الرئيسية / إضاءات / تأثير كافكا

تأثير كافكا



* د. نيك تاسلر/ ترجمة : آماليا داود


خاص ( ثقافات )
منذ عدة سنوات قام الباحثون في جامعة كولومبيا البريطانية في كندا ببحث على تأثير روايات كافكا، حيث طُلب من مجموعة من المشتركين قراءة قصة ” الطبيب الريفي ” لكافكا وهي قصة تتميز “بكافكويتها” وهذا يعني أن تقلبات القصة والمنعطفات تعطي القليل من المغزى الواضح، بينما طُلب من المجموعة الثانية أن يقرؤوا نسخة معدلة أكثر منطقية لنفس القصة.
وبعدها قام الباحثون تحت إشراف الدكتور سترافيس برولكس بإعطاء مهام للمجموعتين وتتضمن اكتشاف رموز خفية ضمن الأحرف، وعندما قام الدكتور برولكس وفريقه بدراسة النتائج، اكتشفوا أن المجموعة التي قرأت القصة المربكة لكافكا كانوا أفضل بمرتين باكتشاف الأنماط الصحيحة، و اكتشف الباحثون أيضاً زيادة قدرات الناس عند النظر إلى الكلمات المزدوجة العشوائية أكثر من الكلمات الواضحة مثل ” تشيز كيك ” أو” الحمم البركانية، ونفس الشيء حدث عندما عرضوا عليهم أفلاما لدايفيد لينش .
فما الذي حدث هنا ؟ ولماذا الكلام الذي لا معنى له يجعلنا أذكى ؟.
علم نفس القدرات الخارقة 

دراسة جديدة في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي من قبل الدكتورة النفسية سمانثا هايتزلمين ولورا كينغ لجامعة ميسوري، ألقت الضوء على هذه الظاهرة الغريبة، فنتائج سلسلة من التجارب الارتباطية تؤكد أنه إذا اقتنع الإنسان أن قصة حياته منطقية فإنه يسمح لحدسه بتوجيه أعماله، لكن خلال الأوقات التي يشعر فيها الإنسان أن الحياة عديمة المعنى، فإن دفاعات الدماغ تتغير لما ” قبل الصدمة “، وكتبت د. هايتزلمين وكينغ :”من المحتمل أن يعيش الإنسان بوضع الحالة الافتراضية، والاعتماد على الغرائز الأولية، بعد ذلك الحدث الأليم، ويتم تحويل الجهد بشكل حاسم في إعادة المعنى “.
وهذا يعمل كالتالي : عند تحديد شيء لا معنى له، مثلاً عندما يتحول تصرف الشريك الذي نعتمد عليه إلى الهروب، أو عندما يتصرف جار كافكا مثل الحصان بدون سبب وجيه، تقوم وظائف الدماغ بتنشيط مجموعة من المهارات المعرفية والتي تعمل لإيجاد نماذج ذات معنى من حولنا، وبمجرد أن يبدأ، لا يتوقف الدماغ عن البحث حتى يجد شيئا لملء الفراغ بالمعنى .
وإذا لم يجد الدماغ سبباً وجيهاً لتغير تصرفات شريكك، سوف يبدأ بالبحث في مكان آخر بكثافة وقدرة غير عادية، ويبدأ في تحديد الأنماط وتشكيل الصلات بين الأفكار والأشياء التي ربما كانت أمامنا طوال الوقت،لكن لم نلاحظها أبدا .
ويصف” تأثير كافكا”كيف أن تغيرا غير متوقع يمكن أن يكون ما يسميه باحثو الإبداع “بذور الحوادث “.
تغيرات مثل بذور الحوادث 
تحفز تلك الحالة الناس على اكتشاف أفكار جديدة لأن شيئاً جديداً قد حدث والقصص القديمة التي نخبرها لأنفسنا لم تعد قادره على تفسيرها، وبذور الحوادث ترسلنا في رحلة اكتشاف، ونهاية تلك الرحلة قصة أخرى.
وأكدت نتائج دراسات الدكتورة شارلوت دويل على الكُتاب المبدعين أن بذور الحوادث تلهمهم لقصص جديدة، أو على الأقل اكتشاف حبكة جديدة أوإضافة شخصية جديدة، بالنسبة لباقي الناس بذور الحوادث يمكن أن تولد من خسارة العمل فكرة جديدة لمشروع ناجح، وللكثيرين يصبح التغيير غير المتوقع في عملهم بذور الحوادث لاكتشاف شخصية جديدة أكثر حكمة وجرأة، في أوقات أخرى، الحوادث تلهم الأعمال الفنية، ففي دراسة جديدة وجدت الدكتورة ماري فورجريد أن الناجين من الإبادة الجماعية في رواندا أصبحوا موسيقيين وفنانين أكثر إبداعا أثناء تجربة شفائهم .
تعطينا هذه الأبحاث مع بعضها البعض كل ما يدعو إلى الاعتقاد أن الاكتشافات الإبداعية وذات المعنى ليست مجرد نتيجة متصنعة للناس الذين يعانون، بل هي نتائج عصبية مشروعه للتغيرات غير المتوقعة، وفي كتابهما المشترك للدكتور باري كوفمان وكارولين غريغوار يناقشان أن الإبداع هو فطرة إنسانية بدلاً من كونه استثناء . التغيرات غير مالتوقعة هي نوع من استدعاء القوى المخفية للإبداع في الإنسان، وهذا يشبه قصة الأم التي رفعت سيارة لتنقذ ابنها، لكن الفرق هنا أن القدرات عقلية وليست جسدية .
الأبطال ليسوا سعداء دائماً 

للأسف، الذي نتأخر لإيجاده في رحلتنا هو السعادة، وقد أظهرت الأبحاث أن إيجاد المعنى تجربة مرضّية للغاية، بينما البحث عن معنى يشبه البحث عن إبرة في كومة قش في الظلام، مخيف فوضوي . 
ومع ذلك باحث مثل كوفمان يقدم حجة مقنعة أن هناك شيئا جيدا في الفوضى، وأدرك كافكا ذلك جيداً، في آخر شهر من سنة 1912، أحد أكثر فترات حياته سوداوية وإبداعا، أخبر صديقه كيف :” تخرج القصة مني كأنها ولادة إنسان حقيقي، ملطخة بالتراب والوحل “.
لكن مرة أخرى، ربما تكون الفوضى جزءاً من النتائج، وربما تكون الفوضى سبباً لإحساسنا بأننا على قيد الحياة، وأننا بشر، في تلك اللحظات عندما يربط دماغنا أخيراً بين البدايات الغامضة والإبداعات الجميلة .
______
المصدر : psychologytoday

شاهد أيضاً

ج. ك. رولينغ: كيف تتعامل مع الفشل

خاص- ثقافات * زات رانا/ ترجمة: ابراهيم عبدالله العلو عانت ج.ك.رولينغ قبل كتابة سلسلة هاري بوتر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *