الرئيسية / العقل المفكر والإبداع

العقل المفكر والإبداع



سناء أبو شرار *

( ثقافات ) 

الكتاب : “cracking creativity”
” تكسير الإبداع أو تفتق الإبداع”
للكاتب مايكل ميكالكو 

يتحدث الكتاب عن التفكير الإبداعي ، كيف يصل المبدعون إلى الأفكار؟ ماذا يميز تفكير أديسون ، بيكاسو ، بيرنارد شو عن غيره من المبدعين؟
الجزء الأول من الكتاب يقدم طرق حول الكيفية التي ينظر المبدع من خلالها إلى المشكلة بطريقة غير تقليدية ، وأنه يسلك طرق لم يسلكها أحد من قبله . وجعل الفكرة مرئية عبر الإنتاج الفكري أو العملي.
الجزء الثاني من الكتاب يتحدث عن أن الشخص المبدع يفكر بما لا يفكر به شخص آخر ويقدم الكاتب عدة طرق وسائل للمبدع يستعملها لإيجاد حلول وأفكار جديدة:
_ التفكير بسلاسة وبإنتاجية وهي طريقة غير عادية لتحسين الإبداع .
_ عمل روابط جديدة وربط ما يصعب ربطه هو في صميم العمل الإبداعي ؛ الإبداع هو قابلية الربط بين شيئين مختلفين بطريقة غير عادية ورائعة ، الفنانون ومصممو الإعلانات التجارية عادةً ما يربطون بين الأشياء العادية بطريقة غير عادية.
_ البحث عن كلمات أخرى كوسيلة للعمل الإبداعي ، يقول الفيلسوف أرسطو: ” إذا استطاع الشخص أن يماثل بين منطقتين منفصلتين من الوجود وأن يجد رابطة بينهما فهذا الشخص بالتأكيد يكون موهوبا”.
_ إيجاد ما لا تبحث عنه ، وهو طريق الصدفة . تاريخ الإختراعات مليىء بالصدف التي قادت إلى نتائج باهرة ، عالم النفس سكينر يجسد هذه الفكرة بقوله:” حين تجد شيئا مثيرا للإهتمام أترك كل شيء حولك وأدرسه ، فالناس لديهم ملايين الصدف الرائعة التي توفر لهم رؤية بعيدة المدى ولكنهم لا يركزون على تجاربهم هذه ومن ثم يفقدون كثير من الفرص”.
_ إيقاظ الروح التعاونية لأن ذكاء الجماعة أوسع من ذكاء الفرد.
هذه هي الأفكار الرئيسية للكتاب ، ولكن الكتاب يحتوي ايضاً على تعريف للشخص المبدع ويصفه على الوجه التالي:
_ الفرق بين الشخص المبدع والشخص العادي أن المبدع يعرف ببساطة كيف يفكر بدلاً من أن يعرف ماذا يفكر.
_ المبدع لديه الوقت الكافي ليُنشئ مفاهيم جديدة، ويقول لنفسه أن كل شيء ممكن لأنه في عقله كل شيء ممكن.
_ المبدع ينظر للمشكلة بطريقة مختلفة عن أغلب الناس ، يربط بين الأفكار والصور بطرق متعددة.
_ المبدع يدرك جزيئات في العالم لا يراها أغلب الناس العاديين ويمكنه الربط بين هذه الجزيئات بطريقة لا يستطيعها الأشخاص العاديون ؛ كذلك يفكر بالمتناقضات بطريقة مختلفة عن الآخرين .
_ المبدع يُنتج لأن أفكاره فائضة ، وعقله يعمل دائما وهو مشغول بشكل مستمر ، ويفكر طوال الوقت 
كيف يمكن أن تكون مبدعا:
يمكن لأي منا أن يكون مبدعا وان يفكر كمخترع ، مثال بسيط : أنظر إلى الصور من حولك وفكر كيف يمكن لك أن تغيرها . يقول ماكس بلانك أب نظرية الكم : ” لابد للعالم أن يكون لديه خيال فكري نشيط” أينشتاين أيضاً كان واضحا بخصوص حقيقة أن نظرياته كانت “نتيجة الإختراع الحر للخيال”. إيزرا بوند قال : ” الإبداع هو القدرة على رؤية 10 اشياء بينما الشخص العادي لا يرى سوى شيء واحد فقط”.
هذا الكتاب قادني إلى البحث عن معلومات أخرى حول العقل المفكر أو المبدع أو العقل العادي الذي يمتاز بصفة التفكر والإبداع:
الشخص المفكر حسب تعريفه في قاموس اللغة الإنجليزية :
إنه الشخص الذي يتمتع بنشاط فكري ويطور تذوقه للأدب والفن ، شخص استعمل فكره ويقدر على إظهار قدره عقلية عالية الدرجة فكريا. استعمال الذكاء أكثر من المشاعر أو الغرائز ، انتصار العقلانية على الجزء الحيواني من عقل الانسان. شخص يمرن عقله للوصول إلى قرار.
بينما مجلة “هيلث آند هيلينع ” الإلكترونية عرفته بما يلي:
العقل المفكر عكس العقل البدائي ، يركز على الحلول ولا يوجد لدى الحيوانات، حين يحيا الانسان معتمداً على عقله المفكر تدور الأشياء بنعومة بحياته ، يسيطر على واقعه ويتخذ القرارات المناسبة ويقبل الأشياء كما هي ثم يركز على إيجاد الحلول للمشاكل. العقل المفكر يركز على ما يريد وليس على ما لايريد ولديه القابلية للتفكير بوضوح وعمل تحليل جيد للوضع الذي يحياه.
وهو يختار أن يكون سعيدا ، وأن يستعمل الغضب حين لا توجد عدالة ، ولكن حين يوجد نسبة عالية من التوتر ويتراكم هذا التوتر نصل إلى نقطة بأن يتم إغلاق العقل المفكر ويسيطر العقل البدائي ، وتختلف درجة صعود العقل البدائي من شخص لآخر. للعودة إلى العقل المفكر نحتاج إلى الإنسحاب من العقل البدائي ويتم ذلك بإدراة مستويات التوتر ؛ بمعنى آخر ، لابد أن نتعلم كيف نهدأ وحين نهدأ نسترجع السيطرة ونُعيد ترتيب أولولية الأشياء من حولنا ؛ نبدأ بإعادة تخطيط حياتنا كما نريد . 
العلاقة بين العقل البدائي والعقل المفكر يمكن وصفها كعلاقة الأب بالابن ، العقل المفكر هو الأب و البدائي هو الابن ، الطفل يعلم متى يرمي أي شيء على الأرض ليحصل على ما يريد، وذلك يترافق مع شعور الأب بأنه لا يسيطر على الوضع ويعلم الطفل بذات الوقت بأن والده يقف عاجزا أمامه . العقل البدائي يعمل بنفس الطريقة ، يقذف الأشياء ليحصل على ما يريد ليسيطر على الوضع ، كلما ضعفنا كلما سيطر العقل البدائي ، ولكن الأب يستطيع استعادة السيطرة ويقول هذا يكفي ، وكلما فرض العقل المفكر نفسه كلما أصبح هذا الجزء من الدماغ أقوى ، بقدر ما يتم إدارة مستويات التوتر لدى الانسان بقدر ما يكون لديه القدرة على إحداث التغييرات التي يريد بحياته.
الإبداع والخيال يتواجدان في الجزء الأيمن من الدماغ ، بينما المنطق وحل المشاكل يتواجدان في الجزء الشمال من الدماغ ، بينما الكتاب يحتاجون إلى الجزئين معا ليتمكنوا من نسج قصة أو رواية جيدة ، الكاتب يحتاج لأن يُبدع ، أن يستعمل تعبيرات زاهية وشخصيات جذابة لتقديم عمل جيد، الحقيقة أن دماغ الكاتب عضو متفرد ، يعمل بطرق مختلفة ولكن كوحدة واحدة .
التعبير اللغوي هو تعبير لتبسيط شرح الفكرة ، بينما الإبداع هو عملية توسيع الفكرة ، حين يكون الشخص مبدعا يكون لديه طريقة ثلاثية الأبعاد ، يربط المفاهيم بطريقة غير خطية أو نمطية ويصل لمواضيع ثرية وعميقة انسانياً ومحفزة للنقاش ، حين ننغلق في طريقة تفكير خطية ونمطية نمنع العملية الإبداعية من التقدم بشكل منتج.
تخلص هذه الأبحاث وأبحاث أخرى إلى أن كل انسان لديه قدرة على الإبداع ، ولكن هل كل منا يدرك كيف يمكنه أن يكون مبدعا في مجالٍ ما ؟ وهل يمكن أن يكون الانسان مبدعا حتى بحياته الخاصة وبعلاقاته مع الآخرين ؟ أرقي أنواع الإبداع هو هذا الإبداع الانساني ، الوصول إلى انسجام مع الذات ومع الآخر . أما أي ابداع آخر فيعتمد على الخيال الحر، المعرفة الشمولية ، الفضول العلمي ، تقدير العلم والتواضع له وأخيراً الإصغاء لموهبة صامتة أو مدفونة ولا يمكن اكتشافها دون المعرفة العميقة للذات ولقدراتها.
ونحن في مجتمعنا العربي من أكثر المجتمعات تجاهلاً للإبداع، بل نكاد نشكك بقدراتنا وبقدرات من حولنا على الإبداع؛ حتى أطفالنا بأحيانٍ كثيرة يكونون ضحية لهذا التفكير الضحل بالقدرات الفردية والجماعية؛ لا نزال ننتظر رأي غربي أو من أي جنسية غير عربية ليقول لنا إن كان ما نقدمه عملا إبداعيا أو لا. العديد من المصورين والرسامين العرب لم يحصلوا على أية جوائز في العالم العربي، ثم حصدوا الجوائز حين توجهوا للعالم الغربي، الذي يقدر الموهبة والإبداع حتى ولو كان من جنسية غير جنسيته. حتى الجوائز الأدبية العربية تكاد تقتصر على شريحة معروفة من الكتاب لا يمكن تجاوزها إلا بمعجزة، فتتكرر اسماء نفس الكتاب مراراً وتكرراً كأنه لا يوجد عقول شابة مبدعة لها نظرة مستقبلية مختلفة. ثم تأتي الإختراعات العلمية التي تبدو مشلولة في العالم العربي، إما لنقص الموارد أو لعدم الإهتمام بها لدى الدول الثرية العربية. وكأن مواهبنا – وللأسف – تقتصر على الممثلات والراقصات وبطلات الكليبات. لا يمكن أن يستيقظ العقل العربي دون أن يعي قدراته الفكرية والعلمية والأدبية وأن يؤمن بهذه القدرات وأنه يستطيع حتى بأقل الإمكانيات أن يؤسس لحضارته الخاصة. فالدول الغربية واليابان لم يعرفوا نهضة انسانية ومادية وحضارية عميقة إلا بعد حروب طاحنة إستنفذت الموارد والقدرات. الإبداع لا يحتاج لأموال ولا لمناصب، يكفي أن يوجد عقل واحد يفكر ويصمم ثم يُنتج حتى ولو بقى مجهولاً طوال حياته، هذا هو الإبداع الحقيقي، أن تمنح مساحات لعقلك وشعورك ومعارفك وتنطلق بثقة وبآخر الطريق سوف ترى كم أنت مبدع وأنك تستطيع أن تمنح المزيد حتى ولو لم تحصد الجوائز، وحتى ولو لم تصفق لك يد واحدة؛ لقد خلق الله تعالى الانسان ليكون مبدعا، لأن إبداعه صورة من صور عظمة الله في الخلق لذا كانت عملية الإبداع بهذه الرفعة وبهذه القدسية. 

* روائية من الأردن

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *