الرئيسية / خبر رئيسي / تاريخ الضحك في الثقافة العربية مازال لم يكتب

تاريخ الضحك في الثقافة العربية مازال لم يكتب

*محمد الحمامصي

يقدم كتاب “الفكاهة والضحك: رؤية جديدة” للناقد والباحث شاكر عبدالحميد دراسة علمية متكاملة لموضوع الفكاهة والضحك، بدءا باستعراض المفاهيم الأساسية في مجال الفكاهة مثل “الدعابة”، “التهكم”، “السخرية”، وغيرها من المفاهيم ذات العلاقة، محاولا تقديم تعريفات لكل منها، ثم يتطرق إلى الإسهامات الفلسفية لكبار الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو وكانط وشوبنهاور وغيرهم في نظرية الضحك، مؤكدا أن هناك ارتباطا ما بين الفلسفة العامة للفيلسوف وبين أفكاره الخاصة بعلم الجمال وبين أفكاره المتعلقة بالضحك، ليستعرض بعد ذلك النظريات الأساسية التي ظهرت في مجال علم النفس، والتي حاولت تناول ظاهرتي الفكاهة والضحك، ومرورا بدراسة علاقة الفكاهة والضحك بالعمر والشخصية والمجتمع، والفكاهة والضحك في التراث والأدب، خاصة الروائي، والفنون التشكيلية، والوظائف الاجتماعية للفكاهة العرقية أو الإثنية وخصائصها، وانتهاء بأمراض الضحك وأساليب العلاج به، لنصبح أمام رؤية متكاملة الجوانب لكل ما يتعلق بالفكاهة والضحك ثقافيا وفلسفيا وعلميا واجتماعيا.

_86585_risld

منابع النكتة

يرى شاكر في كتابه، الصادر أخيرا عن سلسلة مكتبة الأسرة، وكان قد صدر من قبل عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية، أن الفكاهة في جوهرها الخيال المضحك أو تعبيراته، وهي كذلك، محاولة لأن يكون المرء متفكها، وهي تتعلق بشيء معين؛ فعل أو قول أو كتابة، يجري تصميمه بحيث يكون مضحكا ومثيرا للبهجة، فالفكاهة يمكن أن تكون استعدادا أو تهيؤا خاصا بالعقل، استعدادا للبحث عن البهجة أو السرور واكتشافهما وتذوقهما وإبداعهما أيضا وكل ما يتعلق بما نسميه حس الفكاهة، فإذا تحدثنا عن الإبداع ظهرت أنواع عديدة ترتبط بالفكاهة منها؛ النكتة والظرف أو الدعابة والمحاكاة التهكمية والأعمال الفنية بأشكالها المتنوعة.

يشير المؤلف إلى أن الضحك ينبع لدى بعض المفكرين من الفرح والبهجة، ولدى بعضهم الآخر يكشف الضحك عن إدراكنا للتناقض، ولدى بعضهم الثالث يدل الضحك على العدوان. ويقول “هناك أكثر من مئة نظرية حول الضحك وكلها نظريات متداخلة، يعتمد بعضها على البعض الآخر بدرجة واضحة، وتركز في مجملها على عوامل معينة تربطها بالضحك أو تربط الضحك بها، ومن هذه العوامل نجد مثلا: الدهشة، التفوق، أو السيطرة، أو التناقض في المعنى، والتنفيس عن الطاقة الزائدة وغير ذلك من العوامل”.

وبعد أن يستعرض المؤلف نظريات أقطاب الفلاسفة يلفت إلى نقاط مهمة أولها: إذا كان المضحك هو اتجاه عام للذات في مواجهة موضوع ما، فإنه يجب ألّا ننسى أن طبيعة ظاهرة الضحك يمكن رؤيتها من جانبين: أحدهما عقلي أو فكري يتعلق بالجانب الشكلي من الأمر المضحك أو الهزلي، أما ثانيهما فهو أخلاقي يتعلق بأن نضع في حسباننا العوامل الاجتماعية في الموقف المضحك والتي قد تساهم في حدوث الضحك أو تقوم بإعاقته، وقد تبنى أفلاطون، وإلى حدّ ما أرسطو وبرغسون المنحى الأخلاقي، في حين اهتم أرسطو وكانط وشوبنهاور بالمنحى الشكلي وأكدوا على ذلك التفاوت أو التناقض في المعنى الذي يحدث بين الحالتين.

ويتساءل شاكر “هل هناك مجتمعات تضحك أكثر من غيرها؟ وهل هناك جماعات إنسانية تفتقر إلى وجود حس للفكاهة خاص بها؟”، ويقول “لاحظ بعض العلماء أنه لا يوجد إنسان أو جماعة إنسانية من دون حس خاص بالفكاهة مميز لها، ما عدا ما يحدث بشكل مؤقت عندما تحدث تراجيديا شخصية أو قومية عنيفة. كما حدث مثلا نتيجة الهجوم على أميركا في 11 سبتمبر 2001 على برجي التجارة العالمي والذي أدّى إلى انحسار مفاجئ ومؤقت للفكاهة كما أشار إلى ذلك بعض الباحثين”.

ويرى شاكر أن الدوافع والأفكار الأساسية للفكاهة في التراث العربي تتمركز حول فكرة واحدة هي الانتقاد للنقص، والحط من قيمته أو السخرية منه، سواء كان هذا النقص متمثلا في البخل الذي هو نقص في الكرم والمروءة أو في الحمق الذي هو نقص في الذكاء والتفكير، أو في بعض العيوب الجسمية أو العقلية أو السلوكية التي هي نقصان في الكمال أو السواء.

ويلفت إلى أن تاريخ الضحك في الثقافة العربية لم يكتب بشكل كامل حتى الآن، ومازال بحاجة إلى الكتابة ولا سيما عن أعلام التراث العربي الذين لهم صلة بهذا الشأن على غرار ما كتب باختين عن رابليه.
41b767f2226d0117b8cf7a9ffa23a121_shakerLL

الضحك في الأدب

يعرض المؤلف، في الفصل الخاص بالضحك في الأدب “في الرواية خاصة”، لبعض الأعمال الروائية العربية والعالمية التي اهتمت بالفكاهة والضحك أو جعلتهما من محاورها المهمة مثل كتاب “الضحك والنسيان” لميلان كونديرا و”الضحك” لغالب هلسا، و”حجر الضحك” لهدى بركات، وأيضا أعمال إميل حبيبي، خاصة “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” و”أخطية”، و”الرجل الضاحك” لفيكتور هوغو.

وحول تاريخ الفكاهة البصرية يؤكد شاكر أن أول فكاهة بصرية مسجلة تعود إلى أيام السومريين الأوائل (عام 2000 ق.م.) وإلى الحضارة المصرية القديمة (نحو عام 1360 ق.م.) فقد اكتشف علماء الآثار بعض الإنتاجات الفنية التي تكشف عن استخدام المحاكاة التهكمية والبنية المسخية في عزو بعض الصفات البشرية أو خلعها على الكائنات الأخرى. فمن بين الأعمال الفنية السومرية التي اكتشفت في مدينة أور وتعود إلى الفترة ما بين عامي (2650 ـ 2550 ق.م.) هناك لوحة منقوشة بالصدف أو الذهب واللازورد مكونة من أربعة أجزاء، وتمثل رجلا على هيئة عقريب وظبيا يقومان بمهمة تخمير الجعة.

كما تشكل النكتة تنفيسا عن مشاعر الإحباط أو اليأس التي يشعر بها الناس تجاه بعض الشخصيات السياسية أو تجاه ظروف اقتصادية وسياسية سيئة. فالنكتة قد تكون موجهة ضد شخص أو مجموعة أشخاص في السلطة مثلا أو ضد نسق من القيم والأفكار السياسية أو الدينية، أو ضد جماعات أخرى، وقد تتم أيضا بهدف اللعب والمرح فقط.

ويشير شاكر إلى أن حس الفكاهة في ضوء التصورات العلمية الحديثة هو بمثابة استجابة للمواجهة القائمة على أساس الانفعال، والتي توقف أو تعوق استمرار الشعور بالشفقة أو الضيق الانفعالي، ومن ثمّ تقلل من الانزلاق نحو المرض. إن حسّ الفكاهة يعمل على تدمير المشقة، أو حالة الضغط الخاصة بخبرة سلبية معينة، ومن ثمّ يقلل من تفاقم تأثيرات هذه الخبرة السلبية أو يحدّ من تحوّلها إلى حالة مرضية.
________
*العرب

شاهد أيضاً

فيروز عصفورة تائهة بين الشمس والشرق

*أحمد شوقي علي مع اقتراب ذكرى ميلاد أو رحيل أحد المبدعين المؤثرين، ثمة صحافي يمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *