الرئيسية / قراءات / «اليوميات الكاملة لإبرهارت».. حمّى الرحيل

«اليوميات الكاملة لإبرهارت».. حمّى الرحيل


* عناية جابر

كتاب ضخم من جزءين، يضمّ بين دفتيه اليوميات الكاملة لإيزابيل إبرهارت، صادر حديثاً عن «منشورات الجمل» ترجمة عبد السلام المودني ومراجعة صالح الأشمر. «كتابات على الرمال» (نصوص وملاحظات ويوميات) هو حياة كاملة للكاتبة، المرأة والإبنة غير الشرعية، والإبنة المنفية التي كانت تسعى إلى الانتقام من اللعنات التي كانت تطاردها، والتي، في سن العشرين (1897) في أحد أيام شهر أيار، ركبت سفينة من مرسيليا مدفوعة بقوة لا تقاوم باتجاه السواحل الجزائرية. كانت إبرهارت حينها في سن العشرين، وكانت قد فارقت منذ مدة طويلة آداب اللياقة، ففي سبيل بحثها عن ذاتها كان عليها أن تتجرأ على حدود أخرى. في زيّ واسم مسافر عربي هو محمود السعدي، استهلكت إبرهارت قدرها. عاشت كل شيء، وخبرت الأماكن السيئة والمعابد، وهكذا فقد مرت عبر المواخير والمساجد ومن أعماق المدن المستعمرة إلى مستعمرات البدو بالصحراء، وانتقلت من مغامِرة إلى مُشرّدة، إلى تابعة لطائفة إسلامية، إلى ولية، إلى مراسلة حرب، إلى زاهدة ملهمة.

هذا الكتاب الضخم من جزءين، يتعلق بسعي مطلق، يقدم مثالاً على الغرابة دوماً، وهو أوسع من غرابة كاتب رحّالة، فالرحيل عند الكاتبة هدف بحدّ ذاته، تماماً مثل إغواء الأماكن البعيدة، ومثل البحث عن وطن. في رحيلها البالغ الغرابة، خطّت إبرهارت مئات الصفحات من الملاحظات والنصوص والقصص ورواية غير منتهية، تلك التي رفعتها إلى مصاف أولئك الكتّاب الذين يسوقون حياتهم بالمستوى نفسه لمتطلبات العمل. أن تصف، وأن تعبّر عما يعتبر غريباً بشكل جذري في الشرق، وفي هذه الحالة الإسلام، وأن تعيش ذلك لتلقى في النهاية حقيقتها الأولى فيه. تشرّد ونصوص ركبتها إيزابيل كملاحظات على شكل صورة تعكس ما عاشته منذ أن اختارت الغوص في الصحراء. يمتزج رابط النص الفعلي عند إيزابيل طويلاً بالطريق التي سلكتها. وصفحة بعد صفحة تستحوذ الطبيعة على الكاتبة وعلى القارئ على حد سواء. ومع ذلك فالغرائبية غائبة عن هذه الصفحات. فسحر الصحراء المرافق بنظرة إيزابيل إبرهارت كاف لخلق الأسطورة. وليس فلوبير وموباسان ولوتي ببعيدين عن الحمّى الشرقية، غير أن هذه المرتحلة الكبيرة تتفوق على أولئك الشهود اللامعين، ذلك أنها ترسّخ كتابة رحلاتها في قلب الميثولوجيا.
في تكملة للنصوص والملاحظات والرواية التي لم تنته في القسم الأول من الكتاب لإبرهارت، نقرأ في الجزء الثاني الذي لا يقل ضخامة عن الأول مجموع الأعمال المتخيلة للكاتبة، لأول مرة، حتى تلك التي لم يسبق نشرها، أي سبعاً وخمسين قصة، وأربعة مخططات روائية، وروايتها الوحيدة غير المنتهية للأسف «المتشرد». في أعمال إبرهارت التي نشرت في شكلها الأصلي وهُيّئت مثلما كانت تتمنى، نجد في القسم الثاني منها قصتها الأولى المعنونة «جهنمية» التي تشهد على «شبق قبري» غريب. وستستمر هذه الجرأة أو تكون سمة عامة تطبع أعمالها، جاعلة من الفلاحين والمساجين والمومسات والزُهاد والمجانين.. أبطال أعمالها. ولدت إيزابيل إبرهارت سنة 1877 في جنيف من أم متحدرة من الطبقة الأرستقراطية الروسية، ومن أب بهوية أثير حولها جدال كبير. وكان اكتشافها لأفريقيا وهي في سن العشرين قاسياً ونهائياً. توفيت سنة 1904 غرقاً في فيضان وادي صفرا، وعلى امتداد سبع سنوات سجلت كل يوم اكتشافاتها ووهجها وسرديتها، وغالباً باسم رجل ولباسه.
________
*( السفير)

شاهد أيضاً

الفلسفة والشعر… تاريخ من الحكمة والجنون

الجزائرية حبيبة محمدي تتناول اشتباكاتهما جمالياً عبر نيتشه   *داليا عاصم رغم أن الفلسفة بدأت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *