الرئيسية / خبر رئيسي / في أسبقيّة الميتافيزيقا على الأنطولوجيا عند “لفناس”

في أسبقيّة الميتافيزيقا على الأنطولوجيا عند “لفناس”

*عبد العزيز بومسهولي

ربما نحتاج في هذه اللحظة إلى استعادة التفلسف مع “لفناس” فيلسوف الإيطيقا بامتياز؛ الإيطيقا بوصفها فلسفة أولى تستعيد الآخر كوجه حامل للدلالة التي تسبق أيّ معنى معرفي يختزل الكائن في موضوعة ما، وهي بذلك تستعيد الغيرية بما هي دلالة الآخر غير القابل للإخضاع أو الإرجاع إلى ذات المماثل، لا تعني قراءة لفناس رغم صعوبة فلسفته التي لا تستند إلى الفهم بما هو بحد ذاته إخضاع لفهم الذات، بقدر ما تستند إلى الاقتراب من الآخر في العلاقة الإيطيقية، وذلك لأنّ الفهم استحواذ يستهدف في نسق القصدية الهيمنة على الآخر، في نسق الفهم تكون الأنطولوجيا سابقة على الإيطيقا، وهو ما يعني المضي باتجاه الكليّة، حيث الكائن يغدو ثيمة للتملك؛ بل حتى عندما يكون ذاتاً، إلا أنّ ذاته ليست لأجل الآخر، بل هي ذات للاستحواذ. وهنا تصير العدالة تابعة للحرية، إلا أنّ هذه الحرية لا يمتلكها الكائن لأنّها حسب أنطولوجية “هيدغر” هي التي تتملكه بالمعنى الأنطولوجي الأصيل، ومن ثمّة فمصير الكائن رهين بهذه الحرية التي تكتسح الوجود على نحو إرجاع الغير نحو المماثل، وهو ما يعني حسب “لفناس” تبعية العدالة للحرية، ممّا قد يؤدي إلى نزعة معرفية إمبريالية يصير فيها الوجود وحشياً خالياً من العدالة. هذه القراءة بالطبع لها سياقها التاريخي المرتبط بالنزعات الفاشية التي اكتسحت العالم إبّان القرن الماضي ولم تتردد في محاولة تطهير العالم من “اللامماثل” أو غير الغريب. ولعلنا اليوم نحتاج للتعامل مع لفناس من أجل تفلسف يسهم في بناء تفكيرنا، بوصفنا فلسفياً، تعبيراً عن الغير الذي يوجد على الضفة الأخرى للغرب، فلا نتردد في نقدنا لذواتنا التي تغذيها ثقافات ذات نزوعات دينية شديدة التوجس من كلّ آخر، ثقافات صار هدفها الغائي هو إرجاع الغير ليس إلى الذات، التي هي نسق فلسفي غربي، بل إلى الجماعة، أي جماعة أهل الحق التي يجب أن يخضع فيها الكلّ للخلافة على نحو ما يقوم به داعش اليوم، ويمكن أن نطلق على هذه النزعة التي ليس فيها مكان لا للذات ولا للآخر بالدعشنة، لأنّ الدعشنة هي عودة إلى ما قبل اكتشاف الذات، وما قبل النزعة الإمبريالية، ولكنّ غايتها اختزال الجميع في كليّة من غير وجه، كليّة بلا ملامح. ليس في الأمر مبالغة، فهذه النزعة غدت تكتسح الفضاء الثقافي العمومي، وتجد لها صيتاً داخل جماعات الهيئات السياسية ذات التوجه الدعوي. لا يعلمنا “لفناس” أن نتماهى به، بل يعلمنا أن نفكر من موقع العلاقة مع الغير، فإذا كانت دلالة الوجه هي الدلالة الأولى السابقة على أيّة دلالة متحيزة في الأنا أو في الغير، فإنّنا في هذه العلاقة نستعيد ذواتنا داخل المسؤولية، المسؤولية تجاه الآخر الذي يستحيل ردّه إلى الذات. مسؤولية أن نتعلم التفكير بما هو يقظة الغيرية فينا، تلك التي تدعونا إلى حياة نختبر فيها مسؤولية قدرتنا على الغيرية.

ليس من قبيل المصادفة، حسب “لفناس”، ألّا تكون العلاقة النظرية هي الشيمة المفضلة للعلاقة الميتافيزيقية. تعني المعرفة أو النظرية قبل كلّ شيء علاقة ما مع الكينونة كما هي، فالكائن العارف يسمح للكائن المُعرَّف أن يظهر محترماً غيريته من غير وسمه، مهما كان الأمر، بعلاقة المعرفة هذه. وفق هذا المعنى تغدو الرغبة الميتافيزيقية هي ماهيّة النظرية. غير أنّ النظرية تعني أيضاً العقل ـ لوغوس الكينونة ـ أي كيفية ما لتناول الكائن المُعرَّف، بحيث إنّ غيريته بالنسبة إلى الكائن العارف تتلاشى. تتلبس سيرورة المعرفة في هذا الطور مع حرية الكائن العارف، فلا تصادف شيئاً، يكون بمثابة آخر بالنسبة إليها، يمكن أن يحدها. هذه الطريقة في تجريد الكائن المعرّف من غيريته لا يمكن أن تكتمل إلا إذا استهدفت عبر حد ثالث ـ حد محايد ـ هو نفسه ليس كائناً ما. فيه ستخمد صدمة اللقاء بين المماثل والآخر. هذا الحد الثالث يمكن أن يظهر كمفهوم مفكر فيه. إنّه الفرد الذي يوجد معزولاً داخل عامة الفكر[1].

يمكن تسمية الحد الثالث إحساساً، حيث يلتبس النوع الموضوعي مع الانفعالات الذاتية. بإمكانه أن يظهر بوصفه الكائن المتميز عن الموجود: كائن هو في الآن ذاته لا يكون (يعني لا يطرح ذاته بوصفه موجوداً) ومع ذلك فهو يحيل إلى العمل الذي يمارسه الموجود، وهو ليس لا شيء. الكينونة من غير غلظة الموجود هي النور الذي فيه تصير الكائنات عاقلة. تنطبق التسمية العامة للأنطولوجيا على النظرية بوصفها عقلاً للكائنات. إنّ الأنطولوجيا التي ترجع الآخر إلى المماثل، تؤكد الحرية التي هي مطابقة المماثل، التي لا تقبل أن يستلبها الآخر. وهنا تمضي النظرية في سكّة تتخلى فيها عن الرغبة الميتافيزيقية عن البرانية العجيبة، حيث فيها تعيش هذه الرغبة، ـ غير أنّ النظرية بوصفها إجلالاً للبرانية ترسم بنية أخرى جوهرية للميتافيزيقا لها هَمُّ النقد في عقل كينونتها – أو الأنطولوجيا. لقد اكتشفت دوغمائية وتعسّف تلقائيتها الساذجة فوضعت حرية التمرين الأنطولوجي موضع مُساءَلة (استسآل). إنّها إذن تبحث في التمرين بكيفية تجعلها تصعد ثانية، وفي أيّة لحظة، نحو أصل الدوغمائية التعسفية لهذا التمرين الحر. هذا من شأنه أن يؤدي إلى تراجع لا متناهٍ، إذا كان يجب على هذا الارتفاع أن يظلّ هو ذاته مساراً أنطولوجياً، تمريناً للحرية، ونظرية ما. وهكذا تقودها قصديتها النقدية إلى ما وراء النظرية والأنطولوجيا: النقد لا يردّ الآخر إلى المماثل كما الأنطولوجيا، بل يضع تمرين المماثل موضع تساؤل. يتمّ استسآل المماثل ـ الذي لا يمكن أن يتمّ داخل تلقائية المماثل الأنانية ـ من قبل الآخر. نُسمّي استسآل تلقائيتي من قبل حضور الآخر بالإيطيقا. تكتمل غرابة الغير ـ استحالة ردّه إلى أناي وإلى أفكاري وممتلكاتي ـ بالتحديد كاستسآل لتلقائيتي كإيطيقا. إنّ الميتافيزيقا، التعالي، استضافة الآخر من قبل المماثل، والغير من قبل الأنا، تنتج عينياً كاستسآل للمماثل من قبل الآخر. أي كإيطيقا تستكمل الماهية النقدية للمعرفة. وكما أنّ النقد يسبق الدوغمائية، فإنّ الإيطيقا تسبق الأنطولوجيا[2].

يزعم لفناس أنّ الفلسفة الغربية، في الغالب الأعم، أنطولوجياً: إرجاع الآخر للمماثل، من خلال إدخال حدٍّ وسط ومحايد يضمن عقل الكينونة.

أولوية المماثل هذه تشكل موضوع درس سقراط. عدم استقبال الغير، اللّهمّ إلا ما هو في ذاتي، كما لو كنت إلى الأبد أمتلك ما يأتيني من الخارج. عدم استقبال أيّ شيء أو الكينونة الحرة. لا تشبه الحرية التلقائية المتقلبة لحرية الاختيار التي تستمدّ معناها الأخير من تلك الديمومة داخل الآخر، التي هي العقل. المعرفة هي نشر لهذه الهويّة، إنّها حريّة. كون العقل في نهاية المطاف تمظهراً لحريّة ما، وهو يحيّد الآخر ويشَمِّله، فلا يمكن أن يباغت، منذ أن أقرّ بأنّ العقل السائد لا يعرف سوى ذاته عينها، وأنّه لا شيء آخر يحده. إنّ تحييد الآخر، وقد صار موضوعة أو شيئاً ظاهراً ـ أي متجلياً في الوضوح ـ هو بالتحديد إرجاع للمماثل. إذ أنّ المعرفة أنطولوجياً هي مباغتة في مواجهة الموجود، ولهذا فهو ليس ذلك الموجود، ولا ذاك الغريب، بل لهذا فهو يخون بكيفية ما، يستسلم، يمنح ذاته للأفق حيث يضيع ويظهر، يقرّر، ويصير هو المفهوم. تعود المعرفة للمسك بالكائن انطلاقاً من اللاشيء، أو نقله إلى اللاشيء، ونزع غيريته عنه. هذه النتيجة يتوصل إليها منذ الخيط الأول من النور. الإضاءة معناها إزالة المقاومة عن الكائن، لأنّ النور يفتح أفقاً ما ويفرغ الفضاء، يسلم الكائن بدءاً من العدم. ليس للتأمل (المميز للفلسفة الغربية) من معنى إلا إذا كان غير محدد بتقليص المسافات[3].

يطرح لفناس التساؤل التالي: كيف تتمكن الوسائط من تقليص البون الشاسع بين الحدود المتباعدة للغاية؟ ألا يبدو أنّ ما بين الأوتاد أيضاً غير قابل للاختراق أبداً؟ ويرى أنّه لا بدّ من أن تنتج في مكان ما “خيانة” عظمى حتى يستسلم كائن ما برّاني وغريب لوسائط معينة. إنّ استسلاماً ما، بالنسبة إلى الأشياء، يكتمل في مفهمته (تصوره). وبالنسبة إلى الإنسان يمكن أن يسيطر عليه الرعب وهو خاضع لهيمنة إنسان آخر. يقوم العمل الأنطولوجي، بالنسبة إلى الأشياء، على حيازة الفرد (الذي يوجد وحده) ليس في فرديته، بل بعامته (فيها وحدها يوجد العلم). لا تكتمل العلاقة مع الآخر إلا عبر حد ثالث أجده في أناي. مثال الحقيقة السقراطية يقوم على الاكتفاء الجوهري للمماثل على مطابقته الأنانية. إنّ الفلسفة هي علم الأنا égologie. تجيب المثالية البركلية، التي تعتبر فلسفة للمباشر، هي أيضاً على المسألة الأنطولوجية. لقد وجد بيركلي في صفات الموضوعات عينها، الأخذ الذي تمنحه للأنا: نتعرف في الصفات التي تبعدنا أكثر عن الأشياء، على ماهيتها المعيشة، وهي تجتاز المسافة فتفصل الذات عن الموضوع. تنكشف مطابقة المعيش مع ذاته عينها كتطابق للفكر مع الموجود، يكمن عمل العقل في هذه المطابقة. وهكذا يلقي بيركلي بكلّ الصفات الحسية في الانفعال المعيش[4].

يستعير التأمل الفينومونولوجي مسلكاً آخر، ما تزال فيه “الإمبريالية الأنطولوجية” مرئية أكثر. إنّ كينونة الكائن هي التي تكون وسيطاً للحقيقة. الحقيقة المعنية للكائن تفترض الانفتاح القبلي للكينونة. أن نقول إنّ حقيقة الموجود تتعلق بانفتاح الكينونة معناه، على أيّة حال، أنّ معقوليته لا تتعلق بتطابقنا معه، بل بعدم تطابقنا. يفهم الموجود بقدر ما الفكر يتعالى به، من أجل قياسه بالأفق الذي ترتسم فيه ملامحه. إنّ الفينومونولوجيا برمّتها، منذ هوسرل، هي إعلاء لفكرة الأفق، الذي يلعب، بالنسبة إليها، دوراً يعادل المفهوم في المثالية الكلاسيكية؛ إذ المفهوم يظهر فوق أساس يتجاوزه كالفرد انطلاقاً من المفهوم. غير أنّ الذي يطلب لا تطابق الكائن والفكر – كينونة الكائن التي تضمن استقلالية وغرائبية الكائن – هو تفسفر (وميض فوسفوري)، إضاءة، تفتح عارم. وجود الموجود يتحول إلى معقولية، استقلاليته هي استسلام عبر الإشعاع. مناولة الموجود انطلاقاً من الكينونة، معناه في آن معاً، تركه يكون وفهمه. يتمكن العقل، من خلال الفراغ وعدم الوجود ـ كلّ نور هو تفسفر ـ من الاستيلاء على الموجود. إنّه انطلاقاً من الكينونة، ومن الأفق المنير بحيث إنّ للكائن ظلاً لكنّه فاقد لوجهه، هو النداء عينه موجهاً للعقل. لعل Sein und Zeit (الكينونة والزمان) لم يدعم سوى أطروحة واحدة: الكينونة لا تنفصل عن فهم الكينونة (التي تنصرم كزمان)، الكينونة هي قبلاً نداء للذاتية[5].

أولوية الأنطولوجيا الهيدغيرية[6] لا تنبني حسب لفناس على الحقيقة الفاضحة le truisme: “من أجل فهم الكائن، من اللازم اللازب فهم كينونة الكائن”. إثبات أولوية الكينونة بالعلاقة مع الكائن، يعني سلفاً إقراراً بماهية الفلسفة، إخضاع العلاقة مع امرئ ما هو بمثابة كائن (العلاقة الإيطيقية) لعلاقة مع كينونة الكائن، التي هي لا شخصية، تسمح بالحيازة، تُخضع الكائن (للعلاقة مع المعرفة)، وتخضع العدالة للحريّة. إذا كانت الحريّة تدل على كيفية بقاء المماثل في صلب الآخر، فإنّ المعرفة (من حيث ينعطي فيها الكائن، من خلال توسط الكينونة اللاشخصية) تحتوي على المعنى الأخير للحريّة. إنّها ستعترض العدالة التي تستلزم واجبات بالنسبة إلى كائن يرفض أن ينعطي بالنسبة إلى الغير الذي هو بهذا المعنى يصير كائناً بامتياز. إنّ الأنطولوجية الهيدغيرية – وهي تخضع علاقة الكائن للعلاقة مع الكينونة ـ تؤكد أولوية الحرية على الإيطيقا. بالتأكيد، ليست الحرية التي تفعلها ماهيّة الحقيقة، حسب هيدغر، مبدأ من مبادئ حرية الاختيار. تنبعث الحرية من الخضوع للكينونة: ليس الإنسان هو من يمتلك الحريّة، بل الحريّة هي التي تمتلك الإنسان. غير أنّ الديالكتيك الذي يوفق بين الحرية والخضوع، في مفهوم الحقيقة، يفترض أولوية المماثل، حيث إنّ كلّ الفلسفة الغربية تحذو في مسارها حذوه وتتحدد من خلاله[7].

تقوم العلاقة مع الآخر، والتي تعرض بوصفها أنطولوجيا، على تحييد الكائن من أجل فهمه أو لحيازته. إذن ليست هي علاقة مع الآخر كما هو، بل هي ردّ الآخر إلى المماثل. وهذا هو تعريف الحرية: الوقوف ضدّ الآخر، بالرغم من كلّ علاقة بالآخر، وضمان اكتفاء الأنا بذاته. إنّ الموضعة thématisation والمفهمة conceptualisation، علاوة على ذلك غير قابلتين للانفصال، ليستا إقراراً للسلم مع الآخر، بل هما إلغاء أو تملك للآخر. التملك، بالفعل، يؤكد الآخر، ولكن بسلب استقلاليته. “أنا أفكر” ترجع إلى “أنا أقدر”، إلى تمليك لما هو يكون، إلى استغلال للواقع. الأنطولوجيا بوصفها فلسفة أولى هي فلسفة اقتدار puissance. إنّها تبلغ الدولة وإلى لا عنف الكليّة، من غير أن تتحصن ضد العنف حيث يعيش هذا اللاعنف، والذي يظهر في طغيان الدولة. الحقيقة التي يجب أن تصالح الأشخاص توجد هنا مبنية للمجهول. تتقدم الكونية هنا بوصفها لا شخصية، وفي ذلك هناك آخر لا إنساني[8].

تتماسك “الأنانية” الأنطولوجية حتى عندما تشهر بالفلسفة السقراطية بوصفها ناسية للكينونة سلفاً، وبوصفها تتجه قدماً نحو مفهوم “الذات” واقتدار التقنية، ويجد هيدغر في ما قبل السقراطية، الفكر بوصفه خضوعاً لحقيقة الكينونة. وهذا الخضوع سيكتمل كوجود بانٍ ومرب، مشكلاً وحدة الموضع الذي يحمل المكان. وبتجميعه للحضور على الأرض وتحت قبة السماء، وترقب الآلهة صحبة الفانين، يتصور هيدغر، كما التاريخ الغربي كله، العلاقة مع الغير بمثابة تدخل في مصير الشعوب الساكنة، المالكة والبانية للأرض. إنّ التملك هو الصورة بامتياز التي يغدو فيها الآخر هو المماثل بمجرد ما يصير ملكاً لي. وهيدغر بتحذيره من سيادة السيطرة التقنية للإنسان، يمجد السيطرة الما-قبل تقنية للتملك. وتحليلاته حسب لفناس لا تبدأ من الشيء- الموضوع، بل هي تحمل علامة المناظر الكبرى التي تحيل إليها الأشياء. تصير الأنطولوجيا أنطولوجيا للطبيعة، خصوبة لا شخصية، أُمَّاً كريمة بلا وجه، قالباً للكائنات الخاصة، مادة للأشياء لا تنفد[9].

يعتبر لفناس فلسفة السيطرة، [أو] الأنطولوجيا، كفلسفة أولى لا تستسئل (تسائل) المماثل، فلسفة اللاعدالة. ويرى أنّ الأنطولوجية الهيدغرية التي تخضع العلاقة مع الآخر للعلاقة مع الكينونة عموماً – حتى وهي تعترض على الشغف التقني الناتج عن نسيان الكينونة المحجوب من قبل الكائن – تظلّ خاضعة للمجهول وتقود، حتماً، إلى اقتدار آخر، إلى الهيمنة الإمبريالية، إلى الاستبداد. وهو استبداد ليس امتداداً محضاً ومجرّداً لتقنية بشر مشيئين. استبداد يرجع إلى “حالات نفس” وثنية، إلى تجذّره في الأرض، إلى الإعجاب الذي يمكن البشر المستعبد من البوح به لسادتهم. إنّ الكينونة قبل الكائن، والأنطولوجيا قبل الميتافيزيقا، هي الحرية (النظرية) قبل العدالة. إنّها حركة داخل المماثل قبل الواجب تجاه الآخر[10].

إذن فلا بدّ من قلب الحدود. حيث يتمّ حلّ الصراعات بين المماثل والآخر، حسب التقليد الفلسفي، بالنظرية بحيث إنّ الآخر يتمّ ردّه إلى المماثل، أو بالملموس من خلال تجمع الدولة بحيث الأنا تحت سيطرة الحكم المجهول، يجد مرّة أخرى الحرب في طغيان الاستبداد الذي يعانيه من قبل الكليّة. تتعلق الإيطيقا التي فيها يعير المماثل التقدير للغير المتعذر قهره بالرأي. وهذا المجهود يتضح في كتاب الكليّة واللامتناهي، بحث في البرانية (1971)، الذي يطمح إلى إدراك علاقة سليمة غير مصابة بالحساسية مع الآخرية، داخل الخطاب، وإدراك الرغبة فيه، بحيث إنّ السلطة التي هي بالماهية قاتلة للآخر تصير – في وجه الآخر – استحالة للقتل، تقديراً للآخر أو عدالة. يقوم جهد “لفناس”، بالملموس على الحفاظ داخل التجمع المبني للمجهول، مجتمع الأنا مع الغير على اللغة والحلم. هذه العلاقة ليست ما قبل فلسفية، لأنّها لا تنتهك قط الأنا، وليست مفروضة عليه قسراً من الخارج بالرغم عنه، أو بدون درايته كرأي ما؛ أو بالأحرى هي مفروضة عليه فيما وراء كلّ عنف، عنف يعرّضه كليّاً للمساءلة. إنّ الرابطة الإيطيقية المضادة للفلسفة الأولى المطابقة بين الحرية والسلطة ليست ضدّ الحقيقة، هي تتجه نحو الكينونة في برانيتها المطلقة، وتستكمل القصدية عينها التي تنشط السعي نحو الحقيقة[11].

العلاقة مع كينونة بعيدة للغاية ـ أي مفعمة بفكرتها ـ هي كسلطة وجودها، قد تمّ التماسها سلفاً في كلّ الأسئلة التي طرحها لفناس حول دلالة كينونتها. نحن فيما يقول: لا نتساءل حولها، [بل] نحن نُسائِلها. إنّها دائماً في الواجهة. إذا كانت الأنطولوجيا ـ الفهم، احتضان الكينونة ـ مستحيلة، فليس لأنّ كلّ تعريف للكينونة يفترض قبلاً معرفة الكينونة، كما قال باسكال ودحضه هيدغر في الصفحات الأولى من Sein und Zeit؛ وإنّما لأنّ فهم الكينونة عامة ليس بإمكانه أن يهيمن على العلاقة مع الغير. فهذه (العلاقة مع الغير) تقود تلك (فهم الكينونة). لا يمكنني الذهاب إلى المجتمع مع الغير، حتى لو وضعت في اعتباري بأنّ كينونة الكائن كائنة. إنّ فهم الكينونة قيل سلفاً للكائن الذي ينبعث مجدداً خلف الثيمة ـ الموضوعة التي ينعطي فيها. إنّ “قولاً للغير” ـ هذه العلاقة مع الغير كمحاور، هذه العلاقة مع كائن ما ـ تسبق كلّ أنطولوجيا، إنّها العلاقة الأخيرة داخل الكينونة، وهكذا فإنّ الأنطولوجيا تفترض الميتافيزيقا[12].

ربّما نحن الآن في وضعنا البشري مدعوون إلى استعادة ميتافيزيقا مضادّة، يستعيد فيها الكائن روح تعايش من غير خضوع ولا إخضاع.


[1]. Emmanuel Lévinas. Totalité et Infini, Essai sur L’extériorité; Martinus Nijhoff; 1971; p: 32

[2]. Ibid.p; 33.

[3]. Ibid; p 34.

[4]. ibid; p 35.

[5]. ibid; p 36.

[6]- انظر مقال لفناس في مجلة الميتافيزيقا والأخلاق، يناير 1951: “هل الأنطولوجيا أساسية”؟.

[7]. ibid; p36.

[8]. ibid; p37.

[9]. ibid; p38.

[10]. ibid; p38.

[11]. ibid; p39.

[12]. ibid; p39.

________

*مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

إنما الفلسفة أنا

*خاص – ثقافات *د.عزيز الحدادي      بهذه العبارة الرائعة انطلقت الفلسفة العربية منذ الفارابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *