الرئيسية / خبر رئيسي / سطو على أجزاء من كتاب مدخل إلى فلسفة العلوم للراحل الجابري

سطو على أجزاء من كتاب مدخل إلى فلسفة العلوم للراحل الجابري

خاص- ثقافات

د. عبد النبي مخوخ (*)

 

     في سنة 1976، نشر الراحل محمد عابد الجابري كتاب مدخل إلى فلسفة العلوم (دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب). نشر هذا الكتاب ثانية سنة 1982 (دار الطليعة، بيروت، لبنان) وأعاد مركز دراسات الوحدة العربية نشره سنة 1994.

     يتكون هذا الكتاب من جزئين: يحمل الجزء الأول عنوان الرياضيات والعقلانية المعاصرة. أما الجزء الثاني فعنون بالمنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي. فبالإضافة إلى مقدمة ومدخل عام، اشتمل الجزء الأول على قسمين: في القسم الأول، المعنون ب”تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة”، توقف المؤلف عند بعض المحطات الكبرى في تطور الفكرالرياضي؛ كما عالج بعض القضايا التي تندرج ضمن ابستيمولوجيا الرياضيات. أما القسم الثاني فخصصه لتقديم مجموعة من النصوص ذات الصلة بالمواضيع المعالجة في القسم الأول مترجمة إلى اللغة العربية.

     بحكم التخصص، تعاملت كثيرا مع هذا الكتاب إلى درجة جعلتني استبطن بعض تفاصيله. حصلت، منذ مدة، على نسخة من كتاب معنون بالابستيمولوجيا في طور الفكر العلمي الحديث للدكتور علي حسين كركي (منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، بدون تاريخ (1998 حسب التاريخ المثبت في نهاية تقديم الكتاب). وحسب المعطيات المثبتة على غلاف الكتاب، المؤلف حاصل على الدكتوراه في الفلسفة وهو “أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية (1)، معهد الفنون الجميلة (1)”.

     لما شرعت في قراءة هذا الكتاب، انتبهت، منذ الصفحة الأولى، إلى كون المؤلف يستعيد حرفيا نصوصا من الجزء الأول من كتاب الجابري دون الإحالة عليه. لقد اكتفى بالإحالة عليه ثلاث مرات بمناسبة استعماله لنصوص ترجمها الجابري إلى اللغة العربية (الصفحات 33  و117  و126) و لم يدرج الكتاب ضمن لائحة “المصادر والمراجع”. إن متابعتي لكيفية استعماله لنصوص الجابري، جعلتني أقتنع بأن الأمر يتعلق بسرقة علمية بامتياز. أكتفي، فيما يلي، بتقديم بعض الأمثلة (أعتمد هنا على الطبعة الأولى الصادرة عن مطبعة دار النشر المغربية).

     في الفقرة الثانية من الصفحة الخامسة كتب كركي: “ويمكن القول أن الدراسات الابستيمولوجية هي الميدان الرئيسي الذي يستقطب الأبحاث الفلسفية في القرن العشرين”. وبالمقابل، نقرأ، في الفقرة الأولى من الصفحة الثالثة من كتاب الجابري “…بل ويمكن القول إنها [الدراسات الايبستيمولوجية] الميدان الرئيسي الذي يستقطب الأبحاث الفلسفية في القرن العشرين”.

     قدم كركي الفقرة الثالثة من نفس الصفحة على النحو التالي: “إن الفلسفة الحديثة، هي عموما، فلسفة المعرفة، بالمقارنة مع الفلسفة القديمة؛ غير أن هناك فرقا كبيرا بين فلسفة المعرفة كما رسمها ديكارت، وبين الدراسات الابستيمولوجية المعاصرة التي أخذت دورها كاملا بعد الثورات العلمية الحديثة التي انطلقت منذ بداية هذا القرن”. في الفقرة الثانية من نفس الصفحة من كتاب الجابري نقرأ: “صحيح إن الفلسفة الحديثة هي، على العموم، فلسفة في المعرفة، بالمقارنة مع الفلسفة القديمة…ولكن هناك فرق كبير بين فلسفة المعرفة كما دشنها ديكارت…وبين الدراسات الايبستيمولوجية المعاصرة التي نشطت عقب الثورة العلمية الحديثة التي شهدها العقد الأول من هذا القرن”. يتضح إذن أن الأستاذ كركي بذل مجهودات جبارة تمثلت في حذف عبارتين من النص الأصلي وفي استبدال بعض الكلمات الواردة في نص الجابري بكلمات أخرى، مع الإخلال بالمعنى الأصلي أحيانا: استبدل عبارة “هي، على العموم،” بعبارة “هي عموما” واستبدل عبارة “فلسفة في المعرفة”  بعبارة “فلسفة المعرفة” وهكذا دواليك.

     بذل صاحبنا مجهودا كبيرا آخر تمثل في قفزه على ست صفحات من كتاب الجابري. ففي الفقرة الرابعة من نفس الصفحة كتب: “وأول المشاكل التي تواجهنا عند دراسة هذا اللون الجديد من الأبحاث التي تتخذ المعرفة موضوعا لها، هو مشاكل الابستيمولوجيا نفسها؛ ونعني به، تعريفها، وميادين البحث الخاص بها، وغاياتها، والعلاقات القائمة بينها وبين العلوم المتداخلة معها”. وبالمقابل، ورد في الفقرة الأولى من الصفحة الحادية عشر من كتاب الجابري: “لعل أول ما يواجهنا من مشاكل ايبستيمولوجية عندما نقدم على دراسة هذا اللون الجديد من الدراسات والأبحاث التي تتخذ المعرفة موضوعا لها، هو مشكل الايبستيمولوجيا ذاتها: أعني تعريفها، وتحديد ميدان البحث الخاص بها، وبيان غايتها، والكشف عن طبيعة العلاقات القائمة بينها وبين العلوم القريبة منها، أو المتداخلة معها”. ومرة أخرى، يظهر أن كل ما قام به صاحبنا هو استبدال بعض الكلمات والعبارات بكلمات وعبارات أخرى. والواضح أن هذا الإجراء انعكس سلبا على النص إذ أدى إلى ركاكة في التعبير وإضفاء بعض الغموض عليه.

     في الفقرة الخامسة من نفس الصفحة، كتب الأستاذ كركي: “والجدير بالذكر أن البحث في مثل هذه القضايا، هو من جملة الأبحاث التي تنتمي إلى عالم الفلسفة”. في الفقرة الأخيرة من الصفحة الحادية عشر، كتب الجابري: “إن البحث في مثل هذه القضايا… هو من جملة الأبحاث التي تنتمي بشكل أو بآخر إلى عالم الفلسفة”.

     في الفقرة الأخيرة من نفس الصفحة، كتب الأستاذ كركي: “غير أن هذا المصطلح، وشيوعه الواسع في الأوساط العلمية والفلسفية المعاصرة، دليل لا يقبل الشك، على أن هناك مشاكل جديدة تدعو الحاجة إلى جعلها موضوعا لعلم جديد”. وبالمقابل، كتب الجابري في الفقرة الأخيرة من الصفحة الثانية عشر: “غير أن جدة هذا المصطلح، أو على الأقل شيوعه الواسع في الأوساط العلمية والفلسفية المعاصرة، دليل على أن هناك فعلا مشاكل جديدة…تدعو الحاجة إلى جعلها موضوعا لعلم جديد”.

     في الصفحة التاسعة، وتحت عنوان “تعريف الابستيمولوجيا”، كتب الأستاذ كركي: “الابستيمولوجيا Epistémologie، مصطلح صيغ من كلمتين يونانيتين:

  1. الابستمي Epistémé ومعناها: علم (وهو موضوع الابستيمولوجيا).

  2. اللوغوس Logos ومن معانيها: علم، نقد، نظرية، دراسة… (و يدل على المنهج).

     فالابستيمولوجيا، إذن، من حيث الاشتقاق اللغوي هي “علم العلوم””. وبالمقابل، سبق للجابري أن عرف الابستيمولوجيا في الفقرة الثانية من الصفحة الثانية عشر على النحو التالي: “الايبستيمولوجيا Epistémologie، مصطلح جديد كما قلنا، صيغ من كلمتين يونانيتين: Epistémé  ومعناها: علم، وLogos ومن معانيها: علم، نقد، نظرية، دراسة… فالابيستيمولوجيا، إذن، من حيث الاشتقاق اللغوي هي “علم العلوم””. والواضح أن التعريف الأول يستعيد، مرة أخرى، التعريف الثاني حرفيا مع بعض الترميمات الشكلية.

     لا يتسع المجال هنا للاستمرار في المقارنة بين النصوص الواردة في الكتابين. غير أنني أستطيع أن أؤكد أن الأستاذ كركي اعتمد هذا الأسلوب على مدى صفحات كثيرة من الكتاب المذكور. إن المسؤولية العلمية الملقاة على عاتقي بصفتي أستاذا باحثا فرضت بسط هذه الحالة في أفق فضح هذا السلوك الذي لا يمت للبحث العلمي بصلة وأترك للأطراف المعنية بالموضوع اتخاذ ما يبدو لها ملائما من إجراءات. وأخيرا، أثير انتباه كل الباحثين الشرفاء، الغيورين حقا على البحث العلمي بالعالم العربي، أن تراجع النقد والتساهل والتسامح مع سلوكات من هذا القبيل، جعل النشر يفقد هيبته. يبدو لي أن التصدي الصريح و الحازم لمثل هذه السلوكات أصبح شرطا ضروريا لإنعاش البحث العلمي بالعالم العربي.
___________

(*) كاتب وباحث أكاديمي من المغرب.

شاهد أيضاً

أدب المواجهة وعلاج النفوس المتألّمة بالفنّ

*ناتالي الخوري «قتلتُ أمّي لأحيا» رواية للكاتبة اللبنانيّة مي منسّى، الصادرة حديثًا عن دار رياض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *