الرئيسية / إضاءات / الترجمة وتحطيم النصوص

الترجمة وتحطيم النصوص


*بهنام نيسان قريو

ترجمة النصوص القديمة شكلت على مر العصور مسألة دقيقة ومعقدة، بل ومثّلت في بعض الأحيان معضلة حقيقية محفوفة بالمخاطر، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بنصوص خالدة تحولت على مر الدهور إلى صرح عال لا يمكن المس به. “العرب” تفتح ملف ترجمة النصوص القديمة من خلال ثلاثة مفاصل أساسية تتعلق بالترجمة ومشكلاتها وطرائق التعامل معها من خلال محاولة باحث عراقي طرحَ استراتيجية عامة للترجمة.

هل هناك طريقة أو نهج معين ممكن اتباعه في الترجمة، إن الجواب عن هذا السؤال يجعلنا نشير إلى أن هناك استراتيجيات تعتمد على الترجمة الحرفية وتحاول إقامة روابط وعلاقات على المستوى الشكلي للغة من الناحية النحوية (ليكسيكال) والأسلوب ( السانتاكس) بشكل عام، وهناك استراتيجية بالمقابل تشدد على المعنى وتقودنا بدون أي شك إلى النتيجة المبتغاة. إذ أننا لا نترجم فقط النصوص وإنما إطار أو قرينة (كونتيكست) تلك النصوص، ذلك أن المعنى ليس وحدة مستقرة بحد ذاتها، فالمشكلة لا تكمن في ترجمة النصوص العلمية أو القانونية، وإنما الصعوبة هي في ترجمة النصوص الأدبية والشعرية.
ذلك أنه لا يمكننا في أية حال من الأحوال ترجمة بيئة ونقلها إلى بيئة آخرى ونقل شكل إلى شكل آخر، وإنما يتوجب علينا ترجمة وظائف النص الشعرية والأدبية، أي ما معناه ترجمة التأثيرات الناجمة عنه وعليه، ترجمة شاعرية النص وليس شكله الظاهري . ليس هناك ترجمة واحدة لنص معين بل إن هناك تراجم عديدة بحسب تعدد المترجمين، بل إن النص المقروء عينه يفهم بشكل مختلف من قارئ إلى آخر. وهذا يدل على أن نتيجة العملية الترجماتية (تراديكتولوجي) تتحرك في إطار اجتماعي وثقافي وتاريخي دقيق، وتقوم على أسس تجارب شخصية لكل قارئ على انفراد، أو تقوم على تجارب تتقاسمها مجموعة من القراء.
الأوجه الفلسفية
الجدل ما زال قائما في هذا الموضوع، وغالبا ما يكون بديهيا القول إن الترجمة الأدبية سهلة، لأننا في آخر المطاف نستطيع إطلاق العنان لحريتنا الأدبية في الترجمة، إلا أنه من الممكن تأكيد العكس والقول بأن الترجمة الأدبية مستحيلة، وعلى أية حال، مهما فعلنا وبذلنا من جهد سنعرض أنفسنا لاعتراضات وانتقادات كبيرة وجدية، فالترجمة الأدبية تتميز عن جميع أصناف الترجمات الأخرى، إذ هي تقدم خدمات جليلة للقراء وتطلعهم ولو بصورة متواضعة على ماهية الترجمة ورهاناتها الصعبة.
إننا نفكر ونتواصل من خلال اللغة، وفي هذه العملية التي تتواجد في قلب إدراك وتفهم نقل الفكر والمعرفة… تلتقي الفلسفة وعلوم اللغة بهدف إيجاد الآليات الضرورية للوصول إلى المعنى واقتراح مسارات نظرية وطرق ترجمة تتجاوز الحوار التبسيطي ما بين الميادين المتعددة (انتر ديسبلينير). ومن الضروري منح هذا النشاط الفكري الفردي والجمعي والمتأصل في صلب حياة اللغة، أي الترجمة، أهمية قصوى بهدف إدراك عملية الترجمة بحد ذاتها. لقد حاول فلاسفة ولغويون ينتمون إلى آفاق ومذاهب فلسفية مختلفة التعمق في فحوى وجوهر الترجمة في محاولة منهم لإدراك طبيعة الفعل الترجمي، مما جعلهم يربطون التحديات والمخاطر التي تثيرها المعاني على ضوء أبعاد ومستويات عديدة، وفي هذا المجال تطرقوا إلى أربعة أبعاد أو محاور، هي على التوالي:
نظرية المعرفة
وهي من الأوجه الفلسفية التي تهتم بالدرجة الأولى بمشكلة الترجمة في إطارها العام، وتشدد بصورة خاصة على العلاقة الصميمة ما بين الترجمة والعلوم والميادين المختلفة كاللغة والاجتماع واللسانيات والتاريخ والجغرافية والممارسات التعليمية (الديداكتيك) . نحن نعلم أن الترجمة هي ساحة تلتقي فيها الفلسفة واللغة، هذا النهج الفلسفي يتطلب تفتيت النص الأصلي، أعني هدم بنيته اللغوية (ديكونستركشن) وإعادة كتابته والعودة إلى الأصول والتفكير في دوافع الترجمة الأولية بشكل رئيس، فالترجمة لا تطلعنا فقط على نسبية اللغة التي نتداولها والتي تضمن بنية واستقرار العالم الذي نعيش فيه، أي ما معناه تزعزع قناعاتنا بأنا مركز الكون (جيوسنتريسم)، إلا أنها تحفزنا على اكتشاف عملية ذهنية متحركة للغة في طور تكوين وتطور، وفي لغة تحاول التعبير عن شيء لا يمكن التعبير عنه ضمن إطار النحو والبيان والأسلوب والألفاظ فقط.
الفيلسوف الفرنسي “ريكور” يتطرق هنا إلى العلاقة ما بين الترجمة والعلم التفسيري (الهيرمينيتك)، ويقول إن الهرمينيتيك تعني حرفيا فن التفسير والتأويل، وتلك طريقة يتبعها علماء الفقه في اجتهاداتهم لتفسير وتأويل النصوص المقدسة، مما يفرض جدلا قبل كل شيء أن يكون للنص أكثر من معنى . المعنى الظاهري والمعنى الخفي الذي من غير الممكن إدراكه دون تأويل، ولا يمكن رؤيته من الوهلة الأولى. وذلك المنهج يستمد مصدر قوته من رؤية فلسفية اعتمدها الفيلسوف “نيتشه” وهو المعروف بفيلسوف الظن والشك والذي يحاول إعادة النظر في المنظومة الأخلاقية التي تتحكم بأفكارنا وتسيطر على أفعالنا، ويطرح مسألة تكوين المعاني من حيث ارتباطها وبنية المنظومة الأخلاقية (مورال) بهدف طرد وإزاحة القوى الخفية التي كانت المحرك الأول والدافع الأعمق للنص المترجم.
أما العالم النفساني “فرويد” الذي يحاول هو الآخر طرد قوى اللاوعي والعناصر والمكونات السرية التي تسيطر على قدرة الفهم والحس والإدراك الواعيين فيعزو جميع تصرفاتنا من ضمنها قوى النص الخفية إلى الرغبة الجنسية بالدرجة الأولى (ليبيدو). نيتشه وفرويد وغيرهما مثل كارل ماركس يرفضون الاعتبارات الفورية الظاهرية البادية للعيان ويحسبون من الضرورة الأولى التنقيب عنها في عمق أعماق النفس البشرية (بسيكيه). 
وهكذا، فإن المفسر أو الذي يهتم بالتأويل هو إنسان شكاك وظنان، إنسان يسمع ويصغي للنصوص بالدرجة الأولى، إنه يحطم النصوص كما يحطم الأوثان لإعادة تكوينها من جديد، والطريقة التي يتبعها هي تفسير النص وتفسير السيميائية (العلامات) التي تشكل ذلك النص. فالبنسبة إلى فلاسفة الظن أو الشك، فإن العالم الذي يعيش فيه الإنسان وفق نظريتهم هو نص بحد ذاته، أي يتكون من مجموعة من العلامات، والإنسان يتجسد في نسيج ذلك العالم، نسيج خيوطه متلونة ومتشابكة ومتحركة.
البعد الأنثروبولوجي
نعني بالبعد الأنثروبولجي، بطبيعة الحال، علم الإنسان، وبالتالي تطور الترجمة من خلال النهج اللغوي والدراسات الاجتماعية للترجمة. نحن لا يمكننا التحكم بقوانين اللغة وتطورها، فاللغات على صورة الإنسان كالحياة كشجرة تنبت وتنمو وتزول، ولننظر الآن ماذا يجري بالنسبة للغة الفرنسية والرسائل المختصرة (اس ام اس) التي لو استيقظ “فيكتور هوغو” و”موليير” و”فولتير” من سباتهم ورأوا حالة اللغة الفرنسية اليوم لنتفوا ما تبقى لهم من شعر رؤوسهم، وذلك طبعا ليس بجديد، فمثلا استخدام الأبجدية يعتبر كالكتابة المختزلة أو (الستينوغرافي).
لنأخذ كلمة إلهة الحب عشتار بالبابلية، فهي مكونة من ثلاثة مقاطع: مقطعان لهما علاقة بالحرب والقتال، ومقطع آخر يشير إلى الحب، مما يعني أن الآلهة عشتار هي إلهة مقاتلة قبل أن تكون إلهة حب، أما نحن فترجمناها بعشتار لا غير، وفقدنا معناها العميق.
البعد الأخلاقي
لم تتمكن نظرية المعرفة من إهمال الأوجه الثقافية التي تتخفى في عملية الترجمة لتبرير فعل الترجمة بحد ذاته والذي ينبثق من ضمن إطار تبادل ذاتي أي غير موضوعي. وبكلمة أخرى (سيبجيكتيف) ما بين أشخاص بعينهم أو أفراد أو مجموعة متفقين بشكل مسبق حول أسباب وأهداف الترجمة، مما يفقدها صفة الموضوعية. فمثلا غالبية المفكرين والمترجمين اللألمان كانوا يرفضون رفضا قاطعا الترجمات الفرنسية لكونها تترجم النص الأجنبي كما لو أنه كان مكتوبا باللغة الفرنسية، ويأخذون عليهم، أي على الفرنسيين، أنهم لا يحترمون ولا يتذوقون الثقافة الأجنبية.
وهكذا فإن مسألة الترجمة تزيح الستار عن مشكلة الأمانة الحرفية أو احترام المعنى على المستوى الأخلاقيّ، أما الألمان في المقابل، فكان لديهم إدراك وممارسة ترجماتية تحترم وتهتم بشكل أكبر بالهويات الثقافية واللغوية الأجنبية كهوية الآخر (التيريتيه).
البعد التجريبي
ويعتمد، بالدرجة الأولى، على التجربة الحسية. وذلك مذهب أعلنه كل من “لوك” و”هيوم” مشيريْن إلى أن أي معرفة أوعملية ذهنية هي وليدة التجارب الحسية. وهما يرفضان أفكار “ديكارت” التي تؤكد الحس العفوي الفطري أو التلقائي. وهذا البعد يهمنا بالنسبة لترجمة النصوص القديمة، ويجعلنا نطرح السؤال التالي: هل من الممكن ترجمة النصوص القديمة التي لا نعلم شيئا عن وحدتها الثقافية ولم نجرب حياة أبطالها؟ إذن، هل من الممكن إدراكها بشكل كامل؟ وهل بمقدورنا نقل هذا الإدراك في لغة تختلف عن اللغة الأصلية؟ هذا السؤال يقودنا حتما إلى البعد الأيديولوجي كإشكالية قائمة بحد ذاتها في مسألة الترجمة.
________
*(العرب) اللندنية

شاهد أيضاً

حينما يتحوّل التجريد إلى تجسيد

خاص- ثقافات *جواد غلوم عصفت بي فكرةٌ زحزحتْ مخيلتي وألحّ عليّ هاجسٌ طاغٍ ان أعيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *