الرئيسية / فكر / دفاتر تأويلية..السياق التخاطبي وتحليل الخطاب

دفاتر تأويلية..السياق التخاطبي وتحليل الخطاب



* د. يوسف أحمد إسماعيل


خاص ( ثقافات )


يُروى أنّ أحدَ الملوك رأى في منامه أنّ كل أسنانه سقطت! فروى حلمه على أحد مفسريّ الأحلام، فقال له: لا حول ولا قوة الا بالله العليّ العظيم، تفسير رؤياك أنّ كل أهلك سيموتون أمامك! فتغيّر وجه الملك، وسَجن المفسِّرَ. وأتى بمفسِّرٍ آخر، فقال له نفس الكلام، فسجنه كذلك، وعرض حلمه على مفسِّر ثالث، فقال له المفسر مسروراً: مبارك لك أيها الملك، إن رؤياك تقول: بأنك ستكون أطول أهلك عمراً. فقال الملك مستغرباً: أمتأكد أنت ؟! قال المفسر: نعم. فسُرَّ الملك، وأغدق عليه بالهدايا والأعطيات. 
يتم تداول تلك الحكاية للإشارة إلى طريقة التعبير لدى المفسِّرَيْن، وإلى المفارقة القائمة بين التفسيْرَيْن الواردَيِن في الحكاية، وهي مفارقة لفظية فحسب، لأن التفسيرين في الجوهر واحد، ولا اختلاف بينهما. ولكن المفسّر الأول قال ما أراده بلغة فجائعية؛ تبدأ وتنتهي بالموت، والثاني قال المحتوى ذاته بلغة تفاؤلية، تبدأ وتنتهي بالحياة. 
وعلى الرغم من أن النتيجة واحدة على مستوى الصيرورة التاريخية، إلا أنها ليست كذلك على مستوى الوظيفة التداولية. فالمفسّر الأول، وأقرانه، أحزن الملك، والمفسر الثالث أفرح الملك. ولكن هذا النمط التداولي للحكاية ثبّته في الوعي الشعبي المفسّرون الدينيون، بناء على تفسير الأحلام في التراث العربي، كابن سيرين وغيره، وتم خلال ذلك تجريد الحكاية من سياقها ومكوناتها الخطابية، المتمثلة بالمرسل والمرسل إليه والخطاب ذاته، بوصفه استراتيجية لها وظيفتها التداولية.
في الحكاية الشعبية الشفوية، ينقسم العالم، بشكل عام، إلى قسمين: مالك (يتمثل بمالك السلطة والمال) ومملوك (يتمثل بالفقير الحالم) والأول يفتقر إلى الثاني، وافتقاره له يتمثل بحاجته للحكمة والجرأة والطيبة التي يمتلكها الثاني، ولذلك ترتبط الرؤيا، بشكل عام في عالم الحكاية الشفوية، بالسلطان، ويرتبط التفسير بعامة الناس والحكماء، الذين يمثلون الواسطة بين الطرفين، وينتمون إلى عامة الناس. ولذلك لا نبرّئ التفسير من طبيعة العلاقة بين المرسل والمرسل إليه واسترتيجية الخطاب في الحكاية، خاصة أنّ السلطان عاقب المفسِّر الأول والمفسِّر الثاني، وبالتالي كان على المفسِّر الثالث أنْ يعتبر من تجربة المفسرَيْن السابقين، ويغيّر لغة خطابه، دون أن يفقد ه رسالته، وإنما عليه أنْ يقدمها بصورة ملتوية. وبمعنى آخر، أنْ يأخذ بعين الاهتمام طبيعة المرسل إليه، والمسافة التواصلية بينهما، وما يريده السلطان من الرعية. هل يريد منها تجريده من امتيازاته؟ والنظر إليه بعين بشرية واقعية، إذ تخلصه من نصفه الإلهي؟ وفي المقابل، ما هو المطلوب من الرعية؟ هل يجوز لها أن تراه في إطار الصيرورة التاريخية، دون تقديس أو تمييز أو استثناء؟ 
بناء عليه يمكن القول: إنَّ المفسِّرَيْن الأولَيْن لم ينتبها إلى السياق التخاطبي، ولذلك تمّتْ معاقبتهما. وعلى عكسهما، فقد انتبه المفسر الثالث إلى السياق التخاطبي، ففاز بالهدايا والأعطيات. والموقفان يولّدان السؤال التداولي الآتي، في علاقة المثقف بالسلطة؛ هل على المثقف مداراة السلطة ومراوغتها إلى أن تفقد امتيازاتها، أم عليه مواجهتها بقباحتها، ويتحمل مسؤولية جرأته؟ ويحيل ذلك في التراث العربي إلى الآداب السلطانية، حيث يتمّ الحديث عن آداب مخاطبة السلاطين، ولكنَّ ما تَمَّ تدوينه فيها لا يبتعد عن سلطة السلطان، ورؤيته، وتعزيز هيمنته؛ ولذلك لا يمكن الركون إلى وصايا تلك الآداب.
ولكن السياق التخاطبي يبقى مهيمناً على الحكاية، بغضّ النظر عن الوصايا الواردة في الآداب السلطانية، و مرجعيّتها السياسية، فهو مَن يحدّد القراءة المستورة في خطاب الحكاية؛ لأنّ المرسل يبحث في خطابه عن وظيفة رسالته، بطرق شتّى وأساليب تعبيرية مختلفة، والمرسل إليه أيضاً يمارس سلطته على خطاب المرسِل، وشكل خطابه.
وفي الحكاية مرسِل خارج نصي ومرسلان داخليان، المرسِل الخارجي هو الراوي الخارجي للسرد، القاص الشعبي، الذي وجّه خطاب الحكاية باتجاه المفارقة في أسلوب التعبير بين المفسّرَيْن، ليدين، من جهة ـ بشكل غير مباشرـ البلاغة الفجَّة التي مثلها المفسِّر الأول، ويغمز من ذكاءـ بشكل غير مباشر أيضاًـ السلطان، بغضّ النظر عن المرسل إليه. وعلى ذلك التوجّه تلقاها الوعي الشعبي والمفسرون الدينيون. والمرسلان الداخليان هما المفسِّران: المعاقَب والمكافَأ؛ المعاقَب الذي لم يأخذ بعين الاهتمام السياق التخاطبي؛ أي كان مارقاً على توصيات الآداب السلطانية وواجه السلطة بقباحتها، ولذلك تمت معاقبته. والمكافأ، كان متماثلا مع وصايا الآداب السلطانية، وتحدث مع السلطان بلغة مراوغة بثّتْ الفرح في نفس السلطان، ونمَّتْ عن فهمه للسياق التخاطبي، والعمل على الأخذ به.
المرسَل إليه هو المتلقي خارج نصي، أي القارئ عبر الصيرورة التاريخية للحكي، فيتدخل في تأويل خطاب الحكاية، وفق ترهينه الزماني، ووفق موسوعته المعرفية؛ وعليه يتم تداول خطاب الحكاية وفق ما يراه منسجماً مع لحظته التداولية في الزمان والمكان المناسبين للخطاب، وصور تأويله؛ ولذلك تتمحور الحكاية مرّة في النص الشفوي، ومرّة في أساليب التعبير اللغوي، ومرّة في بلاغة الخطاب، ومرّة في مواجهة السلطة، ومرّة في مراوغتها.
ولكنّ، في النص أيضاً، مرسلاً إليه يعمل داخل النص، ويعدّ جزءاً من وحداته الشخوصية، يتمثل بالسلطان؛ فهو من يتلقى التفسيرَيْن، ولعلاقته التخاطبية مع المفسِّر الأثر الأكبر في توجيه خطاب التفسير عند المفسّرَيْن: المعاقَب والمكافَأ. فسلطته، هي التي حدّدتْ موقف المفسرَيْن في اختيار أساليب التعبير عن فحوى الرؤيا؛ المعاقب دخل مع سلطته في حالة حرب؛ فجرده في تفسيره من نصفه الإلهي المقدس، حين واجهه بخضوعه لجنسه البشري، ورفضَ مراوغته والتعامل مع حلمه بلطف، يقارب المهادنة والمدح والتبجيل، على حساب المواجهة بالواقعة. و المكافَأ، تماهى مع سلطته، وأعطاه الديمومة على أهله، وأبرز له صيغ التفضيل، وإن كانت وهما،ً ولكنها لغة غير مواجِهة، ولا تقوم على التعرية والكشف، وإن كان خطابها المستور يقوم على إهانة السلطان؛ فاللغة المراوغة تشير بشكل خفيّ إلى غباء المتلقي، وإن كان ذلك المتلقي ممن يُخشى جانبه، تصبح التقيّة وسيلة إدانة ونجاة، في الوقت نفسه.
وبذلك يلتفي المعاقَب والمكافَأ، في جوهر التفسيرين، عند الدلالة ذاتها؛ ولكنّ كلّاً منهما عبّر عنها بطريقة وعيه للمرسل إليه، واعتبارات السياق التخاطبي؛ ولكي لا نَسأل عن صور التفضيل بينهما، يكفي أنْ نذكّر بأن المرسل إليه في التفسيرَيْن هو السلطان؛ والسلطان في أدب الأحلام هو الله تعالى، ورؤيته راضياً دالة على رضاه، ورؤيته عابساً تدل على إظهار صاحب الرؤيا أمراً يرجع إلى فساد الدين، ورؤيته ساخطاً دليل على سخط الله تعالى ( تفسير الأحلام لابن سيرين ” السلاطين والملوك ” ) ولو كان المرسَل إليه، لا يمتلك سلطة أو حظوة، لاختلف السياق التخاطبي، واختلفت معه مكونات الخطاب التعبيرية؛ ولذلك يمكن القول : إنّ السياق التخاطبي يتحكم في التفسير، وفي بلاغة التعبير، وفي مبادرة صاحب الرؤيا، وفي توجيهه ـ بشكل غير مباشرـ من المفسِّر ومرسِل الخطاب خارج نصي، أيضاً؛ ففي عهد المأمون(ت 218 هـ ) أي بعد موت ابن سيرين (ت 110 هـ) بفترة طويلة، كان الناس يتحدثون عن إسهامات له في تفسير أحلام الخليفة؛ أي أن الوعي الشعبي ألغى زمن الوجود الفعلي لصاحبها. ومن ذلك؛ الزعم القائل بأن المأمون رأى في المنام «أرسطو» ينبهه بأهمية التراث اليوناني؛ فاستعان الخليفة بتفسير ابن سيرين لرؤياه، فدلّه الى أن الفلسفة اليونانية سيعاد إحياؤها، وعلى هذا الأساس، تُرجم على عهده، ليس فقط كتب المعلم الأول، بل، أهم كتاب في تفسير الأحلام “تعبير الرؤيا” لأطميدورس . وبذلك تماهى التفسير، في توجيه السلطان، مع حلم المثقف الفاعل من جهة، ومع تبجيل السلطان ومدحه، من جهة ثانية، ومع تفسير الوعي الشعبي للتاريخ ورؤى السلاطين في الحكاية الشفوية، من جهة ثالثة.
وعليه، فإنّ السياق التخاطبي، يمكن أن يكون ناشطاً في تحديد مسارات القراءة، والخطابات المرادة من ورائها، خاصة حين تكون السلطة إحدى مكونات الخطاب، فلذلك أثر كبير في المرسِل وشكل خطابه ووظيفته وبلاغته، وأثره التداولي المقصود.
__________
*كاتب سوري

شاهد أيضاً

الفيلسوف آلان دونو: لقد آلت السلطة إلى الأقل كفاءة

 خاص – ثقافات *ترجمة : سعيد بوخليط تقديم : على مستوى السياسة،كما الشأن بالنسبة للمقاولات،فقد سيطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *