه إلى البحث عن قوالب اشتغال جديدة باستمرار، والتمرد على الجماعة، الكابح لإبداع الفرد. ومن الحداثة إلى الحساسية الجديدة، هذه الحساسية التي أعطت استقلالية تامة للعمل الفن، وللفنان إذ جعلته يبحث بشكل دائم عن أدوات اشتغال جديدة. فالحساسية الجديدة ليست هي الحداثة فقط، بل هي الناظم بين الحداثة وما بعدها، والقابل لتبني أي شكل تقدمي إنساني وكوني جديد. إنها بالتالي هي الحداثة المكثفة، إنها الفن المعاصر بهذا المعنى.

بالمغرب، اليوم، بتنا نشاهد أعمال فنانين تشكيليين، بقدر قطعهم مع التقليدانية يتجددون باستمرار. التجدد هنا عبر طرق الرؤى والاشتغال. إذ يتعدد لديهم السند (كارطون، ورق، خشب، صفائح الفولاذ والحديد…) والمواضيع، والمعنى واللامعنى… وقد ارتبطت الفنون التشكيلية بالمغرب، بالمخيّل الشعبي، منذ ميلاد فن معاصر بالمغرب. غناء وتنوع التراث الثقافي البصري عن الشفوي، قدّم للفنان كثيرَ احتمالات للإبداع، التي يوظفها ضمن تجربته الشخصية، من الحكاية إلى الأسطورة مرورا بالنسيج ومختلف الموتيفات الحرفية، هذا الإرث الخاص بالجميع.  فالتراث يمثل المصدر الأساس لتحديث الفنون بالمغرب. “وإذن، فعلاقة المغاربة بالرسم علاقة حضارية وتاريخية، بل وطبيعية غريزية حافظت على سيرورتها وإن بأشكال مضمرة وغير متواترة بمعنى الاستعاب الكامل أو الضرورة الملحة، وما كان ينقصها هو  تلك الشرارة اللازمة لانبعاثها من جديد.  وهذا ما وقع مع ما سميناه سابقا ب”الصدمة الأولى”، هذه الصدمة التي كانت لها علاقة بالاحتكاك بالأجنبي والغريب، بالحضارة الغربية التي جاءت محملة على أكتاف المستعمر وبنادقه. ف”إن الحداثة في المغرب لم تأت من فراغ”.
فيمكننا تقسيم مراحل التشكيل المغربي الذي يربو على القرن يزيد نيّفا، حسب بغض الأبحاث الرسمية، إلى أربع مراحل أساسية (وإن أمكن إلى أكثر):

– المرحلة التعبيرية: التي اتسمت بتشويه الأجسام المصورة، وعدم احترام مقاييسها، والمبالغة في وضع ملامح الوجوه. وشحن الفضاء باللون، وامتازت هذه الحقبة بمحاولة نقل الواقع ولو بشكل غير دقيق ومبالغ فيه.
– مرحلة التجريد الإيماني والغنائي: من روادها كل من الفنانين الغرباوي والشرقاوي، معتمدين على الفن التلقائي واللطخات الصباغية فوق السند. وتعد هذه المرحلة بوادر الانفتاح افني بالمغرب على المدرسة التجريدية بمختلف أشكالها.

– مرحلة التخطيط والتجريد الهندسي: اتسم بها بعض الفنانين المنتسبين إلى حركة/جماعة 65، أمثال محمد المليحي، الذي سيتأثر به من بعد كل من فريد بلكاهية وممجد عطا الله، وآخرين انتسبوا لمدرسة الدار البيضاء..
– مرحلة الحساسية الجديدة (أو الحداثة وما بعدها): ما يميّز هده المرحلة الممتدة إلى يومنا هذا هو انفتاحها على تجارب عالمية ومتغيّرات العالم سياسيا ومعلوماتيا وتكنولوجيا. وأيضا تعدد زوايا اشتغالها الفني (الصوفي، الذاكرة، الجسد، الرؤية الاجتماعية-السياسية، الأرض والحدود، الرؤية الحضارية، الهوية…).

عن أي حساسية نتحدث؟
أي حديث اليوم عن الفن التشكيلي المغربي الحديث، يتوجّب بالضرورة الحديث عن الحساسية الجديدة داخل هذا الفن. هذه الحساسية ليست فكرة شكلية؛ إنها كما يقول إدوارد الخراط، مرتبطة بالتطور الاجتماعي والتاريخي.

حينما نقول حساسية جديدة، فبالضرورة نحن نشير بشكل ضمني، أو نتبنى وجود حساسية قديمة، هذه الحساسية التي يُمكن أن نصطلح عليها بالتقليدية أو التقليدانية، إن أردنا أن نذهب إلى حد أبعد في الوصف. تقليدية أو تقليدانية لأنها لم تستطع الخروج عن نسقيتها الأكاديمية ومن تبعيتها للمدرسة التي تدعي الانتماء إليها. تقليدية لأنها تعتمد قواعد مجرّبة وموصوفة، وسائدة، في الإحالة على الواقع بشقيه الذاتي والاجتماعي، هي قواعد المحاكاة الأرسطية العريقة…  ولأنها ظلت حبيسة محاولة يائسة في نقل هذا الواقع، لا الانتصار عليه. فما غاية الفن اليوم، سوى التغلّب على هذا الواقع…. التغلب عليه أي جعله ينساق داخل قالب يضعه الفنان لعمله، قالب بقدر ما يشتغل داخل يتمرد عليه.. هنا يكمن الحديث عن الحساسية الجديدة، فهي بقدر ما تقفز على القديمة، لا تتجاوزها أو تتنكر لها. فهي اتجاه فلسفي وفكري وفني يبحث عن التجدد المستمر مستدرجا الماضي داخله، محاولا إعادة قولبته وتدويره وتغليفه. فالفنان ليس ابن جيل عرضي، فهو منتسب إلى الصيرورة التاريخية.

والحساسية الجديدة ظاهرة مظلية شاملة تتحدد بسمات عامة. لكنها تتنوع في داخلها إلى تيارات ومدارس متعددة. هي تتميز على كل حال فني أنها انقلابية على قواعد الإحالة إلى الواقع. إن الحساسية التقليدية رافد من روافد السلطة في “الواقع”، كما يذهب إليه إدوارد الخراط، بينما تشير الحساسية الجديدة إلى عكس ذلك، ولذلك فهي تحمل استشرافا لنظام جديد اجتماعيا وثقافيا على السواء. وبهذا المعنى فإن الحساسية الجديدة هي أيضا نظام جديد في الفن. كما أنها تستشرف نظاما جديدا للمجتمع.  بالمختصر فالحساسية الجديدة هي تحطيم الترتيب العقلي المنطقي للعمل الفني.

فالحساسية الجديدة ليست بعكس الحداثة أو قطعا معها أو شيئا من هذا القبيل، بل هي استمرار لها، بكونها هي ما بعد الحداثة والمعاصرة، عندنا، في آن، إنها استمرار للحداثة واستقراء لها، وتطبيق لما بعد الحداثة، وانتماء للمعاصرة، إنها بهذا المعنى ليست قطعا ولا تجاوزا بل هي خلق جديد، واستدماج واستدراج عقلاني وفني. إنها بمعنى آخر إعادة كتابة الحداثة وترتيب أفكارها داخل النسق المعاصر للعالم وأفكاره. إنها استثمار لمستجدات الفلسفة والتقنية وتوظيف للأصيل ضمن المعاصر.
_________

هوامش
D’un regard, l’autre.. l’art rt ses médiations au Maroc, Farid Zahi, Ed Marssam ; P 51
أزغاي، التشكيل وخطاباته، الطبعة الأولى 2016، ص 57.
إدوارد الخراط، الحساسية الجديدة، دار الأدب بيروت، الطبعة الأولى 1993.. ص 7
نفس المصدر ص 8
إدوارد الخراط، شعر الحداثة في مصر، دراسات وتأويلات، 1999، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ص 8-9.
نفسه، ص 9
______
*كاتب وناقد فني

شاهد أيضاً

الفلاسفة والحب: الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار

خاص- ثقافات *فرح بيبورش ماري لومونييه Marie Lemonnier وأود لانسولان Aude Lancelin، صحفيتان تخصصتا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *