الرئيسية / فكر / عن الزهد والزهّاد/تمارين التخلّي.. ترويض الجسد

عن الزهد والزهّاد/تمارين التخلّي.. ترويض الجسد



*إبراهيم الملا


يتجلّى الزهد بإحدى معانيه الكبرى في مسمّى: (الإعراض) كمدلول يتجاوز اللفظ والمفردة والمجاز، ويتعالق عضويا مع الفعل الاختياري الشاقّ، ومع الطقس التطهّري المنهك، وصولا إلى الكمالات الروحية والنشوات السماوية الفردوسية، وينحو الزاهد إلى ترك الفائض والزائد، والقبض على الأصل الخالص، وهو جهد يتحقق بانفصال الزاهد عن فكرة التملّك والاستحواذ لما هو فوق الحاجة البسيطة للعيش والطاقة والحركة، وهو انفصال تحقّقه المكابدة، ويوسّعه الهجر، ويروّضه الصبر والنكران، والتخلّي عن كل ما هو جسدي وأرضي ومُدَنّس.
تعمل آليات (الزهد) في الاتجاه المضادّ للنزوع البشري المغالي والمتطلّب والشره، وهو نزوع شائع وطاغ على ممارسات الجموع والعامة، بما يشتمل عليه هذا النزوع من ترف وتلذذ حسّي ظاهري. تنطلق ممارسات الزاهد من (غائية) تتعارض وغايات هذه الجموع الثملة بنشوات مؤقتة، لا تدانيها ولا تجاريها النشوات الدائمة والعميقة المستورة وراء حجب ومكامن وظلمات، يسعى الزاهد لقطف ثمارها في ذلك الجانب الغائر والمحلّ السحيق.
يشير المدلول اللفظي لفعل (زهِدَ) إلى احتقار الشيء، أو التَّحرُّج منه، وترك الرغبة الملّحة والجامحة مخافة الانصياع لها والخضوع لوساوسها وإملاءاتها، ومن هنا فإن الزاهد يسعى لامتلاك الحرية من جانبها الأصعب قياداً والأكثر وعورة، فهو المرتحل دوما في درب الآلام، والقاطع وحيدا لوديان موحشة وأراض جرداء، لا ظلّ بها ولا ماء ولا زاد، وكأنه المقيم في زحام العزلة، وصخب الهدأة، وكأنه الصارخ في البرية والهائم فيها، بحثاً عن لمعة المكاشفات،، وبرق الرؤيا، ولذة العرفان، ومذاق السرّ الأكبر والاسم الأعظم.
الزهد والتصوف
يقول الباحث المغربي إبراهيم الورّاق في مقال له بعنوان: «جذور التصوّف»: «درج كثير من الباحثين على اعتبار التصوف ثمرة من ثمار الزهد، وهو استنتاج غير دقيق عندي، لأن التصوف عبارة عن الرياضات الروحية، والمجاهدات النفسية، والزهد يحصل بالاستنكاف عن الملذات، والإعراض عن زخرف الحياة، وقد يكون هذا ناتجاً عن خلل فكري، أو عن عقدة نفسية، أو عن غير ذلك، كما نلاحظ في كثير ممن اعتزلوا الحياة ليس من باب الزهد، وإنما لخلل في رغباتهم وغرائزهم ونفسيتهم، بينما التصوف، لا بد له من عيار التجربة والاختبار، حتى يصل الإنسان إلى نتائجه التي منها عدم الاغترار بملذات الدنيا».
وموافقة قول «الورّاق» يتطلّب وضع حد قاطع وشرط مانع يفصل بين الزهد والتصوف، وهو أمر لا يمكن تعميمه بالمطلق، فالرياضات الجسدية والمجاهدات النفسية، ليست حكراً على المتصوفة وحدهم، وهي ليست في مجال تقييد وإلزام وتصنيف كي تكون لصيقة بفئة دون غيرها أو معبرة عنها حصراً وتحديداً، كما أن العقد النفسية والاختلالات الفكرية لم يسلم منها شطر ملحوظ من المتصوفة أنفسهم، فهي عقد واختلالات لا يمكن ربطها بالزهاد كصفات غالبة عليهم وموصولة بهم، فالمشتركات والتماثلات بين الزهد والتصوف هي الأوضح سمة والأشدّ تعالقاً مقارنة بالتباينات والاختلافات المرتبطة بالتوصيف اللفظي وحده، وهو توصيف مهما بلغ من الدقة والمجاراة، لا شك عاجز عن إدراك جوهر التجربة الباطنية ومسالكها الخافية والعصيّة على الوصف.
ويذكر «الورّاق» في ذات المقال، وبإشارة إلى مظاهر التصوف الإسلامي، أن الصوفية يؤدون فرائضهم وسننهم من دون تقديم لجانب على جانب، ولا لمهم على أهم، وغيرهم قد يشاطرونهم في ذلك، وربما يزيدون في الاعتداد بظاهر العمل، كما قال النبي «صلى الله عليه وسلم» في الخوارج: {يحقر أحدكم صلاته أمام صلاتهم}، لكن يختلفون معهم في نية العمل وقصيدته، فالأداء بالحب، ليس هو الأداء بالامتثال!، واتهام النفس بالتقصير، ليس هو الرضا عنها، وممارسة العمل بالوجدان ليس هو العمل بالجوارح، فما أبعد المنهجين!.
ويضيف (الورّاق): «وجماع أمرهم أي متصوّفة المسلمين أنهم اصطحبوا النية وصدق التوجه والإرادة في جميع أعمالهم فتحولت السنن عندهم إلى واجبات يلتزمونها إلا نادراً تعمداً (لئلا يقعوا في فرضية ذلك على أنفسهم) واستطاعوا بهذا المنهج أن يكوِّنوا لديهم ملكة لازمة يحركها الحب، والإخلاص».
زهد تاريخي
إن الشكل الطقوسي أو الشعائري الذي يورده (الورّاق) هنا لتمييز التصوف عن غيره من الاتجاهات والفرق والمذاهب الإسلامية، رغم التقاطعات الظاهرة مع شعائر وممارسات الخوارج، وبغض النظر عن الفوارق الشاسعة بين المتصوفة والخوارج والتي تظل مثل الطود العازل بين نهر جار، وغابة مشتعلة، أو بين صفاء الروح ولوثة التشدد بتوابعه التكفيرية الإقصائية للمختلفين عن هذا الفكر الخوارجي الضيق، إلا أن الجذر العميق للزهد في التاريخ البشري والمستقل أحياناً حتى عن الديانات السماوية وتعاليمها المشجعة على هذا الفعل التطهري والعرفاني، هو جذر يمتد إلى تأملات الكائن الأول والقديم، الذي وصفه علماء الأنثروبولوجيا بال: «هومو سابيناس» وقبلهم: ال «هومو إريكتوس» أو «أشباه البشر»، هذا إذا وضعنا في الحسبان الرواية المشهورة في الأدبيات الصوفية والتي ترى أنه وقبل ظهور آدم، كان هناك ألف ألف آدم، أي مليون من أشباه البشر، رغم أن إيراد هذا الرقم ليس إحصائياً بل هو أقرب إلى صيغة المبالغة حيث إن هؤلاء البشر القدامى لم يتلقوا أي خبرة دينية سماوية، بل شغلوا الأرض وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، قبل هبوط آدم الإنسان الواعي إلى «موطن البلاء والاختبار»!.
عمل البشر الأوائل على تطوير ملكاتهم التأملية انطلاقا من الحسّ التجريدي غير المفسر وسط التدفقات الهائلة من الصور المدهشة والمتسارعة والمرعبة أيضا للطبيعة المحيطة بهم، فكانت هذه التأملات ضرباً من الفتوحات الذهنية المبكرة والمشمولة بالحدس الميتافيزيقي المبهم، رغم قصور هذه التأملات وتشوشها.
وكانت هذه التمارين الذهنية والممارسات الطقوسية المفضية إلى الزهد شائعة حتى لدى الوثنيين، حيث كان الفيلسوف فورفوريوس المنتمي للمدرسة الأفلاطونية يشجع أحد أصدقائه الرومان على مرافقته للذهاب عراة من دون رداء إلى مدرج الألعاب الرياضية ليتنافسا في أولمبياد الروح!، اعتماداً على فكرة التعفف والتدريب الصارم في الزهد اليوناني، وما يتضمنه مع حمية الطعام أو الصوم، والتعفف الجنسي وتجريد الذهن من الهموم والانفعالات، واعتزال الأمور المادية الفانية، انطلاقاً من تعريف أفلاطون للجسد بأنه الملبس الذي ترتديه الروح، وكي تتلاءم قياسات المظهر مع قياسات الجوهر، فلابد من تقديم تنازلات وتضحيات تعارض شهوتي الشهرة والثراء، وهذه التضحيات تتمثل في القناعة والتقشف وبساطة العيش.
ورع قديم
في كتاب المؤلف ريتشارد فين بعنوان: «الزهد في العالم الإغريقي الروماني»، تفاصيل مدهشة حول هذه الممارسات القديمة الباحثة عن التوازن بين متطلبات الجسد القلق، وبين اشتياقات النفس المطمئنة، فمن مظاهر هذه الممارسات أن أتباع فيثاغورس كانوا يسعون لاتخاذ أكثر المناطق عزلة كأماكن يعيشون فيها، أو أنهم سكنوا المعابد داخل المدن، حيث يتجنبون العمل التجاري الدنيوي، وكان بعض الزهاد في تلك الفترة يمتنع عن تناول اللحوم، واتباع نظام غذائي نباتي للوصول إلى حالة النقاء والورع.
ولم تكن هذه الممارسات اليونانية منفصلة عن تأثيرات كهنة مصر القديمة في ممارستهم البساطة وكبح الشهوات وضبط النفس والجلَد وتطبيقهم العدالة في كل شيء وغياب الجشع لديهم، كما لم تنفصل هذه الممارسات عن شعائر السريانيين والبراهمة في رفضهم للملكية الخاصة واتباعهم لنظام غذائي صارم وتجنب شرب النبيذ، وغيرها من الممارسات المعنية بتخليص النفس من الشوائب والشرور المترتبة على الخضوع لإغواءات الخارج، المؤقتة والزائفة.
وكان المعلم (كراتس) يجول مع تلميذه (زينون) في الأماكن العامة والمقدسة بمدينة أثينا كي يكسر تلميذه حاجز الخجل، وكي يحتكّ بالصعاب الجسدية والفقر الطوعي وإنكار التقاليد والأعراف السائدة وصولا إلى التحرر الداخلي و(السلام التام)، وكان يقول لأغنياء أثينا: «رغم أننا لا نملك أي شيء، فإننا نمتلك كل شيء، وبالرغم من أنكم لديكم كل شيء، فإنكم لا تملكون في الواقع شيئا، بسبب التنافس بينكم والغيرة والخوف والغرور».
ومن هنا ظهرت الفلسفة «الكلبية» التي أسس لها ديوجينيس الذي اختار أن يعيش متسولاً ومشرداً، ينام على الأرصفة، كي يتحمل كفيلسوف حر ومستقل كل البلايا والازدراءات من العامة والمجتمع، وبالتالي التخلص من تبعات التفاخر والغرور والوهم.
ذهب ذاتي وفريد
وترى الباحثة سوزانا إيلم في كتابها: « عذارى الرب» أن الزهد هو أشبه بحقل أو مجال يقوم على أفكار أفلاطونية رواقية مميزة، يتحول من خلالها المتعبّد إلى إناء للإرادة الإلهية، وبهذه الطريقة يتمكن من الاتصال بالذات الإلهية من خلال شكل من أشكال الاتحاد الصوفي.
ويتقاطع هذا التوصيف الذي ذكرته (إيلم) مع زهد المسيحيين الأوائل ويكشف عن توجه كثيف لتطوير وصياغة مذهب ذاتي وفريد لطقوس الزهاد بعد اندثار الحضارتين الإغريقية والرومانية، ففي كتاب (راعي هرماس) الذي لقي احتراما واسعا في روما، ووسط إيطاليا، وبلاد الغال، وشمال أفريقيا في أواخر القرن الثاني، نجد هذا التوجيه الواضح نحو الصلاة والصيام والتصدق بالأموال الزائدة للفقراء، كنوع من التفعيل العملي لمضامين الزهد في المجتمع المسيحي، وكان الهدف من الصيام تحديدا تعويد المسيحي على المشقة، وتقوية عزيمته في حالات السجن والاضطهاد والاستشهاد، بينما اتخذ بعض الزهاد الصوم كوسيلة للعبور إلى عالم الرؤى والتأملات السماوية والانتشاء الروحي والتكفير عن الندم والبحث عن المغفرة.
أولمبياد الروح
كان الفيلسوف فورفوريوس وصديقه يذهبان عراة إلى مدرج الألعاب الرياضية ليتنافسا في أولمبياد الروح!، اعتمادا على فكرة التعفف والتدريب الصارم في الزهد اليوناني، وما يتضمنه مع حمية الطعام أو الصوم، والتعفف الجنسي وتجريد الذهن من الهموم والانفعالات، واعتزال الأمور المادية الفانية، انطلاقاً من تعريف أفلاطون للجسد بأنه الملبس الذي ترتديه الروح، وكي تتلاءم قياسات المظهر مع قياسات الجوهر، فلابد من تقديم تنازلات وتضحيات تعارض شهوتي الشهرة والثراء، وهذه التضحيات تتمثل في القناعة والتقشف وبساطة العيش.
________
* المصدر: الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

الفيلسوف آلان دونو: لقد آلت السلطة إلى الأقل كفاءة

 خاص – ثقافات *ترجمة : سعيد بوخليط تقديم : على مستوى السياسة،كما الشأن بالنسبة للمقاولات،فقد سيطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *