الرئيسية / فنون / رحيل عباس كياروستامي… فقدان الثقة بالسينما

رحيل عباس كياروستامي… فقدان الثقة بالسينما


*حسن الساحلي


قد يكون أهم أسباب نجاح المخرج الإيراني الراحل عباس كياروستامي ( توفي يوم أمس) أنه لم يحاول البحث عن “الموقع الإجتماعي” لشخصيات أفلامه، الغريبة بشكل دائم عن أمكنتها الأصيلة. هذا تحديدا ما قيل عن فيلمه “طعم الكرز” بعد فوزه في مهرجان “كان” العام 1997 بأن الفيلم الذي تحول الى أحد أيقونات السينما العالمية، يبحث في مكان آخر غير محدود بمفاهيم كالمجتمع والثقافة والبيئة وغيرها. 
لم يحاول كياروستامي نقل صورة عن إيران ومجتماعاتها كما درج بعض المخرجين الإيرانيين، رأوا أن السينما أداة للنظر الى المجتمع. في “طعم الكرز” لم يصادف الشخصية الرئيسة في بحثه عمّن يدفنه بعدما قرر الإنتحار في أحد الجبال البعيدة عن طهران، سوى غرباء قادمين من كردستان وأفغانستان وأمكنة أخرى. لا نعرف في الفيلم أي شيء عن ماضي الشخصية تلك أو أي تلميح عن سبب رغبته في الإنتحار. نرى رجلاً هائماً في سيارته، يحاول اقناع غرباء بدفنه الى أن يقبل معه أحدهم بالقيام بالمهمة. يظهر المشهد الأخير من الفيلم الرجل نائما بمفرده داخل حفرة قبل أن ننتقل الى مشهد يظهر الجانب الآخر من الكاميرا، أي كياروستامي نفسه وفريق تصويره. 
اراد كياروستامي في الفيلم إظهار رجل يبحث عن موت “غريب” عن الموت الإجتماعي ومراسمه “الحضرية”. لا يجد الرجل في النهاية أي معنى لموته المنفرد في الحفرة النائية تلك، فينتقل الفيلم عندها الى المخرج الجالس خلف الكاميرا. ماذا عنك أنت؟ هل وجدت شيئا؟
في فيلم “الريح سوف تحملنا” تسافر الشخصية الرئيسية مع مجموعة من الاشخاص الى قرية نائية من أجل تصوير مراسم دفن عجوز تشارف على الموت. لا تموت المرأة ويبقى الفيلم في تلك المرحلة الاولية، أي انتظار الموت. تنتظر الشخصية الرئيسة موت المرأة مثلما انتظر المشاهد في فيلم “طعم الكرز” انتحار الرجل. 
تحاول الشخصية الرئيسة خلال انتظارها موت المرأة، اجراء اتصال مع المدينة، فلا تجد أي ارسال للهاتف في القرية. يصور الفيلم مشاهد متعددة لصعود الشخصية الى أعلى تلة بحثاً عن الإرسال. تستميت الشخصية الرئيسة من أجل إجراء تواصل بغاية البدائية لكنها تفشل، فتعود الى القرية لتصطدم بفشل من نوع آخر هو التواصل مع “مجتمع” القرية ذلك. 
يقدم الفيلم نقداً للسينما الإجتماعية التي تحاول الهرب من البحث في ما يعنيها وفي أزماتها “الشخصية”. كيف تريد البحث عن معنى موت شخص آخر عوضاً عن البحث في معنى حياتك الشخصية انت؟ 
تعبّر أفلام كياروستامي عن فقدان الثقة بالسينما بشكل عام كفنٍّ قادر على إيجاد الأجوبة. هذا ما أخذها أكثر نحو التحول الى “سينما المشاهد” التي تعطي الجمهور القدرة على المشاركة في صناعة الأعمال. يقول كياروستامي لمشاهده: عليك الآن أن تفقد الثقة بي كمخرج أو مؤلف قادر على ايجاد أحوبة لك وعليك الآن الإعتماد على نفسك أكثر. 
وقفت سينما كياروستامي دائماً في مكان غير واضح بين الوثائقي والخيالي. تعتبر ثلاثية “كوكر” الأفلام الأقرب الى هذا النمط أي ما درج على تسميته “دوكيو فيكشن” (وثائقي-روائي). تبدأ الثلاثية بفيلم “أين منزل صديقي؟” الذي يصور بحث طفل عن منزل صديق له من أجل استعادة دفتره… يأتي الفيلم الثاني من الثلاثية بعد وقوع الزلزال الذي دمّر قرى منطقة كوكر، ويصور رحلة بحث مخرج الفيلم الأول وابنه الى تلك المنطقة من أجل البحث عن الممثل الذي أخذ دور الطفل يومها. يعتمد الفيلم على رحلة قام بها كياروستامي لكنه يمتنع عن استخدام مشاهد تلك الرحلة الحقيقية في الفيلم. 
يبحث الفيلم عن مظاهر التعاطي مع الكارثة والموت الجماعي ويبدو في أغلب مشاهده مفرطا في التفاؤل. في أحد مشاهد الفيلم، يظهر أحد الأشخاص الناجين من الزلزال مع زوجته الجديدة. يقول الرجل: “لقد قُتل عشرة أشخاص من عائلتي منذ ثلاثة أيام. وأنا تزوجت الآن كي أثبت أن الحياة تستمر”. في الفيلم الأخير من الثلاثية يظهر الرجل نفسه، لكن الآن كممثل في الفيلم. يقول الرجل: “لقد قتل خمسة أشخاص من عائلتي” فيطلب منه المخرج أن يزيد العدد. “لا تقل 5 بل قل 10”. 
شكلت تلك الثلاثية نقدا للسينما ومحاولة لنزع تلك الفكرة عن قدرة السينما اعطاء اجابات مباشرة عن الحياة. سبقت هذه الثلاثية أفلام “طعم الكرز” و”الريح سوف تحملنا”.. ومهدت لها وقد شكلت القطيعة الأخيرة بين كياروستامي مع السينما كأداة للفهم أو التوثيق وتحول أكثر نحو ما عاد وسماه النقاد “سينما الحالة”. طبعا ليس موقع كياروستامي وحيداً في “سينما الحالة”، فهو قد استفاد من ذلك التوجه الأوروبي في أواخر الثمانينات نحو الشرق، والشرق الأقصى، حيث ازدهر هذا النمط الذي عادت واعترفت به نخب “مهرجان كان” الذين قدموا الإعتراف بمخرجي تايوان وكوريا والصين وإيران كـ”مؤلفين” لا يختلفون في شيء عن مؤلفي “الموجة الجديدة”، وهذا ما سمح لنا في العالم العربي بالتعرف على على أسماء لم نكن سنسمع بها لولا النخب الأوروبية التي تحدد ما علينا مشاهدته!
____
*المدن

شاهد أيضاً

فريدا كاهلو.. شريط ملوّن حول قنبلة

*أسامة فاروق في أحد المنتجعات السياحية الفاخرة المنتشرة على طول الساحل الشمالي المصري يطل وجه فريدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *