الرئيسية / إضاءات / غرفة نيتشه تستقبل جماعة نهج السرد

غرفة نيتشه تستقبل جماعة نهج السرد


*ابتسام القشوري


( ثقافات ) 
يتقّدم مشروع نهج السرد مع كمال الرياحي بخطى ثابتة ومركّزة ليلتقى أعضاؤه ومحبي الادب فى لقاء جديد مع المختبر وغرف الإعلام التى سينطلق الكتّاب الناشئون من عوالمها لكتابة نصوصهم .
ولأن كل مشروع ناجح يحتاج إلى اضافة وتعديل فإن الكاتب كمال الرياحى رأى أنه من الأفضل أن تسبق حصة كتابة النصوص وإنتاجها ثم قراءتها ومناقشتها حصّة تمهيدية للتعريف بغرفة العلم المستلهم وإعطاء مفاتيح للكتاب لولوج هذه الغرف.
وقد عمد فى الحصة الاخيرة المخصصة للفيلسوف نيشه إلى استضافة الباحث عدنان الجدي وهو الباحث فى الجماليات والفلسفة الحديثة بالجامعة التونسية وأشرف على العديد من البحوث في فرنسا ولديه العديد من المؤلفات. 
وبدأ عدنان الجدي الحصة بالتطرق إلى كتاب طريف تحدّث فيهعن فكرة الغرف التى انتهجها كمال الرياحي، وهو كتاب للباحثة الفرنسية ميشال بيرو بعنوان “تاريخ الغرف “، وبما أن الغرفة هي المساحة المحاطة بأربعة جدران وهي مكان للراحة. للتعبد. للولادة .للموت. فقد خصصت الباحثة سنوات عديدة لدراسة هذا الموضوع التاريخي الاجتماعي والحميمي الذى يربط بعض الأعلام من ملوك ومفكرين بغرفهم، فتعرضت للغرفة الادبية حيث كان بعض الأدباء مثل سارتر وجورج ساند وبروست يحبذون الكتابة في غرف الفنادق وتعرضت في كتابها إلى توضيب الغرفة وتنظيم هذا الفضاء الحميمي حسب كل كاتب أو شخصية.
انطلق عدنان الجدي مع الفيديو الأول الذى يصور لنا غرفة نيشة، التي كتب فيها أشهر كتبه وهو “هكذا تحدّث زاردتشت”. الطاولة التي كتب عليها. السرير الذي ينام فيه. ومن الطقوس التي أكد عليها الباحث فى الحياة الحميمية لنيشة أنه لم يكن يكتب ليلا ،ولا يكتب بعد الأكل، ولا يبالغ في شرب النبيذ .وكان يحب العصير وأكل السمك وكان شغوفا بالمشي خاصة بين الجبال. وبما أن نيشه عرف بشكله الطريف وخاصة شواربه، وفى هذا المضمار أكد الجدي إن نيشه كان كثير الاهتمام بشكله خاصة فى مرحلة الشباب; فلماذا تلك الشوارب الغليظة؟. أكد الباحث انها على نمط شوارب النبلاء وأنها كانت علامة من علامات النبل والتميز وكانت هذه الشوارب الغليظة مصدر إغراء للعديد من النساء ولكن في آخر حياته وفى سنوات مرضه لم يعد نيشه يعتني بشواربه ولا بنفسه. ومن الطريف فى هدا الموضوع إن شوارب نيشه كانت موضوعا لاستلهامات عديدة ، إذ تطرق” توماس فيلكمان” من خلال” الرسائل والمحن” إالى هذا الموضوع وقرأ الجدي على الحاضرين نمودجا طريفا من هده الرسائل، كما قرأ في هذا الموضوع ماقاله نيشه عن الشوارب فى كتابه الفجر ومنها قوله :” إنّ الطف الرجال وأعدلهم يحتاج فقط إلى ارتداء شارب غليظ ويمكنه الجلوس بطريقة، أو باخرى فى ظل هذا الشارب ..ويرزخ خلفه فى سلام “
ثم تعرض الباحث لفترة عصيبة من حياة نيشه وهي الـ”عش” سنوات الأخيرة خلال مرضه، وهنا تعرض لحادثة أخذت دلالات كبيرة جدا من خلال النقاد والمفكرين، وهي حادثة الحصان ومفادها إن نيشه راى وهو خارج من فندق فى مدينة تورينو سنة 1899 حوذيا ينهال بالسوط على حصانه فاقترب نيشه من الحصان وأحاط برقبته مجهشا بالبكاء و ارتبطت هذه الحادثة بجنون نيشه وبداية مرضه العقلي، الا ان لها دلالات اخرى اكد عليها الجدي وهوان نيشه كان يهتم بالحيوي فى الحياة فلا يفرق بين الانسان والحيوان، فكما ان الانسان يتألم الحيوان يتألم أيضا فهو متعلق بفلسفته. 
الطريف مرة اخرى أن هذه الحادثة كانت محل استلهام ادبي وسينيمائي، إذ استغلها الكاتب المغربي عبد الفتاح كيلبيطو وعنون روايته ب”حصان نيشه” ،على ان هذا الاستغلال كانت وظيفية تنبيهية، إذ لا علاقة للرواية بنيشه وقد ذكره فى الرواية فى جملة واحدة ،الرواية تتحدث عن أزمة المثقف العربي.
اما سينيمائيا فحدثنا الجدي عن شريط” حصان تورينو” للمخرج المجرى” بيلا تار” وينطلق هذا الشريط من هذه الحادثة ليتساءل بطرافة عن مصير الحصان ويكرس هذا الشريط فقدان الامل فى الانسان وانعدام الامل منه فهو المسؤول عن استجلاب الكارثة الكبرى.
ثم عرض الجدي الشريط الثانى الذى يصور نيشه فى اواخر حياته برفقة اخته وكان ضعيف البنية غير قادر حتى على الحركة مؤكدا ان حياة نيشه كانت تنقسم الى ثلاث فترات كبيرة وهي مرحلة الشباب ثم مرحلة الانتاج والكتابة قبل العشر سنوات ثم فترة المرض والجنون غير ان هذه الحياة الصاخبة التى ميزت حياة نيشه وتفرده بهذه الفلسفة التى تنادى بهدم الاخلاق وبنقد الديانات ومنادتها بالانسان الارقى قد تأثر بها العديد المفكرين والادباء وكانت انظلاقة حقيقية للعديد منهم وقد ذكر فى هذا المستوى كتاب للفرنسي الكسندر ديلاكروا وكتابه” عندما كنت نيتشاويا “الدى تحدث فى كتابه عن تأثره العميق بفلسفة تيشه والتى حولته من مراهق هادئ وجاد الى مراهق يتساءل ومتمرد على الاخلاق السائدة وكان يترجم كل افكار نيشه الفلسفية خاصة فيما يتعلق بالموسيقى وبقدرته على اغواء النساء وهنا يؤكد الجدي ان نيشه كان يمارس الموسيقى ويعزف على البيانو ويؤلف ايضا وكانت له علاقات مع كبار فنانى عصره الا ان تلك الموسيقى لم تكن فى المستوى المطلوب
كما تعرض الجدي الى كتاب مهم جدا فى تاريخ الانسانية وهو كتاب” زوربا الاغريقى” للكاتب نيكوس كازاننتراكيس وتلك الرقصة المشهورة لزوربا التى يؤكد الباحث ان الكاتب استلهمها من كتاب نيشه هكذا تحدث زاردتشت ..
ثم استمر الجدي فى عرض حياة نيشه من خلال علاقته بالحب فالمحبة مقولة مسيحية لذلك كان يرفضها نيشه ولهذا لم تكن له علاقات حب مذكورة لكرهه للنساء رغم علاقته الوثيقة بأخته وأمه الذي كان يكرههما ولكن كل النقاد يجمعون على حبه وتعلقه الكبير بالجميلة “لوسالوماي” وهي كاتبة كثيرة الترحال وقصاصة وكاتبة مقال ومحللة نفسية، من عائلة ذات أصول روسية، اشتهرت بعلاقتها مع أبرز كتاب عصرها وهم نيشه وريكله وفرويد. وكانت محل إعجاب من الجميع، وهنا تعرض الجدي إلى عمل سينيمائي تحدث عن هذه الفترة وهو شريط” عندما بكى نيشه” وقدم لقطات من هذا الشريط الذى يسلط الضوء على فترة قصيرة من حياة نيشه قبل أن يصعد إلى جبال الألب ويكتب كتابه هكذا تحدث زاردتدشت ويتعرض الفيلم لعلاقته بالدكتور “جززيف برويز” والجميلة “لو سالوماي “
ثم ينتهى الجدي إلى كتاب مهم جدا وهو كتاب لـ”ميلان كونديرا “فى كتابه” كائن لا تحتمل خفته “الذى تأثر بفلسفة نيتشة وخاصة فى مسألة العود الأبدي، وقرأ جزءا منه وذكر أن ابرز الكتاب العرب المتأثرين بفلسفة نيتشه كان جبران بكتابه” النبي”،والروائي التونسي محمود المسعدي في روايته الشهيرة “حدث أبو هريرة قال ..”

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *