الرئيسية / مقالات / موت يمشي على قدمين

موت يمشي على قدمين


*علي السوداني


تعيسٌ وغير محظوظ هو الأديب والفنان الذي يموت الآن، حيث لن يجد من يرثيه أو يمشي خلف تابوتهِ، بعد أن صارت البلاد متوالية جنائز، تشبه خيط نمل طويل ذاهب صوب ثقب بعيد.
في أسبوع واحد من روزنامة بلاد ما بين القهرين العظيمين، ماتت أمل طه وتبـعها عبدالجبار الشرقـاوي وثـلّثَ عليهـما عزرائيل القاسـي بزيدان حـمود.
مـوتٌ يمشي على قدمين همجـيتين بشوارع وحارات ومدائن أهل الـعراق والشام واليـمن الذي لـم يعد سعيداً.
جنون جماعي بغيض يحيط بالفلّوجة المدينة النبيلة التي لم يبنِ أهلُها فندقا أو نزلا فيها، لأنهم يعتبرون مبيت الضيف خارج بيوتهم الكريمة، ضربا من عار وشنار لا يُطاق، تماما كما رأوا الغزاة الأميركان على باب حاضرتهم، فنازلوهم وقاتلوهم وقتلوهم وكنسوهم من البلاد بعد أنْ أدّبوهم فأحسنوا تأديبهم.
أمّا أنت أيها الدرويش المتثاقل الدائخ بعطر الفراق، فلقد أكلَ موت البلاد كلَّ حروف مراثيك، وما عدتَ بقادرٍ على إنتاج الكثير من المراثي، كما فعلتَ من قبل مع عبدالوهاب البياتي وكمال سبتي وجان دمو ومحمد الجزائري ورعد عبدالقادر، وآخرين لم يعودوا صالحين حتى لو ذهبت إلى تقنية إعادة تدوير حروف الوجع ورصفها على سلالم ميتات اليوم.
الميتون يُقتلون ثانيةً. في حيواتهم الشحيحة يُركنون على رف النسيان مثل بضاعة مهملة وفائضة، وفي موتهم تشحّ المناحات حتى لن تجد مَنْ يحمل توابيتهم الفقيرة، أو يطشّ حفنة من تراب الوطن الذي شارك في قتلهم غرباء أو غرباء وهم يعيشون بين أضلعه.
لكن لا بأس عليكم أيها الراحلون الطيبون، أو الذين مازلتم بأخير طابور الرحيل والفناء.
نعدكم بأننا سنقلّب الألابيم ونمسّي ونصبّح على صوركم العتيقة. سنتلو على الملأ ما تيسّر من عظيم تركتكم الجميلة.
سنذهب إلى باب الحاكم بجنونهِ، ونتوسّلهُ أو نتسوّله، كي يصدر فرمانا ملزما، يسمّي فيه الشوارع والحارات والجسور، إنْ بقي تحتها ماء يجري بأسمائكم النبيلة المشعة.
سنشعل لكم في كلّ ذكرى شموعا إلكترونية، وسنرمي على شواهد قبوركم باقات وردٍ غير مكلفة حتى موعد لقائنا هناك.
____
*العرب

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *