الرئيسية / مقالات / نوال السعداوي.. خاطري لتكسبي

نوال السعداوي.. خاطري لتكسبي



* نادين البدير

قالت لي أستاذتي: خاطري بحياتك كي تكسبيها. أنا خاطرت فكسبت حيات ي.

كان ذلك في مكالمة صباحية قبل أيام مع الدكتورة نوال السعداوي. المفكرة الماجنة، مجون الثقافة ومجون الحرية.
كل مرة أحكي مع هذه الإنسانة يجيئني شعور بالصبا. أعود صغيرة جداً جداً. وأشعر بأن في جعبتي ملايين الأشياء لأقدمها للعالم.
ليس أروع من أن تبلغ السبعينيات ومازالت في قمة عطائها. تلك هي نوال.
دائما لديها جديد. لم أهاتفها يوماً وأجدها تكرر نفسها أمامي. لا تكرار في حياة نوال. فالحياة متجددة. والإبداع مهمة أساسية لدى الإنسان.
أخذت تروي لي حكاياتها ومشاريعها الجديدة. تتابع وتشرف على مكتبة تم تأسيسها في قريتها. تزهو فرحة ببنات القرية اللاتي تحولن إلى التعليم، والاهتمام بالكتاب.
جدول أعمالها لا ينتهي وحتى نهاية العام فكل يوم مقرر لها موعد فيه. ستدور العالم وتجوب البلدان داعية لتحرير بنات جنسها وتحقيق المساواة لهن.
نوال السعداوي الخارجة عن الملة، المرتدة.. كثيرة هى الألقاب التى أطلقها الجاهلون بالحرية، الذين لم يتمكنوا من مواكبة الحضارة ولا أفكار السعداوي لأنها كبيرة على مقاسات عقولهم الضيقة. فلم يجدوا بداً من مداراة جهلهم بإطلاق الألقاب عليها. في مقابل ألقاب أخرى أطلقها محبوها ومؤيدوها، فتلك رائدة الحركة النسوية، المدافعة رقم واحد عن المرأة، التي تخاطر بحياتها لكي تكسبها.
لن أنسى يوماً ذهبت فيه إلى بيتها الجميل في القاهرة لأتناول معها الإفطار. بيتها صغير وكبير في آن. جدرانه ملأتها الكتب. مرتب لا تمل من رؤية زواياه. تناولنا الإفطار في مطبخها المطل على مساحات واسعة من مدينتي المفضلة.
هناك أخبرتني كيف أنها لا تخاف العيش وحيدة، تكتب، تقرأ، تسير كما تشاء. أتخيلها تأتي لشقتها هاربة من صخب الحياة المحيط بها في كل مكان.
أخبرتنى كيف أن العزوبية من جديد شىء ولا أروع. والحرية من جديد مهما بلغ العمر شىء ولا أروع أيضاً.
هناك جلست على مكتبها الكبير تتحدث عن معاناة سيدات مع مجتمع متناقض، فيما رحت أتذكر أني لطالما تخيلت المكان الذى تكتب فيه تلك السيدة.
قبل سنوات حين تفاجأ بعض مجتمعى بكتاباتي كتبت بعض الصحف السعودية مانشيتاً عريضاً (نادين البدير. نوال السعداوى السعودية) بالنسبة للبعض كان ذلك تشبيهاً بداعية للحرية والتحرر وهو ضمن الفجور والفسق. وبالنسبة لي كان تاجاً لبسته أخيراً.
هذه المرأة التي عملت أستاذة لي ومعلمة منذ الصبا، وللحق فقد كانت معلمة مواظبة. لم ترنى إلا عندما كبرت وتشبعت بالتوق الحرية. قرأت لرجال وفلاسفة كتبوا عن قيم الحرية. لكن غالبيتهم لم تركز على حرية المرأة، حتى لتشعر كأن قيمة الحرية التي يقصدها كثيرون مخصصة للرجال فقط. أما قراءة كتب السعداوي فمدرسة لتعليم معنى أن تكون المرأة حرة. وحرة حقيقية.
في مكالمة صباحية قبل أيام. قالت لي: انت امرأة قوية.
فأجبتها: وماذا أكون أنا حين أقارن بك. أنت الأقوى.
ردت: على العكس. أريدك أن تكوني الأقوى، لأن تلميذاتي لو لم يكن أقوى مني، فذلك يعني أني لم أحقق شيئاً.
هذا أول درس لمعلم حقيقي.
_________
*المصري اليوم 

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *