الرئيسية / قراءات / قراءة في قصيدة “ندور مع اللون أنى استدار”

قراءة في قصيدة “ندور مع اللون أنى استدار”


*ضحى عبدالرؤوف المل

* القصيدة من ديوان للشاعر شوقي بزيع عن « حسن جوني»

__
تتبلور اللغة الشعرية في المعنى والمبنى الذي يجمع بين جودة السبك والتناسب المعنوي المؤدي الى ترابط الصور المتخيلة لتشكيل فني يؤدي دوره في منح الصورة الشعرية صفة دائرية ذات طواف لوني يساير انفعالاتنا المتأثرة«من سديم الصور» لتؤلف لحظة الاشباع الايقاعي ما» تخالطه في مربع احلامه «لنتهادى بين زواياه الشعرية المتنقلة من دائرية الى زوايا مربع ذات» أوجه للحقيقة محمومة الانخطاف» متسللا بذلك في عمق الالوان النارية ما بين الاحمر والاسود، والقدرة على تشكيل ذي وجهين تتفوق عليه القصيدة لترسم ضمن المعنى والمبنى المعفي من الاشكال الا « سوى ما تريه البصيرة» وفي هذا تجل يعتمد على عناصر ايقاعية تتبلور من خلاله رؤيته التشكيلية التي يبثها اشراقة اللون وجمالية الصورة وبلاغة الوصف» فقد تتنكر صحراء عريانة / في التفاف الوجوه/على نفسها/وقد يتزيا شتاء قديم/بريش عصافير ذائبة. 
« واذ يشرق اللون في قلبه أولا»حصر « شوقي بزيع» صفة الأشراق في القلب . اذ إن الألوان ترتبط بميول العاطفة، والقدرة على السرد الموزون في لوحات « حسن جوني» التي تحاكي الإنسان والطبيعة، وهذا ما جعله « يتشمم أحلام يقظته» إذ ان الأحلام تنشأ في لوحات « حسن جوني» القصصية التي تروي الحلم البصري بمختلف ألوانه، فتناسق الصورة الشعرية مع الصورة الفنية لالوان « حسن جوني» توازي بنغماتها نغمة كل لون في اعمال» حسن جوني» التشكيلية ، وربما تتفوق عليها تعبيريا ، وهذا ما يحاول الشاعر بزيع خلقه عبر قصيدته التشكيلية . هو بمثابة اثبات مقدرة اللغة الشعرية في ابراز المضمون التشكيلي المزدوج والمتماثل مع اللوحة.
احتفظ « شوقي بزيع» في هذه القصيدة بما وراء الخطوط من توأمة مهارات برزت « مع ضربات التداعي» وفي هذا ابراز موسيقي متناغم مع ضربات الريشة ، واللفظ البصري الممشوق بيانيا. اذ يلمس القارىء تشكيلا مزدوجا ان من ناحية الاسلوب المتناسق مع اللوحة والكلمة مع الايحاء بقوة المعنى، وتفوقه الشعري جماليا دون ان ينسى روحانية الفن بمجمله دون تخصيص لنوع معين، فما بين شجوها وشهقة الافتتان، وما بين علو وانخفاض نغمة منمنمة اكملها « شوقي بزيع « على ورقة بيضاء، واكملها « حسن جوني» على قماشة لوحة « في ألق الهندسة» وفي هذا بلاغة تشكيلية «، ومن حيث لا أحد يتوقع» ، وكأنه يقدم قراءة تشكيلية، ولكن بلغة قصيدة محبوكة بديعيا ذات ابعاد رؤيوية يحددها بالصعود الى منتهى اللون او اللانهائية المفتوحة فضاءاتها على كل التفسيرات او التحليلات. ليوازن ايحائيا بين الشجرة المحسوسة بصريا عند النظر اليها من فوق ، وبين طقطقة النسغ تحت التراب، فالجمال لا يتناقض مع ما هو تحت التراب او ما بين الحيوات الحسية التي يشعر بها الفنان والشاعر على سواء
تعج القصيدة بحيوية الاخضرار الفواح، والاصفر هو الباكي الوحيد « على جنة من ذهب». بينما ترك اللون الاحمر سراً حيث « برق الدم الباطني» وحيث حصر هذا اللون بالنظر. بينما ترك العمق البصري في الألوان الأخرى ، وفي هذا استنكار يضفي لغة نقدية حيث تتشبع لوحات « حسن جوني» في غالبها بالاحمر « الذي تتمزق اعراسه تحت نصل القمر» وهذا من جماليات التشكيل الشعري او من جمالية القراءة الفنية التشكيلية ، المتميزة بنقد مبسط واعجازي في آن .
يحاول الشاعر « شوقي بزيع « تدوير زوايا اللوحة. لمنحها بركته الشعرية، فتتسرب الى عروقها متعة تأملها من قبل الشاعر الذي يشق عزلتها بحثا عن الضوء في اللوحة المشمسة، فهل يقصد المالئة بتصويرات تعكس بضوئياتها الاطراف من جانبي اللوحة؟ ام الالوان المشرقة في لوحات واقعية يحاكي فيها « حسن جوني» الانسان والطبيعة ، والحالات المتشابهة بينهما من حزن وفرح وما الى ذلك. الا ان كل ذلك لم يشفع من قراءة مضمونية تتمثل في الفرح النافق، والصباح المهشم وحسرة الجسد الانثوي « كيما ترفرف اوهامنا كالطيور «، ليحاول الابتعاد عن المضمون التصويري بمضمون تشبيهي او تشكيلي ينبثق من رحم اللوحة. لينمو مع المعاني وفق تدرجات شبيهة بتدرجات اللون ، وباستدارة تهدهد الاحلام التي جعلته يتمنى نزع اللثام عن الوجوه الغامضة في لوحات» تتميز بالحنين الى ما مضى» لنسأل كما يسأل شوقي بزيع صديقه « أين يكمن سر العذوبة.»
تتماثل اللغة الشعرية مع المعاني التشكيلية ليضع « شوقي بزيع» الذهن امام كفتي ميزان» كي تستفيق البراءة من نومها المضطرب» فالحنين الى طفولة عاشها ضمن الاجواء الواقعية التي يرسمها « حسن جوني» وفق انطباعات التقط مشاهدها من القرى اللبنانية التي يفتقدها بزيع مع جوني « فوق صدوع الطفولات، وفي الطفولات بطولات ، جعلته يتساءل عن سر العذوبة، ويقدم الاحتمالات اهي في الشكل ؟ام في الموسيقى؟ بينما في الحقيقة هو يحاول الاستدارة مع التشكيل الفني « تحت وهج الخطوط العنيف» اذ حقق له الفنان التشكيلي « حسن جوني» لذة المنافسة الفنية بين قصيدة تشكيلية او قصيدة بصرية يتحدى بها ذاته بموضوعية يقدمها لمن يستطيع رؤية استدارة القصيدة الشبيهة باشتداد العصب والتوق الى الكمال.
يوازن الشاعر « شوقي بزيع» بين التلقي الشفوي، والتلقي البصري ، وبين السمع والبصر، والحواس الادراكية الأوسع من ان نفسرها بالكلام. لأن الفواصل الفنية في لوحات « حسن جوني» ربطها بتضمين الصورة الشعرية الحسية الفواصل الفنية ذات النغمات التي قفلها وفتحها تبعا لجمال يتلألأ ريان، وهنا يعود للصورة المالئة بالضوء الانعكاسي في لوحات جمعها في قصيدة، كعباد الشمس تستدير مع ضوء الشمس او الرائي للوحات « حسن جوني» ومع القارىء لقصيدة « شوقي بزيع»
« ندور مع اللون انى استدار»
_____________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

“الرجيف” للنوايسة: طقسٌ روائيٌّ مغايرٌ يلوذ بالإشارات والرموز

خاص- ثقافات محمد جميل خضر* من غير الشائع أن يلج قارئٌ ما إلى روايةٍ ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *