الرئيسية / فكر / الإنسان غاية الأخلاق

الإنسان غاية الأخلاق


*عبد العزيز بومسهولي


يعرض مفهوم “النهاية” في الفلسفة الأخلاقية باعتباره تجليًا لفكرة الغاية. والمبدأ الأخلاقي الذي يعبر عن ذلك يؤسس للشرط الضروري الذي يجعل الإنسان غاية في حد ذاته. إنّ الأمر هنا يتعلق بهذا التطابق الجوهري بين الإنسان والنهاية باعتبارهما معا الشيء ذاته.
يرجع الفضل لـ “كانط” في تأسيس هذا التماهي بين الإنسان والغاية، وهو ما عبر عنه في “أسس ميتافيزيقا الأخلاق” بواسطة القاعدة الثانية للأخلاق على النحو التالي:
“افعل دائمًا بحيث تعامل الإنسانية، في شخصك وفي شخص الآخرين، على أنّها غاية، وليس أبدًا على أنّها مجرد وسيلة”، أي أنّ الإنسان والغاية هما الشيء ذاته، هذا هو المبدأ الذي تفصح عنه هذه القاعدة. والأخلاقية أو الإنسانية ليست في النهاية سوى نفي خالص لغايات أخرى تغدو بموجبها الكائنات الإنسانية مجرد وسائل فقط، أي مفصولة عن المبدإ الأخلاقي المحايث لها، وعن قيمها التي تجعل منها غاية في ذاتها.
إنّ الانتقال من اعتبار الإنسان وسيلة من أجل غايات أو بالأحرى من أجل غاية بعينها إلى وضع إيطيقي مغاير يغدو من خلاله هو ذاته الغاية نفسها، يعد بمثابة المفتاح الأساس لقراءتنا الثانية للقاعدة الأخلاقية التي لا تتأسس إلا داخل الإنسان بوصفه “علة تأسيسية” وهو ما يعني وفق تأويلنا الجديد لمبدأ التطابق بين الإنسان والغاية اكتمالاً يجسده نشوء المبدأ الغائي بالذات الإنسانية، وهو ما نسميه “المبدأ الإيطيقي” المحايث الذي يحول في النهاية دون أن يغدو الإنسان مجرد “موضوعة” تستهدفها الأخلاق الأداتية بوصفها ميتافيزيقا للهيمنة. أخلاق تمارس نوعًا من الفصل ما بين الإنسان وما بين الغاية من أجل أن يظل مجرد وسيلة نحو غايات أخرى لا تهدف في النهاية إلا إلى إرادة الإخضاع والامتلاك أو الاستحواذ، ومن ثم يغدو الإنسان موضوعًا للتملك أي حقلاً للتجربة الأخلاقية بما هي تطويع للذات الإنسانية من أجل أن تضحي مجرد ذات مفرغة من القيمة، مختزلة ككيان مطواع، وليس باعتبارها ذاتًا مؤسسة ككينونة مستقلة ملتحمة بالرغبة كماهية إنسانية، وحائزة على إرادة مشرعة لوجودها الحر، بوصفها وعيًا بالحاضر المنفتح على الماضي والمستقبل معًا، أي وعيًا بالذاتية المشتركة التي تغدو فيها كل ذات بما هي غاية العيش سوية مسؤولة عن كل الذوات الأخرى، وهي مسؤولية لا تعني الوصاية الأخلاقوية، بل تعني الحس اليقظ بحق كل ذات في التمتع بحقوق الحياة، ومنشأ هذا الوعي اليقظ هو أساس الواجب الأخلاقي بمعنى أساس ما يجب علي أن أفعله تجاه الغير تعبيرًا عن هذه المسؤولية، والذات هي منبع هذه المسؤولية، بل هي المسؤولية ذاتها على حد تعبير “لفناس”.
إنّ مفهوم الغاية يبدو من خلال هذه الزاوية بمثابة انعطافة مغايرة للأخلاق الأداتية بوصفها أوامر تحدد ما يجب أن يكونه الكائن وفق غايات مفارقة لكينونته، أو بوصفها مجرد نسق أخلاقي لتسويغ استعمال الكائنات الأخلاقية استعمالاً لا أخلاقيًّا، ما دام لا يتأسس على الغاية الأولى أي على – الإنسان ذاته – أو الإنسان / الغاية.
في النهاية يرتسم انعطاف آخر نحو – الإيطيقا – بما هي فلسفة أولى على حد تعبير “لفناس”، إنّها إيطيقا فن العيش التي لا تتأسس لا على امتلاك الحقيقة ولا على امتلاك الوجود، وإنّما تتأسس على تحرير الكائن عن هيمنة الاستحواذ التي يعد هذا الكائن بموجبها ضحية ميتافيزيقية لأي مشروع “أنطوـ تيولوجي” يصيره مجرد وسيلة لا غير.
تغدو الأخلاق نفيًا خالصًا للإرادة أي للعقل العملي، بمجرد ما تتأسس خارج ما نسميه “العلة التأسيسية”، أي عن الإنسان أساسًا للفعل الأخلاقي وغايةً له في الآن ذاته، ومادامت كذلك تستمد نجاعتها من النمذجة أسلوبًا لتطويع الجسد الإنساني وفقًا لنماذج تغدو بفعل الممارسة الأخلاقية أصلاً لأيّ أفعال خلقية ممكنة، فالنموذج بمثابة أصل يحاكى بما يتسق مع قواعد القوة المهيمنة التي تستهدف إنتاج عقول ممتثلة وطيعة وسهلة الانقياد، ولا تستهدف توكيد الإرادة المستقلة للكينونات البشرية بوصفها ذاتها منبع غاياتها الأخلاقية.
لقد كان “كانط” محقًّا عندما أكد أنّه – ليس هناك إساءة يمكن أن تأتي من الإنسان في حق الأخلاقية، أشد من رغبته في جعلها مستمدة من الأمثلة. ذلك أنّ كل مثل يعرض على هذا الشأن يجب أن يصدر عليه الحكم قبل ذلك طبقًا لمبدأ الأخلاقية، حتى نعرف إذا كان مثلاً قميناً بأن يكون بمثابة مثل أصلي، أعني أن يكون أنموذجًا ولكنه لا يمكن أبدًا أن يزودنا في المقام الأول بتصور الأخلاقية، وحتى السيد المسيح يجب أن يقارن أولاً بمثلنا الأعلى في الكمال الخلقي قبل أن نقر بأنّ له هذا الكمال. أو ليس هو القائل عن نفسه: – لم تدعونني خيرًا أنا (الذي ترونه)؟ ليس هناك من خير أبدًا (أنموذج للخير) إلا الله وحده الذي لا ترونه. لكن من أين حصلنا على تصور الله كخير أسمى؟ لقد تم ذلك فقط من فكرة للكمال الخلقي رسمها العقل أوليًّا، وربطها برباط لا ينفصم بينها وبين تصور إرادة حرة.”[1]
ويمكن اعتبار هذا التمييز بين أخلاق النمذجة، وبين الأخلاق التأسيسية ثورة جذرية في الفكر الفلسفي الحديث، فالانتقال من “أخلاق ميتافيزيقية” يغدو فيها المثال أصلاً ممكنًا للتجربة الأخلاقية إلى “ميتافيزيقا أخلاق” تؤسس للإرادة بما هي عقل عملي لا يخضع لأي وصاية أخرى سوى لأمر الواجب الذي يقتضيه عقل كوني يعد بمثابة قانون كلي للغيرية اللامشروطة حيث تتأسس القيمة الإنسانية على واجب احترام الشخص الإنساني في ذاتنا وهو ما يلزم عنه بالضرورة احترامه في غيرنا.
نحن هنا أمام صيغة لتحرير الواجب من أيّ نزعة مهيمنة، سوى الهيمنة التي تقتضيها الإرادة بما هي إرادة عقل الكائن الإنساني.
“تتصور الإرادة كملكة تقرر بذاتها العمل بما يتسق مع تمثل بعض القوانين، ومثل هذه الملكة لا يمكن أن نجدها إلا في الكائنات العاقلة. ومن هنا فإنّ ما يكون للإرادة بمثابة مبدأ موضوعي لتتخذ قرارها بذاتها لهو الغاية، فإذا كان العقل وحده هو الذي يضع هذه الغاية، فإنّها يجب أن تصح أيضًا لجميع الكائنات العاقلة على حد سواء”[2]
إنّ صلاحية هذه الغاية بالنسبة إلى جميع الكائنات العاقلة على حد سواء، لا يعني بأي حال من الأحوال أن تصبح تجربة الأنا الأخلاقية مثالاً يحاكيه الآخر إلى الحد الذي يبدو فيه بمثابة أصل، فكونية المبدأ الإيطيقي ترتكز على الإرادة المستقلة التي لا يمكن اختزالها أو إخضاعها لإرادة أخرى بحيث ترتد عن أن تكون غاية في ذاتها إلى مجرد وسيلة، وبالتالي فليس للتقاليد والمحاكاة مكان ما في مجال الأخلاق، والأمثلة لا تفيد إلا في التشجيع أعني أنّها تبعد عن الشك إمكانية تنفيذ ما يأمر به القانون، وهذه الأمثلة تخضع للحدس ما تعبر عنه القاعدة العملية بطريقة أعم، ولكن هذه الأمثلة لا يمكن أبدًا أن يكون لها حق تنحية أصلها الحقيقي – أعني العقل – جانبًا وأن تتخذ القاعدة من ذاتها”[3]
يرتكز مبدأ ما يجب فعله على المسؤولية بوصفها خاصية الإرادة الإنسانية وبالتالي فهي تعبر عما يجب أن أفعله، وليس ما يجب أن يفعله الآخر، ففي الأمر الأول ينتفي الإكراه الذي مصدره سلطة أخرى غير الإرادة المستقلة، بمعنى انكشاف المبدأ الإيطيقي تحريرًا للذات والآخر، وإثباتًا للانفصال الذي يجعل الإرادة مستقلة عن الخضوع لأيّ وصاية سوى العقل، أما في الأمر الثاني: ما يجب أن يفعله الآخر، فإنّه لا يعبر إلا عن نزعة “أخلاقوية” يغدو من خلالها الآخر وسيلة للتطويع الأخلاقي الذي لا يهدف في النهاية إلا إلى ممارسة شكل من العبودية التي تجعل الكائن مفصولاً عن علته التأسيسية، أي مجرد موجود قاصر، وليس مؤسسًا لذاته ولعلاقته مع الغير.
يبدو المبدأ الإيطيقي المحايث من خلال هذا الطرح هو الجواب المحتمل لسؤال نهاية الأخلاق، فنهاية الأخلاق هي احتمال انبثاق إيطيقا مغايرة تمارس نوعًا من الانفصال عن الأخلاق “الأخلاقوية” بوصفها أوامر لتطويع الكينونة ونمذجتها، وهذه “النمذجة” بدورها غدت الآن تمارسها التقنية إلى الحد الذي مكنها من بناء مجتمع افتراضي تتشكل فيه العقول على نحو متشابه إلى حد بعيد اغتربت فيه الذات عن ذاتها وأصبحت تتماهى بما تقدمه التقنية من كائنات افتراضية، وهو ما يعني أنّ ثمة أخلاقية افتراضية جديدة، لكن غايتها ليست سوى التقنية وليس الإنسان بما هو إنسان.
نؤول النهايةـ الغاية هنا كعلة محايثة، وكمبدإ غائي في الآن ذاته، وكلحظة الانفلات عن “التشميل”، وليس المبدأ الإيطيقي سوى هذا التحرير الذي تقتضيه العلة التأسيسية والذي يصير الكائن منفصلاً عن نزعة التشميل والإخضاع، في سبيل أن يشرع لذاته، أي أن تغدو كينونته بالمعية هي الغاية ذاتها، ومن ثم فليس هناك من غاية أخرى تستغلها النزعة “الأخلاقيوية” من أجل إبطال تحقق الكينونة، أي تعديم الجسد الإنساني وإرجاعه كائنًا غفلاً، مفصولاً عن علته التأسيسية فيغدو بمثابة معلول لعلة مفارقة أي لإرادة أخرى تتعين كذاتية للقوة تعرض على نحو الاستحواذ بما هي اكتساح تشميلي مبني للمجهول، وبما هي نفي جذري لكينونة ما هو إنساني داخل العلاقة الغيرية.
إنّ التفكير في “غاية الأخلاق” على النحو الذي نطرحه هنا، لا يعني إلا انشغالاً بالكيفية التي يغدو فيها الكائن متحررًا من إرادة التشميل التي طالما تحكمت في المصير الإنساني بشتى أشكال الاضطهاد والاستبداد وتغريب الجسد، وحتى إن بدت هذه الأشكال التقليدية تتهاوى اليوم بفعل تنامي إيطيقا الاعتراف، فإنّ الإنسان اليوم قد غدا ضحية مكر التقنية، وهو ما يطرح علينا استشكالاً آخر يتمثل في الكيفية التي يتخلص فيها الكائن الإنساني من قبضة الوجود المعولم على نحو تقني، ويستعيد من خلال ذلك كينونته على نحو “علة تأسيسية” يشكل فيها مبدؤه الإيطيقي المحايث علامة جوهرية للمسؤولية؟
هذه المسؤولية تقتضي تجريبًا مغايرًا لإمكانية الانفصال الذي يستعيد الحق في الزمان كاحتمال أقصى للعلة التأسيسية، لا يتعلق الأمر بهروب عن القدر التقني بما هو واقعة وجودية، ولكنه يتعلق بمواجهة هذا القدر ذاته باعتباره ليس نهاية الوجود، أي مواجهة هذا الاختزال القصدي الذي يؤسس لحضور اختزالي للذات والآخر داخل “ذاتية القوة”، إنّ الأمر لا يتعلق فقط بنقد القصدية على نحو ما ذهب إليه “لفيناس” حيث يعني الحضور إرجاع الآخر للذات بما هو عمل الأناوية “l’egologie” بوصفها احتواء من خلال الرؤية والمعرفة لذلك الآخر الذي يغدو موضوعًا للأخذ [4] بل إنّ الأمر يتعلق بما يتجاوز الذات والآخر معًا ويحتويهما داخل جوفه. أي يتعلق بذاتية القوة التي تؤسس للحضور بما هو واقعة تقنية، أي بما هو مفعولية لمكر التقنية، إنّه يتعلق إذن بهذا الانكشاف الذي أضمر “العلة التأسيسية” واحتواها في جوفه.
إنّ العلة التأسيسية تفترض كائنًا يؤسس انفصاله علة وجوده على نحو الغيرية بما هي انقطاع عن التشميل، أي انقطاع عن العلة ذاتها، عن صيرورة الإخضاع المتصور كضرورة بين العلة والمعلول، كاحتواء يجعل من المعلول مجرد امتداد للعلة. إنّ الانفصال هو بنية العلة التأسيسية بما هي انفلات عن الكلية la totalité إنّه ليس نفيًا لوجود العلة ولكنه ذلك الاقتضاء الضروري الذي تسمح به الفجوة، الهوة التي تجعل الانفصال بين الكائن والامتداد ممكنًا، حيث يتولد الزمان كحدث تأسيسي مبني داخل التيه لكنه قابل في الآن ذاته للانفلات عن تضليل التشميل بما هو النهاية القصوى. يشكل زمان الانفلات عن المتاهة تلك اللحظة الحاسمة التي يغدو فيها الكائن تحررًا يتأسس على نحو “علة تأسيسية”.
إنّ “العلة التأسيسية” كما نتصورها هنا هي إمكانية لتجاوز “ذاتية القوة”، وباعتبارها علة فهي قوة، لكنها ليست قوة تتمثل كإرادة للتملك بقدر ما هي قوة لتجاوز التملك وبما هي كذلك فهي الغيرية التي تستجيب لنداء الآخر.
الآخر الذي لا يبالي بالوجود بقدر ما يبالي بالكيفية التي يشترك فيها مع الغير في تأسيس إيتيقا جسدية، يغدو من خلالها الجسد بوصفه غيرًا منفصلاً ذلك الأساس الذي تتأسس عليه العلاقة العبر إنسانية حيث الانفتاح لا يتأسس على الانفتاح على الوجود الذي يتوارى في انكشافه الموجود، ولكنه يتأسس على اللاتملك: ترك الجسد يوجد على نحو الغيرية، أي على قدرته على انفصاله عن الوجود وعن الطبيعة، وعن ذاته أيضًا، فانفصاله عن الذات هو امتناع كيفي “للأناوية” أي الذاتية المتمركزة حول ذاتها والتي تنحو باتجاه امتلاك الغير وإخضاعه للذات.
لا تصير العلة التأسيسية قوة إلا إذا كانت غيرية، بمعنى أن تصير ذلك الانفصال الذي يؤكد الجسد كغير منفصل على أرضية التشارك، أي الانفتاح على الآخر كاقتراب وليس كتملك بوصفه العلة الأصل التي تنفصل عن أي أصل أي عن الكلية التي تعرض كتشميل يقيم داخل الوحدة. نعثر لدى “ليفناس” ما يمكن أن يسند تأويلنا للعلة التأسيسية “إنّ الكائن – من خلال الزمان – هو ما ليس بعد، وهذا لا يجعله ممتزجًا بالعدم، ولكنه يبقيه متباعدًا عن ذاته. إنّه لا يوجد مرة واحدة، حتى علته الأكثر تقدمًا منه، ما تزال منذورة للمستقبل. إنّ علة الكائن ثم التفكير فيها والتعرف إليها من خلال نتيجتها، كما لو أنّها متأخرة عن معلولها. إنّنا نتحدث عن “كما لو” التي تحيل إلى وهم، والحال أنّ هذا الوهم ليس مجانيًّا. ولكنه يؤسس لحدث إيجابي. إنّ بعدية السالف (تأخر المتقدم) – وهو قلب محال منطقيًّا – لا تنتج إلا بواسطة الذاكرة أو بواسطة الفكر لكن اللامحتمل (المحال) الظاهر للذاكرة أو الفكر يجب تأويله بدقه كما لو كان ثورة داخل الكائن … إنّ الماـ بعد أو المعلول هو الذي يشترط الماـ قبل أو العلة، فالما- قبل الذي ظهر هو ما تم استقباله فقط[5]. إنّ الانفصال عن العلة كترابط منطقي بين العلة والمعلول والتي يعبر عنها بواسطة مبدأ العلة: لا شيء بدون علة أي أنّ للموجود علة بالضرورة هي مقدرة سلفًا هو الشرط الذي يجعل من الممكن حدوث قلب افتراضي يجعل المعلول المنفصل عن علته في مجرى التجاوز، إنّه المجرى الذي يحدث انزياحًا عن الأصل / العلة ليغدو هو ذاته العلة. في هذا المجرى يتأسس التأسيس الذي يحقق وثبة الكائن المنفصل عن تشميل الوجود أو الإخضاع الضروري للعلية.
يطرح الكائن ذاته في خضم هذه القفزة مغايرته التي تسمح بانبثاق زمانيته الأخرى تحررًا من أبدية العلية، نوعًا من الفقدان الذي لا يعني السقوط في العدم، ولكنه فقدان الوجود بوصفه أصلاً يمتص في جوفه كل موجود ويبقيه غفلًا، أي الانفصال عن حالة العدمية، حيث الكائن ليس من نوع الموجود المنفصل، بقدر هو ما لا يستطيع أن يوجد بعد، إنّه داخل المتاهة دون أن يدري أنّه في المتاهة أي دون أن يتيه كقدرة منفصلة، تعرض بمثابة تخارج extériorité ما يفتأ ينفلت مقاومًا أيّ تشميل يمارسه الوجود أو الموجود ذاته المتمركز حول ذاته والمتخفي داخل تلك الهوية الثقافية التي تمجد الأصل وتسعى لاكتساح الغير، وإتلاف الاختلاف.
ليست العلة التأسيسية من قبيل العلة الفاعلة المتصورة في المنطق الصوري، ولكنها من نسيج الغيرية، وبذلك فهي لا تكون كذلك إلا إذا عرضت باعتبارها قلبًا لأي تطابق يمكن أن يتأسس في مجرى التاريخ كهوية متماهية بذاتها، أي كوحدة وجود وكبناء لمتاهات داخل المتاهة الكليانية. إنّ العلة التأسيسية هي أساس الزمان، فالزمان ينشأ كرغبة وليس كبنية مقدرة، فزمانية الكائن الإنساني مشروطة بتلك الرغبة التي تجعل من التخلص من أسر الوجود مشروعها الأساسي. فالزمانية هي الطريقة النوعية لمقاومة “التشميل” سواء ذلك الذي يكون مبعثه الوجود، أو كان مبعثه المعرفة التي تغدو في لحظة اكتمالها شكلاً من أشكال الميتافيزيقا المهيمنة ونوعًا من الاغتراب الذي يحجب الغيرية بوصفها الولادة المجددة للزمان.
العلة التأسيسية هي صيغة الخروج التي لا تطابق الوجود ولا المعرفة كاكتمال وإنّما تطابق الزمان بما هو حمل لجسد الموجود على الانفصال. فالجسد لا يتحقق على نحو “التشميل” بقدر ما يتحقق على نحو “الإفلات”، بما هو نقيض لميتافيزيقا أونطوـ تيولوجية ما تفتأ تمارس احتواء الجسد وإرجاعه إلى حالة الخضوع للوجود أو لتلك المعرفة التي تبخس الجسد وتفرض عليه نوعًا من الطاعة الإجبارية التي تجد مسوغاتها في قواعد الأخلاق[6]. إنّ الجسد لا يتحقق إلا في التخلص من الاحتواء التشميلي فانبثاقه بوصفه برانية يتأسس على الإيطيقا، فن ابتكار الغيرية كموجودية تستدعي زمانيتها الخاصة في أفق العلاقة مع الغير، ولن تغدو الزمانية الخاصة تملكًا ولا احتيازًا وإنّما اقترابًا. إنّ الاقتراب هو الطريقة التي تجعل من الجسد منفتحًا للتجربة الإنسانية أي طريقة ابتكارية للخروج نحو الآخر، فحيثما يوجد آخر فهناك إمكانية قصوى للتخلص من “التشميل الأخلاقوي” و”التيولوجي”، ذلك لأنّ الله غاية الدين، أما الإنسان فغاية الأخلاق، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ القاعدة الأخلاقية هي مستقلة عن القاعدة العقدية، لأنّ بناء قاعدة أخلاقية يقتضي احترام كل بشرية في ذاتها، وهذا يعني إخضاع القاعدة العقدية للقاعدة الأخلاقية، ما دامت غايتها هي الله، أي وضع أخلاقية خصوصية للاعتقاد، يكون فيها المؤمن في ممارسته العقدية التعبدية مستحضرًا شرط عمومية الكونية البشرية، ضمانًا لأمنها الروحي، وتحقيقًا لطمأنينة الفرد المؤمن، وهو ما يعني أنّ المبدأ الإيطيقي المحايث، هو منبع التعالي ذاته كشرط قبلي للتجربة الأخلاقية التي غايتها الإنسان، في انكشافه بوصفه غيرية تتأسس عليها كل مسؤولية ترعى وتصون هذه الغاية.
___________
[1] كانط أسس ميتافيزيقا الأخلاق: ت. محمد فتحي الشنيطي القاهرة 6591، ص 55

[2] المرجع السابق ص 91

[3] المرجع السابق ص 55

[4] Levinas: entre nous essais sur le penser de l’autre, édition grasset et fasquelle, 1991, p 165.

[5] E levinas, totalité et infini. ed.martinus nijhof, 1971, p 47.

[6] عبد العزيز بومسهولي: الكائن والمتاهة: التفكير في الزمان المعاصر، سلسلة أبحاث فلسفية، مركز الأبحاث الفلسفية بالمغرب، 2007، ص 40
___________
*مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي : إنها فرصتنا لخلق عالم مختلف،أو لن يتحقق ذلك

ثقافات –  ترجمة  : سعيد بوخليط   تقديم : يتضمن هذا الحوار،وجهة نظر اللساني اللامع والفيلسوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *