الرئيسية / إضاءات / ميسون صقر: لست روائية محترفة

ميسون صقر: لست روائية محترفة



*سماح عبد السلام


تحلق ميسون صقر في سماء الإبداع بجناحي القلم والفرشاة، أصدرت دواوين شعرية تنوعت بين قصيدة النثر والقصيدة العامية هي: «هكذا أسمي الأشياء، الريهقان، جريان في مادة الجسد، البيت، الآخر في عتمته، مكان آخر (رسم وشعر للأطفال)، السرد على هيئته (رسم وشعر)، تشكيل الأذى، رجل مجنون لا يحبني، أرملة قاطع طريق، جمالي في الصور».
وباللغة العامية المصرية أصدرت ديوان «عامل نفسه ماشي ومخبيه في هدومها الدلع»، كما تخوض مجال الفن التشكيلي، وأقامت معارض في مصر والعالمين العربي والغربي.
تقيم ميسون صقر بين مصر والإمارات، تخصصت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، نالت جائزة كفافيس للشعر عام 2014، وجائزة لجنة التحكيم في الإمارات «المجمع الثقافي» عن فكرة وإخراج فيلمها التجريبي «خيط وراء خيط» لما فيه من قيم التسامح بين الأديان.
لست روائية محترفة والدليل أن روايتي الثانية «في فمي لؤلؤة» جاءت بعد عشر سنوات من روايتي الأولى «ريحانة»، هذا ما تقوله الكاتبة الإماراتية ميسون صقر في حوارها مع «الجريدة» حول روايتها الجديدة، وندرة كتابتها الفن الروائي، وتؤكد أنها شاعرة في الأساس، رغم تنوع إبداعها بين الرواية والشعر والفن التشكيلي والفيلم التجريبي.

بعد عشر سنوات من صدور «ريحانة» روايتك الأولى جاءت الرواية الثانية «في فمي لؤلؤة»، فهل احتاج النص لهذه الفترة الطويلة؟
لست روائية محترفة لكي أنهي رواية وأبدأ كتابة أخرى، لكن عندما تأتي الفكرة أشرع في تنفيذها، الرواية الأولى كانت لظرف ما، إذ مكثت مع والدتي فترة طويلة في المستشفى، وكتبت ما يشبه السيرة، ثم تحولت إلى رواية، بدأت كتابة رواية «في فمي لؤلؤة» عام 2007، توقفت ولم أستطع أن أكملها، إلى أن أتممتها هذا العام، لا أكتب من أجل الكتابة، لكن عندما تكون لديَّ فكرة معينة أكتب، فضلاً عن أن الرواية هي التي تشغلني وتحفزني للعمل، وأرى أن الروائي الحقيقي يعمل وهو يفكر في روايته التالية، بينما لا أستطيع فعل هذا، فقد واتتني فكرة الغوص وكانت صعبة كوني لا أمتلك معرفة كافية عنه، وكان لا بد من إجراء بحث وقراءات وحوارات مع بعض الغواصين.
تعكس الرواية مجهوداً في البحث والاطلاع للكشف عن الغوض واللؤلؤ، فكيف تسنى لك ذلك؟
عندما بدأت الكتابة أهدتني خالتي كتابا عن السندباد، بدأت القراءة واستمتعت به، ولم أكن أثق بأنني سأكتب شيئاً مختلفاً عن الآخرين، خصوصاً أن روايات عدة كُتبت عن البحر من بينها «العجوز والبحر»، وقد دفعني ذلك إلى البحث، خصوصاً أنني أكتب عن منطقة لا أعرف تاريخها جيداً، فتعمّقت في التاريخ والجغرافيا، والمهنة نفسها، والاستعمار في المنطقة، حتى أنني أجريت حوارات مع غواصين متقدمين في العمر، وقصدت مركز التراث الشعبي للسؤال عن الأدوات المستخدمة في الغوص والشعر، والتقيت الدكتور غسان الحسن الذي حكى لي عن الشعر وتجليات الغوص في القصيدة الإماراتية، وعن القصيدة بين زوجة غضبت من زوجها، فأدخلتها بين آمنة ويوسف، وكانت فكرة كيف ندخل هذا الكم من المعلومات داخل الرواية من دون أن يكون مجرد تجميع بل ثمة حكاية حقيقية وبناء.

لماذا جاءت الرواية في حجم كبير لتصبح، حسب وصف الناقدة عبلة الرويني، بحاجة إلى جهد في القراءة يوازي جهد المؤلف في إبداع النص؟
لم أقصد الحجم الكبير، فقد بدأت براوية عن التاريخ القديم، ثم أدخلت عليها فكرة الراوية الحديثة فبدا لها عالمان، وبدأت أكتب عن عالمين، ففتح الموضوع معي للكتابة عن اللؤلؤ ثم الغوص والبحث، ثم الرحالة التي لها مسار في الرواية، واتسع المجال للكتابة في كينيا والهند، لم يكن الموضوع مجرد حكي بل ثمة مراجع لهذه الأمور،لأنني أكتب عن مرحلة تاريخية، كانت ثمة علاقة بين الخليج والهند، أو الخليج وزنزبار أو بريطانيا، لا بد من الإلمام بكل هذه الأمور.
لغة شعرية

تغلب على الرواية اللغة الشعرية وهو أمر غير مستبعد كونك شاعرة في الأساس.
بالفعل، في الرواية لغة شعرية واعتماد على الشعر الشعبي الداخلي وهذا ما يميزني، لماذا أدخل في كتابة لا تخصني؟ هذه لغتي، وتلك الكتابة بما يليق مع زمن كان يتحدث ويكتب الشعر الشعبي، اللؤلؤ نفسه فكرة شعرية تماماً واللغة مرتبطة بجو الرواية وهو جو أسطوري حالم وليس واقعياً، ما بين الكتابة عن أسطورة كأسطورة الملكة المجنحة، أو أسطورة «مرهون» الذي يأتي في المنام، وبين فكرة الشعر الشعبي، اللؤلؤ كفكرة جهنمية، فهو يخرج من قاع البحر ليتحول إلى شيء له قيمة ويوضع على التيجان والملابس، إنها فكرة تحتاج لغة خاصة لا عادية.

أشار نقاد إلى أن الرواية بمثابة سرد لعالم اندثر وراء التحولات العربية، إذاً ثمة رسالة ما تسعين إلى إيصالها من خلال هذا النص، ما هي؟
تشير الفكرة إلى عالم جميل انقرض، لكنه كان يعتمد على العمل ورأس المال والعبيد والعبودية، استغلال المناطق الفقيرة لصالح قرينتها الغنية، فكرة التجارة القاسية على العمال والإنسانية وكيف تُهدر إنسانية الحب، وكذلك فكرة الاستعمار وإن تحولت أشكاله، واستهلاك المكان لصالح الغني أو القوي سواء فكرة العبيد أو اللؤلؤ أو البترول والحروب التي تحدث حالياً، هي فكرة دخلت علينا لصالح رأس مال يذهب إليها.
في الرواية مزج بين العامية والفصحى، لماذا اعتمدت هذا الأسلوب؟ 

ثمة مزج بين أكثر من لهجة، سواء العامية المصرية أو الخليجية، وعامية الشعر والفصحى الشديدة والفصحى المبسطة، أكتب عن عالم واسع يقبل كل هذه اللهجات، لم أقدم عامية شديدة اللهجة ولكن بسّطتها، كان لا بد منها لكي أصنع خصوصية للمكان المكتوب عنه.
تتجلى فكرة المشهدية بصورة كبيرة في الرواية وهو ما يغري بتحويلها إلى عمل فني، فما تعليقك؟
لدى الرواية استعداد للمشهدية، بمعنى أن شخصياتها عجينة يمكن تشكيلها بطرق مختلفة، أشخاص يسيرون أمامنا، تختلف هذه الرواية عن روايتي الأولى «ريحانة»، ولكني لا أوافق على تحويلها إلى عمل فني في الفترة الراهنة، مع أنني تلقيت عروضاً لذلك. لا بد من أن تأخذ الرواية حقها من القراءة أولاً، أهتم بأن يكون لي مكان في الحقل الذي أعمل فيه وليس عن طريق العمل الفني، من الوارد أن يسهم فيلم أو مسلسل في سقوط الرواية أو العكس، ثم لماذا أضع هذا الأمر في ذهني وروايتي حديثة الصدور، وإلا كنت كتبت سيناريو مباشرة، لا سيما أن لي تجربة في هذا المجال، أو قصة قصيرة واعطيتها إلى من يحولها إلى عمل فني.

نلمح في داخلك فرحاً بنجاح الرواية، فهل يحمّلك هذا النجاح مسؤولية ما؟
هي رواية تستحق العناية لأني عملت عليها فترة طويلة حتى أنني فكرت في الذهاب إلى طبيب نفسي من شدة الإرهاق الذي أصابني. التحمت مع شخصياتها واتحدت بها، كنت أشعر بحزن عند التفريق بينها، أحببت النص ولم أتوقع له النجاح وأشكر الله ثم القارئ، أي شيء أو حركة في منطقة ما يحمّل الإنسان مسؤولية، لا يجوز أن أبدأ في كتابة الشعر إلا في حال قررت الاستمرار، اليوم أشعر بالقلق وألوم نفسي لأنني كتبت ديوانين بالعامية ولم أكمل، لدي هاجس حول الجديد في المجالات الأخرى.
أين الشعر بالنسبة إليك، خصوصاً أن ديوانك الأخير «جمالي في الصور» صدر في 2012؟
انشغلت بالرواية ولم أستطع كتابة جنس أدبي آخر، وأنا أعيش في أجوائها، حتى الشعر الذي كتبته لا أستطيع أن أقول إنه شعر، بل مسودات يمكن البناء عليها، لكنه ليس الشعر الذي سأنشره بل ربما يمكن صياغته داخل الرواية.
برأيك لماذا تصدرت الرواية وتراجع الشعر؟
ثمة أسباب عدة من بينها عدم اهتمام النقاد والدول بفكرة الشعر، توجه الاهتمام والجوائز للرواية وترجمتها وتحويلها إلى عمل تلفزيوني وسينمائي، فيما الشعر يولد ميتا، يصدر في ديوان ويظل فيه من دون أن يهتم به أحد، انفصل الشعر عن المؤسسات منذ بدأ في الحداثة، ما زالت الدول تهتم بالشعر الشعبي أو المقفى ولا تهتم بقصيدة النثر وكأنها ابن غير شرعي، قديماً كان الشاعر أميراً يكتب، اليوم، الأمسيات الشعرية في معرض الكتاب شبه خاوية، فقد انفصلت لغة الشعر عن الشارع، لكن ربما يقرأ القارئ رواية يفهم مضمونها.
داخل أي مبدع يسكن ناقد، فإلى أي مدى تنتقدين نفسك؟
أنا ناقدة قاسية جداً على نفسي، الكتابة لديَّ لا تنتهي إلا مع دخول الكتاب إلى المطبعة، حتى هذه اللحظة لا أستطيع قراءة روايتي، لأنني عندما أنشر مقاطع منها على صفحتي على «فيسبوك» أقول كان من المفترض أن أكتب هذه الكلمة أو تلك، أو فاصلة ما، انشغل كثيراً بالتفاصيل، الرواية مجهدة وفكرتها ليست سهلة، خصوصاً عندما يكون النص طويلا وممتلئاً بشخصيات لها حكايات متشعبة.
___
*الجريدة

شاهد أيضاً

انتحار نعيمة البزاز.. راوية الجيل الثاني للمهاجرين المغاربة بهولندا

عماد فؤاد “هل الاكتئاب شيء هولندي، أوروبي؟ أم جزء من عملية الاندماج ذاتها؟”- هكذا تساءلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *