الرئيسية / فكر / ما بين جورج طرابيشي وأدونيس

ما بين جورج طرابيشي وأدونيس


*موسى برهومة


رحل جورج طرابيشي، وترك وراءه إرثاً معرفياً وأخلاقياً. وأما الإرث المعرفي، فهو مبثوثٌ فوق رفوف المكتبات، وبين أضلع التاريخ. وأما الإرث الأخلاقي، وهو الأهم، فيتمثل في إعادة النظر في موقفه من ثورة شعبه ضد الطغيان والإبادة.
رحل، وهو مطمئن البال، خالٍ من الأدران، ونقيّ السريرة تجاه واحدة من أعظم الثورات في الزمن المعاصر، وأيضاً ضد ديكتاتور من أشد الهمجيين ضآلة وتوحشاً في التاريخ.
كان طرابيشي، كشأن أدونيس ونزيه أبو عفش وسواهما من المثقفين السوريين، يشعر بحيرة تجاه الثورات العربية، وعبّر عن تلك الحيرة بمقالات قليلة عكست توجسه، وأفصحت عن عدم تأييده ثورات الربيع العربي بعامة، وثورة الشعب السوري ضد زعيمه الطاغية على نحو خاص. لكنّه لم يجرّم الثورة أبداً، كما فعل أدونيس، وعلى نحو أشد ضراوة أبو عفش.
كتب جورج طرابيشي في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 مقالة بعنوان “سورية: النظام من الإصلاح إلى الإلغاء” راح يقول فيها: “..وفي ما يتعلق بالنظام السوري تحديداً، فإن أقل ما هو مطالَب به مرحلياً، تمهيداً لإصلاح نفسه، أي إلغاء نفسه بنفسه في خاتمة المطاف، هو إقرار التعددية السياسية والحزبية التي تقتضي، أول ما تقتضي، إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على قيادية حزب البعث للدولة، وإطلاق حرية الإعلام في زمن غدت فيه هذه الحرية، بفضل الثورة الإنترنتية، هي المقياس والضمانة لكل حرية أخرى. وأخيراً، وليس آخراً بطبيعة الحال، إلغاء جميع مظاهر عبادة الشخصية، وإزالة الصور والتماثيل والشعارات من الشوارع والساحات العامة، وحصر وجود صور رئيس الجمهورية بالمؤسسات الحكومية، على أن تكون متواضعة الحجم وقابلة للتغيير مع انتهاء ولاية كل رئيس طبقاً لما سينص عليه الدستور بخصوص تجديد الولايات والتداول الدوري للسلطة”.
وأضاف صاحب “المثقفون العرب والتراث”: “وحرصاً على تداول سلمي وديموقراطي للسلطة يجنّب سورية، المتعددة قومياً ودينياً وطائفياً، مَهلكة الحرب الأهلية – وربما التقسيم – فإنّ الدور الذي ينتظر الرئيس الأسد، الذي يقال لنا إنه كان سبّاقاً منذ توليه السلطة إلى رفع شعار الإصلاح، هو أن يجمع في شخصه، بالإحالة إلى تجربة النظام السوفياتي على الأقل، بين غورباتشوف ويلتسن معاً، ليجعل من إصلاح النظام مقدمة لإلغائه”.
ولكن، وبعد خمس سنوات، اعترف طرابيشي بخطأ الرؤية، ومضى يراجع خطابه ويصوّبه: “إن إصراري يومئذ كان على قدر من التفاؤل، من خلال مطالبة النظام بإلغاء نفسه تفادياً لحرب أهلية طائفية مدمرة، وأعترف أنه تفاؤل كان في غير محله، إذ ما كنت أعي في حينه، أي في الأسابيع الأولى لاندلاع الانتفاضة السورية، دور العامل الخارجي إعلاماً وتمويلاً وتسليحاً، وهو الدور الذي يدفع اليوم الشعب السوري بجميع طوائفه ثمنه دماً وموتاً ودماراً غير مسبوق إلا هولاكياً، وهذا في ظروف إقليمية وأممية تشهد احتداماً في الصراع الطائفي السني/ الشيعي ينذر بأن يكون تكراراً للصراع الطائفي الكاثوليكي/البروتستانتي البالغ الشراسة الذي كانت شهدته أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر”.
هذه الفضيلة “الطرابيشية” هي، في الأحوال الطبيعية، إحدى أهم سمات المثقف الحقيقي والطليعي؛ فالمثقف الذي لا يراجع تصوّراته ويتراجع عنها إن ثبت عقمها وعدم سدادها، هو مثقف خشبي، محنّط، وهو يشبه ذلك الأيديولوجي المتزمت الذي لا يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه مهما عتقت وعصفت بها رياح التغيير.
بيْد أنّ أدونيس، وهو أحد ألمع رموز التغيير والتحديث والتمرّد في الفكر العربي المعاصر، فقد جاءت الثورة السورية، والربيع العربي برمته، من أجل منح خطابه “الثوري” مشروعيته، ومن أجل أن يختبر أفكاره، ويؤكد أنّ ما نظّر إليه طوال نصف قرن قد تجلّت ملامحه، وأينعت ثماره، فأشرقت شمس الحرية على أرض الأفكار.
لكنّ “مهيار الدمشقي” عاند حركة التاريخ، فراح يتنصّل من الثورة السورية، متوارياً خلف ذرائع غير مقنعة فسّرها بعضهم بانتماءات طائفية، كونه علويَّ المذهب، في حين راح من يعتبر أن عين أدونيس على “نوبل” جعلته لا يرى حدثاً سواها، مع أن تأييد الثورات لا يتعارض مع “نوبل” بل لربما يكون، في الأحوال الطبيعية وغير المفتعلة، حافزاً لنيلها!
أما أدونيس، صاحب الإرث الحفري المعرفي “الشاقولي” بحسب تسميته، الذي خوّض في حقول الشعر والنقد والتفكير والفلسفة، فكانت نظرته للثورات العربية، وبخاصة السورية، “مفرغة من العلمنة، وهي مشحونة بالنفس الديني” لأنّ “الثورة التي تخرج من الجوامع ليست بثورة”.
أدونيس يعتقد، في معرض دفوعاته عن موقفه المناوئ للثورة السورية، أنّ العنف الذي شاب الثورة السورية كان سبباً في معارضته للحراك، فهو، كما تذكر وسائل إعلام “ضد أي تحرك يقوم على الدين، ويتحدى رموز الثورة أن يتحدثوا بكلمة واحدة عن العلمنة وقضايا المرأة وإشكاليات المفاهيم الدينية ذات الامتداد لتسيير الواقع وتحري آليات تدبير الناس في حال سقط النظام”.
وكان حجم الغضب ضد أدونيس بسبب موقفه هذا كبيراً ومتسعاً؛ فهذه هي اللحظة التاريخية التي كان يمكن لأدونيس أن يتحوّل فيها إلى أيقونة، لكنّه تسربل بموقف “خجول” على غير عادته، لا سيما وأنّه كان مجّد الثورة الخمينية التي لا نظن أنها خرجت من الحانات، بل من المساجد!
وربما كان كلام المفكر السوري، وأحد أبرز رموز “ربيع دمشق”، صادق جلال العظم أكثر تجلية لموقف أدونيس، فالعظم قال في معرض رده على سؤال عن رأيه في مواقف أدونيس من الثورة السورية، على هامش محاضرة ألقاها العظم بدعوة من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية: “في هذه اللحظات المفصلية من تاريخ سوريا استفاقت (شيعية) أدونيس، وذلك راجع إلى مرحلته الخمينية مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، واستمرار موقفه حتى فترة تسعينيات القرن الماضي، كما ظهر في قضية سلمان رشدي الذي حكم عليه الخميني بالإعدام (تلفزيونياً) وحينها لم ينطق أدونيس ببنت شفة دفاعا عن حرية الكاتب وحقه في الحياة والاستمرار في الكتابة، على الرغم من أن قضية رشدي سيطرت ثقافياً على عقد التسعينيات”.
العظم، الذي اعتبر أنّ موقف أدونيس من الثورة السورية استمرار لمواقفه في مرحلته الخمينية، أضاف: “عندما بدأت الحرية تقترب من سوريا، وسوريا تقترب من الحرية، وعندما اقتربت سوريا من التغيير، والتغيير اقترب من سوريا، أخذ خطاب أدونيس يتلعثم ويتأتأ ويفأفأ، وبدلاً من أن يكون خطاباً واضحاً وصريحاً، أخذ شكل: نعم، ولكن أو نعم وإنما.. وكان يوزّع نصائحه على الطرفين في سوريا، وكأنّ طرف الشعب الثائر يساوي الطرف العسكري المضطهد.. أي المساواة بين الجلاد والضحية”.
وبعيداً عن ذلك، وقريباً منه في الوقت نفسه، يتذكر الكثيرون، ولا بأس من تذكير من نسي منهم، ما جرى أثناء “ملتقى غرناطة” عام 1995، حين أطلق أدونيس تصريحاته الصادمة، قائلاً إن “إسرائيل تنتمي إلى المنطقة”، مطالباً “بجعلها جزءاً عضوياً من الشرق الأوسط”!
ومثل هذا الموقف التطبيعي مع العدو التاريخي للعرب والإنسانية، يقتضي على فداحته، موقفاً على الضد منه وبالقوة ذاتها، ينتسب إلى فضاء المشترك الذي ظل أدونيس يبحث عنه: العدالة والحرية والكرامة والديمقراطية. فهل التطبيع مع العدو الصهيوني مباح، والتطبيع مع الثورة السورية حرام وفعل إجرامي؟!
أدونيس الذي تخطى الخامسة والثمانين من عمره، ونرجو له المزيد، ما يزال مصرّاً على موقفه من الثورة؛ فقد شنّ ضدها هجوماً جديداً، معتبراً أنها كانت أكثر سوءاً مما ثارت عليه وقال إن “كتلة الشعب السوري الكتلة الحقيقة المتمثلة في المدن والمتمثلة في القوى الاقتصادية والفكرية والبشرية لم تشترك في الثورة عمقاً”.
وأضاف أدونيس في مقابلة صحافية: “أنا مع فكرة التغيير لأجل التحول، أنا مع المجتمع المتبدل والحي باستمرار، وأنا مبدئياً من أنصار فكر الثورة، لكن الثورة لها أخلاق، قيم، ولها أبعاد إنسانية، والثورة باستمرار يحب أن تكون أفضل من الأشياء التي تثور عليها. إنّ أول ما فاجأني في هذا الإطار، أنّ الثورة كانت أكثر سوءاً مما ثارت عليه، رغم أن ما ثارت عليه يجب أن يُثار عليه ولست ضد الثورة عليه إطلاقاً”.
وفي ضوء هذا العناد الأدونيسي، يغدو من الصعب أن نسأل: هل يفعلها أدونيس قبل أن يغمض عينيه نهائياً؛ فيعتذر من الشعب السوري، ويصوّب اتجاه بوصلته الروحية، ويتراجع عن مواقفه، أو يصحّحها، ويكفّ عن مخاطبة الأسد الصغير بـ “سيادة الرئيس”؟
أي سيادة يا سيد “مهيار الدمشقي”.. قل: يا سيادة الألم، يا سيادة الشقاء، يا سيادة الطغيان!!
________
*مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

الفيلسوف آلان دونو: لقد آلت السلطة إلى الأقل كفاءة

 خاص – ثقافات *ترجمة : سعيد بوخليط تقديم : على مستوى السياسة،كما الشأن بالنسبة للمقاولات،فقد سيطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *