الرئيسية / إضاءات / الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير : الظهور المباغت للرقمي لم يقتل حضارة الكتاب

الفيلسوف الفرنسي ميشيل سير : الظهور المباغت للرقمي لم يقتل حضارة الكتاب

خاص- ثقافات

ترجمة : عبد الرحيم نور الدين

 

سؤال:

لنتحدث عن موضوع يهم بصفة خاصة مجلتنا: القراءة. هل تعتقد، وقد كتبت كثيرا عن الضوضاء والتشويش، أن القراءة وهي بنت الصمت والعزلة، معرضة للخطر في عالم “بوتيت بوسيت” Petite Poucette؟

جواب:

من الصعب الجواب على هذا السؤال من وجهة نظر شمولية. القراءة، جيد جدا، لكن قراءة ماذا؟ في الواقع، إن “بوتيت بوسيت” تمضي وقتها في القراءة والكتابة، وهي تتواصل عن طريق النص بدون توقف. لم تمت القراءة والكتابة إذن مع الظهور المباغت للرقمي، بل بالعكس. ومن جانب آخر فهذا يطرح مسألة الكتاب أيضا. وهنا ربما قد أفاجأكم، لكنني اعتقد أن حضارة الحاسوب والخوارزميات لم تعثر بعد على أصالتها، وهي ما زالت تحاكي نموذج الكتاب. إن الحاسوب يُفتح مثل كتاب، ويعرض صفحات بهوامش مثلما هي موجودة في كتاب. الحامل تغير، لكن النموذج الفكري للكتاب أو للفة لم يتزحزح قط.

Michel Serres

سؤال:

ألا يؤدي تطور الحامل إلى تحويل الرسالة بالضرورة؟

جواب:

طبعا، ولقد أظهر لنا التاريخ هذا. خلال القرن السادس قبل الميلاد، وحده كان التقليد الشفوي موجودا، ولذلك كان المنشدون يحكون انجازات أخيل أسفل أسوار طروادة، أو مغامرات عوليس في البحر الأبيض المتوسط، مع إبراز تقنيات متقنة جدا مثل صنع الأشرعة والملاحة  أو علم الفلك. آنذاك إذن، كان ثمة قدر من العلم، لكن الرياضيات لم تظهر إلا مع تطور الكتابة. إن تغير الحامل ينشئ طريقة جديدة في التفكير بتجريدات هندسية. في القرن الخامس عشر الميلادي، تغير الحامل من جديد مع اختراع الطباعة، فظهر العلم التجريبي بعد وقت قصير. وإذن، فعندما يقول الجد ” غونشون” إنه ينبغي تعليم ” بوتيت بوسيت” طريقة التفكير القديمة ، فإنه يضحكني. بل هو من يتوجب عليه أن يفهم مع ” بوتيت بوسيت ” كيف يؤدي حاليا  تغير الحامل إلى قلب طريقتنا في التفكير. إن عليه أن يصير تلميذها- وهو ما سيأبى القيام به حتى النهاية.

سؤال:

يمكن الرد عليك بالقول: من المؤكد أن المعلومة منتشرة بشكل واسع جدا في عالم ” بوتيت بوسيت “، غير أن المعلومة والمعرفة هما مفهومان مختلفان إلى حد بعيد…

جواب:

بالطبع. إذا ما قررنا معا تعلم الفيزياء الكوانطية، سنربط الاتصال ب ” ويكيبيديا ” و سنحصل على كل المعلومات الضرورية. المشكل هو أن لا ـحد منا سيفهم شيئا. و بالتالي، سيتوجب علينا استعمال الهاتف للاتصال ب ” كلود كوهن – تالوجي ” ملتمسين شرحه. نتوفر على المعلومة، لكن ليست لدينا المعرفة. إن الأستاذ ضروري دائما لينقلنا من المعلومة إلى المعرفة.

سؤال:

في العصر الذهبي للورق، كان بإمكان الصحافة لعب دور الوسيط بين المعلومة و بين الجمهور. هل تفرض الأزمة الحالية على الصحافة إعادة النظر في دورها؟

جواب:

ينبغي علينا جميعا إعادة النظر في أدوارنا ! مهنتكم، بهذا الصدد، شبيهة بمهنتي. حينما كان عمري 25 عاما كنت إبستيمولوجيا. كانت هذه الكلمة الكبيرة تعني << متخصص في العلم، يحاول تحليل المناهج والتنبؤ بالنتائج و استخلاص دروسها الإيثيقية>>. لم نكن في العالم، خلال الخمسينيات سوى حفنة تمارس هذه المهنة. اليوم، في 2015 ، يمكن أن تتوجه بالسؤال لأي شخص في الشارع، وأن  تكون متأكدا من كونه يتوفر على معرفة أولية ورأي عن الكائنات المعدلة وراثيا، وعن التلوث أو التغير المناخي. هو أيضا إبستيمولوجي. فقدت مهنتي إذن. وبالتأكيد، فنفس الأمر يحصل بالنسبة للصحافة: إن التخصص منغمس في حمام جماعي، الكثير من المهن الوسيطة تعاني بسبب الدخلاء، وبإمكان كل واحد أن يصير ناقلا بدوره.

بوتيت بوسيت

سؤال:

هل يعني هذا أنه يتوجب على الصحف إعادة اختراع ذاتها بشكل عميق، وإلا كانت عرضة للزوال؟

جواب:

ليس لدي ما أعطيه كنصائح، لكن بوسعي الحديث عن كيفية  تغير مهنتي. في الماضي، عندما كنت ألج المدرج، كنت أعرف أن الطلبة لا يعرفون شيئا عما كنت سأقوله. كان هناك تخمين عجز. اليوم، أنا أعرف أن نصف 500 طالبا قد بحثت في الإنترنيت عن المادة التي أدرسها. هناك إذا تخمين استعلام. وليس من النادر أن أسمع البعض خلال محاضراتي يهمس: << إنه محق، لقد تحققت من ذلك>> ! نفس الشيء يحصل بالنسبة للأطباء. كل المهن تتغير وهي منغمسة في حمام المعلومة.

———–

*من حوار مطول نشر بمجلة “لير” Lire( يونيو 2015)

شاهد أيضاً

أدب المواجهة وعلاج النفوس المتألّمة بالفنّ

*ناتالي الخوري «قتلتُ أمّي لأحيا» رواية للكاتبة اللبنانيّة مي منسّى، الصادرة حديثًا عن دار رياض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *