الرئيسية / قراءات / ‘التائهون’ يكشف عن البقع العمياء في المجتمع

‘التائهون’ يكشف عن البقع العمياء في المجتمع



*مروان ياسين الدليمي

اختار أمين معلوف، الكاتب اللبناني الأصل والفرنسي الجنسية، آليّة كتابة اليوميّات رهانا تقنيا أساسيا في بناء السياق العام لمخطوطته السردية “التائهون” الصادرة عن دار الفارابي ببيروت ونقلتها إلى العربية المترجمة نهلة بيضون.

وهذه اليوميات تمتد على مساحة زمنية محددة ومؤرخة بستة عشر يوما، تبدأ من 19 أبريل/ نيسان، وهو اليوم الذي سبق سفر آدم إلى لبنان قادما من باريس حتى يوم الجمعة 5 مايو/ أيار، أي قبل يوم واحد من فقدانه الذاكرة بعد انقلاب السيارة التي يستقلها في واد على طريق الجبل.
وقد لجأ معلوف في “التائهون” إلى مجموعة من التقنيات السردية منها استعمال ضمير الغائب بصيغة الماضي وتناوب السرد الذاتي مع الموضوعي، وهو ما ساعد على بناء سياق فني واضح للحكاية المسرودة، وجعل الحكي قائما حتى النهاية وفق ما أراده الكاتب.
آدم، المؤرخ والأستاذ الجامعي في مدينة باريس، حين خلد للنوم في الفراش يوم الخميس وإلى جانبه صديقته دولوريس لم يخطر بباله أن الطائرة ستقله في اليوم التالي إلى الوطن، بعد سنوات من الاغتراب الطوعي، لزيارة صديقه القديم مراد، فالكلمات المفحمة التي سمعها عبر الهاتف من تانيا زوجة مراد والتي عَرفَت أن تختارها “صديقك يُحتضر، ويريد أن يراك” جعلت دولوريس تقنعه بأنْ لا خيار أمامه سوى السفر. وليس بوسعه التخلي عن صديق الصبا.
• آدم يعود إلى التاريخ
يطير آدم على وجه السرعة لرؤية صديقه الذي كان قد أقسم مع نفسه قبل عدة أعوام على أن لا يكلمه بعد أن تحول مراد إلى واحد من أثرياء الحرب وتجارها، “لكن كل الأسباب لا تساوي شيئا حين تقترب ساعة المنون. ولو رفض الذهاب لرؤية صديقه على فراش الموت، فسينهشه الندم حتى آخر يوم في حياته”.
آدم ينتمي إلى “صنف من البشر لا يستطيع التفكير إلاّ وهو يكتب، فكان لا بد له من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل أفكاره، فالتفكير عنده بمثابة نشاط يدوي”. وبعد أن بلغ السابعة والأربعين كان عليه التسليم بأنه سيكون المؤتمن على أحزان وخيبات أحبته المتراكمة، بل وعارهم وخزيهم. والفرق بينه وبين صديقه القديم مراد يكمن في الموقف الوجودي من الحياة.
فمراد يُقرُّ بأنْ خيارهُ الوحيد هو: الحياة في المكان الذي ولد فيه، وعليه أن يختار الانخراط في هذه الحياة. بينما آدم كان يخشى أن يفوتَهُ عصره دون أن يعيشه بشغف مثلما يريد ويختار “الولادة هي المجيء إلى العالم، لا إلى هذا البلد أو ذاك، لا إلى هذا البيت أو ذاك، وهذا الأمر لم يستطع مراد أن يفهمه أبدا”.
آدم ينتمي إلى الطبقة الوسطى التي يقول هو عنها “بوسعها أن تنظر إلى العالم نظرة متبصِّرة” وبما أن هذه الطبقة لا تعاني من قِصَر النظر يعود ليكتشف ماضيه الذي تخاصم معه، وانسلخ عنه، بعد أن حاول طيلة أكثر من عشرين عاما أن يتجاهله، لكنه لم يستطع الإفلات منه، ولم يكن سعيه هذا لأكتشاف ماضيه الشخصي انطلاقا من أسباب تعود لشخصيته المهنية باعتباره باحثا ومؤرخا وأستاذا أكاديميا هاجسه الدائم في الحياة العودة إلى الوراء لنفض الغبار والتراب عن أحداث وشخصيات طواها الزمن، بل كانت العودة أشبه بالسقوط داخل متاهة، حاول قدر ما يستطيع أن يتناسى أنها متاهة، وسعى للتعايش والتفاعل معها، وكان لحضوره المادي داخل الوطن جسدا وروحا بعد غياب طويل تأثير وقوة لتدعيم التفاعل ما بين ذاته المغتربة المُعافاة وذاته الجريحة من الوطن، فخرجت أفكاره من إطار الزمان والمكان، وتركزت على سؤال مهم ووحيد ظل يردده مع نفسه: “ماهو السبب الحقيقي لعودتي إلى هذا البلد الحبيب الذي أخشى كتابة اسمه؟”.
• نهاية حلم
لعبت الحرب الأهلية الطائفية في لبنان دورا كبيرا في الكشف عن البقع العمياء والمظلمة في المجتمع: “في كل ما جرى لا مُذنب سوى الحرب”. وتمكَّنت بفعل استمرارها وطول مدتها أنْ تقولِب أسوأ الغرائز الإنسانية لتصبح ممارسات ٍوعادات ٍوطقوس مجتمعية: “فكم من الأشخاص تحولوا إلى مهربين وسارقين وخاطفين وقتلة وجزارين، وكان بوسعهم أن يكونوا أفضل الأشخاص على وجه البسيطة لو لم يتقوّض مجتمعهم”. وللخروج من هذه البقعة العمياء اضطر الأصدقاء، آدم وألبير ونعيم، إلى الابتعاد عن الوطن، بل عن المشرق كله، لكي يحافظوا على نظافة الكف رغم إقرار آدم بأن “سلوك طريق المنفى كحلِّ وحيد لمعضلاتنا الأخلاقية سيكون منافيا للمنطق. ويجب أن نجد يوما ما، حلا هناك”.
قبل اثنتين وسبعين ساعة من قرار السفر إلى لبنان لم يكن آدم يفكر في القيام بهذه الرحلة، ومع وصوله إلى الوطن تكوّنت لديه رغبة كبيرة في جمع شتات الماضي، رغم ما حصل من متغيرات جوهرية خلال عقدين من الزمان تفرق خلالها الأصدقاء بين أماكن وخيارات ومصائر مختلفة، وبات من الصعب أن تعود تلك العلاقة بينهم مرة أخرى كما كانت عليه قبل أن يتفرقوا، إلاّ أنّه لم يبخل على نفسه شرفَ محاولة جمع شمل أصدقاء كانوا لا يفترقون أبدا، كان مراد ابن العائلة الأرستقراطية حريصا على أن يجمعهم في سهرات ليلية بشكل دائم في شرفة بيتهم الواسع عند الجبل.
وقد شكلوا بانتماءاتهم الدينية المختلفة صورة عن مجتمع تواطأ مع بعضه البعض على استمرار السِّلم الاجتماعي بين مكوناته رغم الانقسامات العميقة بينها، فكان طبيعيا أن تكون هذه الصحبة بين خليط غير متجانس ٍ دينيا يتألف من مسيحيين “آدم والبير ومراد وتانيا ورمزي وسمير أميس” ومسلمين “بلال ورامز” واليهودي “نعيم”.
كان القاسم المشترك الذي يجمعهم هو الحُلم الرومانسي بالثورة والتغيير وفق ما كانت تعكسه الأفكار الماركسية أيّام كانت تعيش ذروة عصرها مثلما هي الآن الأفكار الدينية الإسلاموية المتطرفة تعيش ذروة عصرها حسب التعبير الذي استخدمه آدم وهو يستعرض تحليلاته للواقع أمام النضال الإسلاموي المتشدد، وحقيقة التحولات التي طرأت على الأفكار في المنطقة وانتقالها من ذروة العصر اليساري الماركسي إلى ذروة العصر اليميني الإسلامي المتشدد.
• مدينة مفتوحة
شخصية آدم هي المعادل الموضوعي المعاصر لشخصية أتيلا التاريخية التي يكتب عنها بحثا منذ عدة أعوام. أتيلا المهاجر إلى روما الذي يسعى إلى الاندماج في الوطن الجديد لأجل أن يكون مواطنا رومانيا، وكان لديه كل الاستعداد لأن يتحوّل إلى بربري يسعى لغزوها عندما يشعر أن روما سوف لن تفتح ذراعيها له.
لكن آدم يجد مدينة باريس تفتح له ذراعيها، مثلما فتحت له سميراميس ذراعيها بعد عشرين عاما على لقائهما الأول الذي لم تكتمل فيه قصة الحب بينهما بسبب خجله وتردده آنذاك، مقابل ذلك تكتمل قصة الحب ما بين سمير أميس وبلال. وبعد عشرين عاما سيتخلى آدم عن تردده، لتصبح سمير أميس عشيقته مرة أخرى.
تعكس سميراميس في شخصيتها جانبا حيويا وجوهريا من طبيعة الطبقة البرجوازية اللبنانية التي تنتمي إليها وما يتداخل في تكوينها من ثقافات متنوعة خاصة الثقافة الفرنسية، فوالدتها دمشقية، ووالدها من منطقة جبيل اللبنانية، أمّا هي فقد ولدت في مصر وغادرتها ولم يكن عمرها قد تجاوز عاما واحدا. والداها كانا يحرصان على أن يتكلما اللغة الفرنسية فيما بينهما وبين بقية أفراد العائلة والأقارب، باستثناء الحديث مع الطباخ والسائق فعادة ما يكون باللغة العربية، وحين يشيران في أحاديثهما إلى أهل البلد، من أبناء جلدتهم، من اللبنانيين، كانا يقولان عنهم العرب، وكأنهما من البريطانيين أو اليونان.
ولكي يعكس المؤلف بشكل واضح انفتاح الحاضنة الثقافية لهذه الطبقة على الآخرين، يقدم لنا حدثا ثانويا بطله والد سميراميس الكاثوليكي المتعصب الذي لم يتردد أيام كانوا يقيمون في مصر مِن إخفاء شاب صغير ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين تورّط مع آخرين في محاولة فاشلة لاغتيال جمال عبد الناصرعام 1954 وخوفا من افتضاح الأمر مُستقبلا يبيع بيته وشركته ويصفّي كل مصالحه التجارية ويغادر مصر عائدا إلى لبنان قبل أن يصدر عبد الناصر قراره بالاستيلاء على أملاك اليهود والأجانب والطبقة الإقطاعية ويؤممها، وهذا ما أتاح له أن يحافظ على ثروته ويشتري بها أملاكا وأراضي في لبنان.
• الدلالة العدمية
ينهي أمين معلوف أحداث روايته بانحراف السيارة التي تقل آدم وصديقه رمزي وسقوطها في وادٍ بينما هما متجهان إلى لقاء بقية الأصدقاء الذين وصلوا إلى الوطن قادمين من أربع قارات، الكل كان ينتظر عودة آدم لتبدأ الجلسة، لكنه تأخر كثيرا ولم يحضر.
فبدؤوا يبحثون عنه بعد أن كان هو الذي يبحث عنهم طيلة الأيام الماضية ليجمعهم، فيتم العثور عليه وهو في غيبوبة تامة، وليبقى هكذا مُعلقا ما بين الحياة والموت، قبل أن ينكفئ إلى هذا الجانب أو ذاك، وكما تقول عنه صديقته دولوريس: “إنه محكوم مع وقف التنفيذ مثل بلده، ومثل ذلك الكوكب مع وقف التنفيذ، مثلنا جميعا”.
هذه الخاتمة بدلالتها العدميّة تلتقي مع كلمة الإهداء التي استعارها المؤلف من سيمون فايل (1909– 1943) وقدَّمها في مستهل عمله السردي لكونها عتبة فلسفية يعبرها القارئ قبل الدخول إليه: “كل ما تمسه القوة ينحطّ قدره أيا كان التَّماس.. فاللطخةُ هي نفسُها سواء اعتدى المرءُ أمْ تعرَّض للاعتداء”.
________
*(ميدل ايست أونلاين)

شاهد أيضاً

معاناة الإيزيديين وأحلامهم في رواية «شنكالنامة»

برلين- صدرت مؤخراً عن دار «أوراق للنشر» – القاهرة – 2018، الرواية الثانية للكاتب السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *