الرئيسية / مقالات / الثقافة الغائبة

الثقافة الغائبة


عناية جابر


عندما تنهار الأنظمة السياسية وتنهار معها أنظمة الأفكار التي حملتها، عندما يكفر الشباب بحاضرهم وينزلون الى الساحات العامة بلا قنديل، عندما تعجز الانتخابات عن إعادة الاستقرار والضوء، عندما تتعاظم الفوضى إلى حد يجعل التفكك والغموض حالة غير مرئية لا يبقى غير الثقافة لتنير لنا الطريق.
تسلّينا إن لم تنر. لكن أن تغيب كلياً أو أن تحضر من وقت لآخر، لتذكرنا بها وبوجودها وحسب، فمسألة ملفتة للغاية. صارت الثقافة تحضر بعد الخضّات الكبرى لتقول لنا كم هي متفاجئة، مثلنا، من ضخامة الحدث ومن توقيته.
صارت الثقافة تلحق بالأحداث وتتعب فتغيب لفترة ثم تعود مع كل هبّة ترى فيها أملاً جديداً. الناس بحاجة إلى أنوار الثقافة فيما الثقافة نتظر أنوار الناس. الكل يفتش عن الكل. قيل الكثير عن الثقافة التي تواكب عادة أو تسبق التحولات التاريخية الكبرى وتعلن نذرها وآفاقها ورؤاها من قبل أن تحصل على الأرض. لكن أن تتأخر الثقافة في بلادنا حتى عن اللحاق بالحدث الكبير فكيف يمكن تفسيره ؟ العيب في الثقافة أم في الواقع الذي على الثقافة أن تواكبه أو تهجس به ؟ 
التحديات التي تواجه شعوبنا متعددة بدون ادنى شك. ثمة تحديات سياسية واقتصادية وثقافية وجغرافية ووجودية تنتظر من يتناولها. فهل من المعقول ان يتوقف ‘العقل العربي’ عن الإنتاج في عز الموسم؟ هل يعقل أن يبتعد المثقفون عن إنتاج فكر التحولات المحلي ؟ كيف يمكن لهم، في ظل كل المطلوب هذا، أن يستمروا مثلا في تحمّل أن تقوم الصحافة الأجنبية بإطلاق إسم ‘الربيع العربي’ على ما يجري حولهم وهم يكتفون بالتفرج منشدهين؟ 
من الطبيعي، يقول البعض، أن تعاني الثقافة العربية من شح في إنتاجها الحيوي طالما لا وجود للإنتاج الإقتصادي الفعلي في أنماط معاش الناس. طالما ان المجتمع، العمران البشري، يكتفي بما تدره نعم السماء وبواطن الأرض من ثروات. وما دامت هذه الثروات كافية لكي تؤمن الحاجات الأساسية للعيش لدى أغلبية سكان هذه البوادي فمن العبث أن تشعر الثقافة بالإستفزاز الفكري. لكن في ذلك مبالغة قوية دون شك. فإذا كان من الصحيح أن أنماط العيش ريعية وتعتمد بالأساس على ما تمنحه الطبيعة من أسباب العيش بدون عمل منتج، فالصحيح ايضاً أن هذه الريوع، كما توزع اليوم، لم تعد كافية لتسد رمق ملايين الشباب العاطلين من العمل، أبناء الثورة الديمغرافية الأخيرة.
أيا تكن أدوار هذا الطرف أم ذاك، سواء في الإقليم أم في العالم، في الانتفاضات التي بدأت منذ ثلاث سنوات في عالمنا العربي، فإن الأكيد أن هناك اختناقات ما تعتمل في مجتمعنا قد دفعت الشباب بأعداد هائلة للنزول الى الساحات العامة والمشاركة بالتعبير عن السخط أقله. ودور الثقافة هنا أن تعكس الصورة بطريقة الثقافة. الثقافة دورها أن تقول الاختناق على الأقل وهو اختناقات متعددة. قول الاختناقات تشخيص لها. تشخيصها باب لرؤى جديدة تُطْلع نمط العيش من سباته العميق. رؤى تدل الشباب على الإمكان التاريخي. رؤى تتطلع إلى تجنيب الشباب الطرق المسدودة والشعارات المعلّبة في مصانع المستبد الخارجي الذي ينهب ثرواتنا منذ ما يزيد عن القرن.
على الثقافة العربية أن تنخرط ربما في محيطها ومناخها المحليّين. عليها ربما أن تقطع مع عادة سيئة تملّكتها في العقود الأخيرة. فزمن الغرق والتوحد بفكر الآخرين قد ولّى إلى غير رجعة. اقتباس تاريخ الغير لا يقدم ولا يؤخر. اقتباس الحلول التي وجدها الغير لتاريخه لا يقدم ولا يؤخر في تاريخ بلادنا الخاص ككل تاريخ. والدليل كل ما يجري في بلادنا حالياً من انقسامات عامودية تهدد الوجود لا الأنظمة فقط كما ظن بعضنا. لا يكفي ان نعجب بنماذج التطور الغربي لكي تصبح هذه النماذج قابلة للتطبيق في مجتمعاتنا التي تقف على رصيف آخر وفي محطة مختلفة وفي درجة مغايرة لدرجة تطور المجتمعات الغربية.
آن ربما آوان الثقافة العربية أن تنتج نصها الخاص. كل الثقافات الحيّة قامت بهذا الجهد العظيم لكي تبقي لمجتمعاتها حظ البقاء بين الأمم المتصارعة المتنافسة. والنص الخاص ليس بالضرورة قطيعة معرفية مع تاريخ الفكر والثقافة في العالم. بل هو نص يحتاج إلى كافة إنجازات البشرية في كل مكان لكي يجدلها بما يتيح له توطين المعرفة وإنتاج معرفته الخاصة. فليس من سبب يدعونا إلى الاتكال على وعي الآخرين طالما أن عالم اليوم يتميّز بالصراع على الوجود ومصالح إمبراطوريات العصر. 
ليس من سبب يدعونا إلى الاطمئنان إلى مستقبلنا في عالم يشهد صعود امبراطوريات كبرى وأفول أخرى كانت هائلة القوة حتى الأمس القريب. ليس ما يدعو إلى الاطمئنان في عالم يحاول كل طرف فيه أن يقوي وجوده على حساب الغير. فليس من مصلحة أحد بالعالم اليوم أن يكون نصيراً لنا ولوجودنا. ليس من سبب يدعونا إلى الإطمئنان في ظل التفتت الداخلي الحاصل. ليس من سبب يدعونا إلى الإطمئنان على بلاد ثقافتها لا تفعل غير استهلاك بضاعة الغير، هذا إذا لم تغط في نوم عميق. 
الثقافة التي اعتقدت لوهلة أن الاستبداد الشرقي هو العقبة الكأداء والوحيدة في وجه إطلاق الماكينة العربية ووجدت الحل بالديمقراطية وصندوق الانتخابات اصطدمت اليوم بسقوط المجتمع ككل ولم تسقط الأنظمة المستبدة بل تجددت. انقسم المجتمع على نفسه بدل ان يحرّر الماكينة. على هذه الثقافة أن تستعيد الموضوع المطروح وتعيد النظر فيه. أقل الواجب. على الثقافة أن تشتغل بالثقافة لا بالسياسة. على اصحابها التفكر في العمق لا التخطيط للوصول إلى الحكم. لا مثقفين سلاطين. الثقافة وُجدت لتعترض على السلاطين والسلطنة. حقيقة يعرفها التاريخ البشري منذ وجد. الثقافة وُجدت لتفكر مجتمعها، حضارته، لترهص بمستقبله، وتعمل على تغييره، لا لتحمل مفكريها إلى المناورات السياسية فتغطي وتبرّر.

* القدس العربي

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *