الرئيسية / إضاءات / روائح الذاكرة

روائح الذاكرة


لنا عبد الرحمن

“مثلك أنا،
أحب الحب والحياة ورائحة الأشياء الطيبة” 
روك دالون- شاعر سلفادوري


* * *
الرائحة كهف بعيد في الذاكرة نحمله معنا أينما كنا، بصمة الأشياء والأشخاص في داخلنا، لا يوجد مكان من دون رائحة، كما لا يوجد شخص من دون رائحة، وإن وجد ستكون مأساته مُشابهة لمأساة “غريغوري” بطل رواية “العطر”.

تحكي أمي عن إحدى جداتي أنها كانت طبيبة أعشاب، وأنها كانت تصنع مزيجاً من الورد والأعشاب العطرية، لتدلك به جسد الطفل خلال الأيام الثلاثة الأولى بعد ولادته، وتترك المزيج على جسده برهة من الوقت، والغرض من هذا أن لا يصدر عن جسده رائحة تعرُّق مُنفرة. 

علمياً، يمكن للروائح أن تُحدث تغيُّرات جسمية جذرية تماماً دون وعي منا بذلك، حيث تؤثر الرائحة على أمزجتنا وتقلبها من حال إلى حال، وإلا ما كان هناك طرق علاجية تقوم على استخدام الزيوت العطرية في علاج بعض الاضطرابات النفسية، ولعل هذا ما يبرّر الشعور بالهدوء بعد تنشق رائحة اللافندر، وبالمسرة مع هبوب نسمات أريج الورد الأحمر. تدفعنا بعض الروائح للبكاء تُثير فينا ذكريات آسية، حيث يذكرنا عطر ما بمكان ابتعدنا عنه أو بفقدان شخص عزيز، فالحنين هو الذي يفرض حضور روائح مُعيّنة على ذاكرتنا، مُنبهاً للرائحة المفقودة التي تستيقظ أو تغفو في داخلنا حسب رغبتنا في استعادتها أو نفيها إلى أعماقنا القصية.

وإذا كان بيت فرون في كتابه “الرائحة” يرى: “أن حاسة الشم هي حاسة مُصممة من أجل سعادتنا ورفاهنا، وشديدة الانغماس في حياتنا الانفعالية والعاطفية”، فإن هذه الحاسة ربما تكون من أكثر الحواس تضليلاً لأنها قائمة على الخيال، فالرائحة ليست مشهداً بصرياً مرئياً يمكن تأمله، ولا صوت مسموع يمكن التحاور بشأنه، بل إن ردة الفعل على تلقي رائحة ما قد تختلف من شخص إلى آخر اختلافاً تاماً، بحيث ينفر شخص ما من رائحة مُعيّنة، ويتقبّلها غيره بشكل طبيعي، فالشم حاسة لصيقة بطبيعة الذاكرة وطريقة الحياة، هذا يقودنا إلى تحليل العلاقة مع الرائحة المقزّزة والأماكن، إذ لو أخذنا نموذجاً لشخص يعمل في جمع القمامة أو يسكن في مكان عشوائي تنبعث منه رائحة كريهة غدت مألوفة بالنسبة له بسبب اعتياده عليها، يكون التساؤل هنا: ما مقياس الرائحة الكريهة بالنسبة له إذن؟. 

وضمن الحديث عن العلاقة بين الرائحة والمكان، سنجد أيضاً فروقات واضحة في طبيعة حاسة الشم بين سكان المدن وأهل الريف، وبين ساكن مدينة بحرية، وآخر يسكن في مدينة مُكتظة بالبشر تعبق فيها روائح عوادم السيارات وأتربة الشوارع، أو بين ساكن الصحراء الذي ألف رائحة مُعيّنة ترتبط بالبيئة الصحراوية. 

علاقة المكان بالرائحة تربط أيضاً بين نوع مُعيّن من الطعام وصلته بالأرض وبالوطن وبالمكان الذي هجرناه، أذكر إحدى الجارات التي تهجّرت من فلسطين أنها ظلت تربط رائحة الزعتر بقريتها التي رحلت عنها، وأن كل أنواع الزعتر لا تتفوّق على رائحة الزعتر التي عرفتها يوماً في أرضها.
* * *
تتصاعَد الروائح تدريجياً من مطبخ الأدب. 

لم يكرّس الأدب العربي حضوراً مُكثفاً لحاسة الشم كما نجد في الأدب الغربي، رواية “العطر” مثلاً لباتريك زوسكيند، أو رواية “مثل الماء للشوكولاتة” للورا إيسكيبيل، حيث تتصاعَد رائحة أبخرة الأطعمة المطهوة على مدار صفحات الرواية، هذه الرائحة التي تمتزج مع الحالات النفسية للبطلة التي تفتقد الحب، وتعوّض هذا الفقد بالانغماس بالطهو.

بعض الأعمال الأدبية العربية تحمل عناوين تشير إلى الرائحة بشكل مُباشر، على الرغم أنه ليس من الضروري أن تكون الرائحة المذكورة في العنوان ذات صلة مُباشرة لارتباط الرواية بدلالات الحواس، في رواية “تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم، يروي الكاتب قصة سجين سياسي وشعوره بالاغتراب، وهو يعود إلى الحياة المدنية بعد اثني عشر عاماً أمضاها في السجن، هنا تُجسّد “تلك الرائحة” تجربة الاعتقال، وعطن السجون ورائحة الماضي، وهواء الشارع بعد الحرية، ومزيج من الروائح التي تنبعث من الحالات أكثر مما تنبعث من الأشياء.

تبدأ إيزابيل الليندي روايتها ابنة الحظ بعبارة: “الناس كلهم يولدون ولديهم موهبة ما وإليزا سوميرز اكتشفت باكراً أن لديها اثنتين: حاسة شم جيدة، وذاكرة قوية”، هكذا على مدار الرواية يستمر حضور إليزا مُرتبطاً برائحة الفانيليا والسكر وماء الورد.
أما أروندتي روي في رواية “رب الأشياء الصغيرة”، فتصف رائحة بلدة “أيمينيم” في شهر مايو بأن الفواكه العذبة مثل المانجو والموز تتفجر؛ مما يجعل الجو مُفعماً برائحة الفاكهة، يتداخَل وصف النباتات والفاكهة وحرارة الجو لتشكّل مزيجاً من الروائح الخاصة التي تفوح من الرواية.

يجمع علاء الديب في روايته “زهر الليمون” بين رائحتين مُتناقضتين خلال سطر واحد؛ مما يتيح للمتلقي تفاعل مُخيلته مع السرد، يقول: “مازال يحب رائحة الملابس النظيفة، وتقتله رائحة العرق، سبقت أم يسري رائحة خبزها الطازج الذي تجلبه كل يوم من أطراف السوق”.

ينطوي وصف بعض الكُتَّاب لرائحة شيء ما على نوع من الدهشة، يكتشفه القارئ حين يتأمل في عبارة مثل: “كان المذياع الكبير يكتسب سخونة، وتفوح منه رائحة أشبه بمستحضر شعر منتن” ترد في رواية “البيت” للكاتبة الأميركية مارلين روبنسون، في حين تصف أليف شفق في “قواعد العشق الأربعون” رائحة كلبتها حين مرضت بأنها تشبه المطاط المحروق.

في روايته “العطر الفرنسي”، يتداخَل العطر مع فكرة الثقافة والهوية الاجتماعية، يحكي الكاتب أمير تاج السر عن الفتاة الفرنسية كاتيا كادولي التي ستأتي للسكن في حي “غائب”، يتخيّلها أحد الأبطال مع أوصاف عطرية قائلاً: “في حقائبها بعض الصندل ودهن العود، ثم عاد وتذكر عطراً كرنفالياً اسمه موج”، فيما يصف بطل آخر علاقته بالعطر بقوله: “كانت ثقافتي العطرية قد توقّفت منذ عهد بعيد، ولم تتجاوَز عطور الصاروخ والريفيدور، وعطر بنت السودان “.

يمجّد الطاهر بن جلون في رواية “تلك العتمة الباهرة” رائحة القهوة لأنها تثير شجن البطل حين يقول: “آه من رائحة القهوة الصباحية والخبز المحمص”. 

وفي الأدب نكتشف أن بعض الروائح تتكرّر في كثير من الروايات والقصائد الشعرية، وتبدو القهوة أكثر الروائح حضوراً في الشعر والرواية، فيما نشم رائحة اللوز والبرتقال والزعتر في قصائد محمود درويش.

كثيرة هي العناوين التي يختارها بعض الكُتَّاب وتحيل مُباشرة إلى رائحة ما، مثل:
“رائحة الجوافة” لماركيز، و”رائحة الورد وأنوف لا تشم” لإحسان عبد القدوس، و”رائحة الخبز” لأحمد الخميسي، و”رائحة القرفة” لسمر يزبك، و”حضن المسك” و”فانيليا” للطاهر الشرقاوي، و”حبة الهال” لبدرية البشر، وتتسع اللائحة لتضم أيضاً روائح الأماكن كما في رواية “رائحة البحر” لطالب الرفاعي، أو التخيلات كما في عنوان رواية دلع المفتي “رائحة التانغو”، فالتانغو هنا حركة لكن الكاتبة جعلت لتلك الحركة رائحة، كما أنها اعتمدت على حاسة الشم في الكثير من المواقف.

يمكن القول: إن الكتابة الجيدة تتميّز بحضور بارز للحواس، وفي الأدب بالتوازي مع المشهدية البصرية هناك المخيلة الشمية التي تستولي على مشاعر المتلقي، ويكون لها تفاعُلات مؤثرة على استقبال النص.من المؤكد أن نصاً يخلو من الرائحة هو نص ضعيف، لا يقدّم جواز سفر شمي تخيلي يتيح للقارئ أن يمضي بعيداً في النص، ويحفّز ذاكرته على تخزين روائح الأماكن والأشخاص والحكايات.
_________
* عن  الدوحة

شاهد أيضاً

وفاة الروائي الإسباني الشهير كارلوس زافون بعد صراع مع السرطان

ثقافات  – رحل عن عالمنا الروائي الإسباني، كارلوس رويز زافون، عن عمر يناهز 55 عاما، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *