الرئيسية / مقالات / حرّاس النوعيّة

حرّاس النوعيّة


*زليخة أبو ريشة


كنت وددتُ أن وزارة التربية والتعليم هي التي عقدت تلك الندوة المهمة التي تولاها أول من أمس المعهد الملكيّ للدراسات الدينيّة في عمان. بل هي، إلى أنها لم تعقدها، لم تفكر في حضورها برغم أنها كانت مدعوة للمشاركة بورقة، وهو استنكافٌ له دلالة عميقة في المعطيات الإصلاحية التي ننادي بها. والندوة كانت بعنوان “حوار الخبرات الإبداعيّة لتطوير المناهج المدرسيّة”، وقد شارك فيها من لبنان الأستاذ الدكتور أنطون طعمة والأستاذة الدكتورة سهام حرب، ومن الأردن الأستاذ حسني عايش والدكتور ذوقان عبيدات. وجميعهم خبراء في التربية، لهم باعٌ فيها ممارسة وتنظيراً. وقد قدّم كلٌّ من الضيفين اللبنانيين ورقةً عميقة وغنيّة عن تجربتهما كعضوين في فريقٍ من خمسة أشخاص (لا من أربعين كما عندنا) تصدَّوا لتأليف كتبٍ مدرسيّة قال عنها من عاينها، دراسة واستعمالاً، إنها غايةٌ في العصريّةِ والحداثة والأناقة والمنفعة.
وإذا كانت وزارة التربية لا تريد الاشتراك مع من ينتقدُ منهجها الصوريّ في الإصلاح، على منبرٍ واحدٍ، ولا تريد الحوار أصلاً مع هؤلاء النقّاد من أهل الاختصاص، فإنّ وجود اثنين من مجلس التربية هما الدكتور عبدالكريم الحياري والدكتور فايز الخصاونة، سيعكسُ وجهة نظر الوزارة في كل ما طالب به الخبراءُ والكتابُ ممن درسَ وتابعَ وانتقد.. أن لا تحلموا بالتغيير!
فبالإضافة إلى أن الدكتور الخصاونة اعتبر كتاباتنا في الصحف من باب “المماحكات”، وهي استهانةٌ غير لائقة بأصحاب رؤى وكتابٍ مكرّسين، وتماثل ما وصفَنا به السيد الوزير من أننا هواة (!)، فإنه عبّر بالفم الواضح عن استحالة تدريب المعلمين، كأولويّة في العمليّة الإصلاحيّة، لأنّه مُكلفٌ ماديّاً.. بمعنى آخر: لا إصلاح!
من جهته، فإن الدكتور الحياري، وهو الشخص الثاني الذي نجد اسمه على كتب اللغة العربيّة المدرسيّة جميعها، قد اعترف ضمنياً بصواب ما أثير من نقدٍ لهذه الكتب، لكنّه قال: “غيروا المجتمع حتى نستطيع تغيير المناهج”. وهو رأيٌ خطير يعكس فلسفة الوزارة التي تتظاهر بالإصلاح ولا إصلاح! فكيف سيحدث التغيير في المجتمع يا وزارة التربية، من دون أن يتحوّل وجودكِ بكل تفاصيله إلى بوتقةِ إصلاح؟ هل يمكن أن يتغيّر المجتمع إيجابياً من دون أن يتغلغل العاملُ الإيجابيّ في بِنية التربية؟ وإذا أردنا إبداعاً في حركة المجتمع، الذي نراه يتزحلقُ بسرعةٍ رهيبةٍ على منزلقات التخلّفِ والعنف والداعشيّة، فكيف يكون ذلك والنظام التربويّ يقوم على التلقين وإلغاء العقل والترهيب. 
إنّ عبارةً عبقريّة وردت في ورقة الدكتور أنطون طعمة المتميّزة حول شريحة في المجتمع عليها أن تراقب نوعيّة التّعليم وتحرسها “حُراس النوعية” تجعلني أذكّر كلّ من يهمّه الأمر أنّ النقد الذي نسلّطه، نحن حراسَ النوعيّة، على التربية هدفُه التطلع إلى مستقبل للأجيال وللوطن، محصَّنٍ من العنف ويؤمنُ بالسلام والتآلف واحترام حقوق الإنسان وبالإبداع والحريات جميعها.
سيتحقّق الأملُ بإزاحة هذا الركام من الأفكار والممارسات والوسوسات والفلسفات التي قوامها العجز والاستهتار!
___
*الغد

شاهد أيضاً

هل وقع احتلال محمود درويش بعد موته؟

عبدالدائم السلامي  –  يحفل تاريخُ الثقافات البشرية بحالات كثيرة انصبَّ فيها جهد بعض تلك الثقافات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *