الرئيسية / إضاءات / لماذا يكتب جيم هاريسون بصبر؟

لماذا يكتب جيم هاريسون بصبر؟


*جو فاسلر/ ترجمة: ميادة خليل

يقول الكاتب المخضرم أن شعر ثيودور رثكا هو تذكير بأننا: أحياناً نكون متحمسين وأحياناً أخرى لا. 

في عمر السادسة والسبعين, حاكى هاريسون كل نوع أدبي معروف في أمريكا. كتب 10 روايات, 17 مجموعة شعرية, مقالات كلاسيكية عن الغذاء والبرية, سيناريوهات لأفلام مميزة أبطالها جاك نيكلسون وكيفن كوستنر. بعض من أفضل أعماله, على ما أعتقد, كانت في نوع أدبي غير مشهور, القصة الطويلة ــ شكل أرتبط به بعد نجاح مجموعة من ثلاث قصص طويلة في 1979, “أساطير الخريف”.
المجموعة القصصية الجديدة لـهاريسون ــ الثامنة ــ تتميز بشخصية عادت ثانية في عمله منذ أكثر من 20 عاماً: براون دوغ, رجل ضخم صعب, مدمن على الكحول من شبه جزيرة شمالية في ميشيغان. قدمه لأول مرة في التسعينات في “The Woman Lit By Fireflies” ــ تتناول القصة حقيقة تعافي جسد زعيم هندي والاحتفاظ به بشكل مثالي في أعماق بحيرة سوبيريور ــ براون دوغ أصبح واحداً من شخصيات هاريسون الأكثر شهرة. هذه المجموعة تجمع خمس قصص طويلة لـبراون دوغ في مكان واحد لأول مرة, وتنتهي بقصة جديدة.
عندما سألته عن نصه الأدبي المفضل لديه, اختار هاريسون أبيات من قصيدة لــ ثيودور رثكا ليشاركنا رؤيته في الكتابة. طبيعته, مثل طبيعة بطل قصته, غير مثقف, همجي وعنصري. يوضح هاريسون سبب أنتظاره لسنوات قبل كتابة كلمة واحدة, وكيف يساعد الإيقاع على تحرير شخصياته. 
تحدث جيم هاريسون لي من بيته الشتوي في باتاغونيا, ولاية أريزونا حيث ينتظر البرد قبل أن يعود, في الربيع, الى ولاية مونتانا. 
************************
جيم هاريسون: قرأت لـثيودور رثكا في وقت مبكر من حياتي لأنه كان مثلي, من ولاية ميشيغان. عاش في بيت كبير ورثه من أبيه. كان تابع كبير ــ أو أحمق, إذا فهمت ما أعني. ربما كان ينبغي أن يستمر أكثر من ذلك.
بالنسبة لي, يُظهر عمل رثكا بوضوح قوة اللغة, خاصة من خلال سيطرته على الإيقاع. يمكنك أن تلاحظ بأن موهبته تكشف ما هو مفضل لدي, “عرفت أمرأة”:
عرفت أمرأة, جسدها رائع
عندما تنهدت العصافير الصغيرة, تنهدت لهن,
آه, عندما مشت, مشت في أكثر من طريق
الأشكال ممكن أن تحوي وعاء نور
لفضائلها يجب أن تتحدث لها الآلهة.
أو شاعر أنكليزي نشأ في اليونان.
(أحب أن أراهم يغنون في جوقة, جنباً الى جنب)
لماذا هذه الأبيات ظلت معي؟ لا أعرف. لا أحفظ القصائد عادة. ليست الأمر مثل طريقة الحفظ التي تعلمناها في المدارس, عندما حفظنا كيبلينغ “إذا”. أو أبيات أخرى من الشعر الركيك. “أغنية من هياواثا” لــ لونغفيلو. أنت تعرف ما أقصد:
قرب شواطئ غيتشا غامي*
قرب مياه البحر المشرقة
هناك كوخ لفوكوميس
إبنة القمر, فوكوميس.
قافية القصيدة يجب أن تُقرأ مثل النقر على صندوق. لكن الناس يعتقدون أن شعر لونغفيلو جيد لتعليم الأطفال اللغة الأنكليزية, حتى أن الناس يفرضون هذه القصيدة السخيفة على أطفالهم الى يومنا هذا. إغراء الشعر الجيد أكثر سحراً. يمكنني أن أتذكر عبارات كاملة من “عوليس” و”إستيقاظ فينغانز”, فقط لجمال أستخدام جويس للغة. نفس الشيء مع رثكا. تلك الأبيات تلتصق بنا لأسباب جمالية, مثلما تتذكر أغنية. أنت تسترجع موسيقاها في عقلك. كل هذا يحدث في عالم ماوراء التفكير. لماذا موزارت أفضل من الآخرين؟ لا يوجد سبب منطقي لذلك. وهذه الحقيقة تصح على الكتابة. بعض الناس يمتلكون الموهبة فقط. أستطيع أن أدرك هذه الميزة عندما أراها على الصفحة. أنت تعرف كيفية تشغيلها. هذه الموهبة فيها شيء من ما قاله ماثيو ارنولد: “الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش.” لكن ليس هناك جواب منطقي لهذا.
كيف أعرف أن كتاباتي تمتلك هذه الموسيقى؟ أخشى أن ذلك سيظل غامضاً. منطق الحس الجمالي لا يُعرّف نفسه. لم أرى نفسي أبداً عالم رياضيات. أذهب مع عقيدة “أحياناً متحمس وأحياناً اخرى لا” هذا ما أشعر به أحياناً ولكن لا أستطيع توضيحه. لا أعرف مع الرواية أن كانت ستكون جيدة أم لا حتى كتابة 50 صفحة. مع القصة الطويلة, يستغرق الأمر حوالي 20 صفحة إذا كنت بالفعل نشطاً.
روايتي الأولى “وولف” بدأت بصفحتين. كان قراراً تافهاً. أردت أن أثبت أن بأمكاني فعل ذلك. كنت كاتباً شاباً, متعطشاً للكتابة. لكني كنت متحمسا في ذلك اليوم, وشعرت بذلك. بالطبع, الحماس يتضاءل قليلاً بعد ذلك. لكن لا يذهب الحماس بعيداً جداً. هل تعرف؟
اقتربت من الشعر والنثر بشكل مختلف تماماً. هذا صعب لأني أكتب الشعر والنثر طوال الوقت. غالباً ما أبدأ يومي بكتابة قصيدة. ثم أتصارع مع أي نثر كتبته في ذلك الوقت. لا أفصلهما في ذهني. مجرد أن لدي طريقة مختلفة جذرياً للتعامل معهما.
الشعر تضرعٌ رائع. بينما النثر هو كل شيء عن الشخصيات. يتطلب الشعر الكثير من التركيز والتنقيح بينما النثر لايحتاج الى ذلك. كتبت “أساطير الخريف” في 9 أيام وعندما أعدت قراءتها, غيّرت كلمة واحدة فقط. لم يكن هناك أي عملية مراجعة. لا شيء. فكرت كثيراً في الشخصية التي تكتب كتاب كما تتبنى أسلوب. شعرت بالأرهاق بعد انتهائي منها, وشعرت بحاجة الى إجازة. لكن الكتاب قد أنتهى بالفعل. 
أفكر في رواياتي لوقت طويل قبل أن أبدأ في كتابتها ــ سنة أو أكثر, وأحياناً عدة سنوات. نصفي سويدي, والسويديون يميلون الى الكآبة. أجلس فقط للتفكير. الكثير من هذا يحدث أثناء المشي أو قيادتي السيارة. يستغرق الأمر معي وقتاً طويلاً, أقود السيارة بلا وجهة محددة فقط من أجل أن أُجرب وأرى أين هو عقلي. عادة, القصة تبدأ مع مجموعة من الصور. أقوم بكتابة بعض الملاحظات في يومياتي, لكن ليس كثيراً. غالباً, ليس أكثر من مجرد مخطط غامض. زخرفة, رسم بياني.
هكذا جاءت لي قصة “براون دوغ” ــ من صورة. زرت متحف السفن الغارقة في البحيرات العظمى في سولت سانت ماري, ميشيغان. لديهم صور الطباخ في مطبخ السفينة التي غرقت في التسعينات من القرن الثامن عشر. البحيرات تصل الى برودة بحيث أن الطباخ يبدو جسده سليماً تماماً وهو يطوف في المطبخ ــ ما عدا أن ليس لديه عينين. هكذا بدأت القصة.
بمجرد أن أبدأ, نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة. وعندما أبدأ الكتابة, يبدو كما لو أن اللغة هي من تقودني وليس الحبكة. الحبكة ممكن أن تكون مبالغة. ما أحرص عليه دائماً هو الإيقاع. عندما تمتلك إيقاع الشخصية تصبح كتابة الرواية مثل تأليف قطعة موسيقية. مثل تنفيذ الأوامر, عندما تتناغم أنت بالفعل مع إيقاع ذلك الصوت. 
لا يمكن الذهاب إليه. هو يأتي لك. عليك إيجاد صوت الشخصية. صوتي الشخصي يجب أن ينفصل عن الرواية. الروايات السيئة مليئة بالآراء, وتطفل الكاتب, في حين عليك أن تتركها الى شخصياتك. 
الخطر عندما لا تكتب بصيغة الشخص الأول على أنه شخصية الراوي, هو أن هناك الكثير جداً من الأغراء لأجل التباهي. والكثير من الكتّاب يفعلون ذلك. يجدون أن ما يفكرون به هو رسالة مهمة, ثم يستمرون في إطلاق النار عليها. 
أُحب ما قالته ديبورا تريسمان في صحيفة النيويوركر: “لابد أن يكون لديها قصة, لا يكفي أن تمتلك التأثير فقط.” يجب أن يكون هناك ما هو أكثر من التأثير. وهذا حقيقي. لا أحد يحب التباهي.
ولهذا, يجب أن تفكر مثل الشخصية, تتحدث معها. بُنية “وولف” نمت من الإيقاع أكثر من أي حس تقليدي للحبكة. في حالة رواية “دالفا” شعرت أن بأمكاني أن أحلم بالشخصية. كما لو أن لديك صوت آخر في دماغك بينما أنت تكتب. وهذا شعور رائع. ولا يحدث دائماً.
المصدر: The Atlantic
• غيتشا غامي: وهو الاسم الذي اختاره الشاعر الأمريكي هنري وودزوورث لونغفلو في قصيدته ” أغنية من هياواثا” للأشارة الى بحيرة سوبيريور وهي من أكبر البحيرات العظمى الخمس في أمريكا الشمالية. 
________
*العالم الجديد

شاهد أيضاً

أمركة جائزة «بوكر» تخيف الناشرين البريطانيين

*مصطفى زين يكثر في الأدبيات العربية التخوف من «الغزو الثقافي الأميركي». وإذا كان هذا الأمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *