الرئيسية / مقالات / الحياة البشرية

الحياة البشرية


مجد يعقوب *

( ثقافات )



مذ عرفت هذه الأرض دبيب البشر فوقها ، بهبوط آدم وحواء إليها بفعل الإغواء الأنثوي المتمثل في إلحاح حواء تذوق ثمار شجرة المعرفة ، الثمرة التي يخشاها الرجال حتى الآن، وما تناقلته الروايات عن تلك القصة واتباع الذنب لأي منهما . عندها بدأت الحياة البشرية مرحلتها الأولى آخذة بتطورالنوع البشري واتساع الرقعة الجغرافية التي صار يسخرها الانسان وفق متطلباته، يستغل طبيعتها ويقوًد مواردها حسب مبتغاه بفعل تميزه بالعقل والقدرة على التعبير باللغة ” أي امتلاكه لسمة الكلام” التي تميزه عن باقي الكائنات الحية .
إن الحياة البشرية في مراحلها الأولى كانت شديدة الصعوبة والتعقيد، حاول خلالها الانسان أن يستثمر كل طاقته العقلية للتلاؤم مع البيئة المحيطة به فعٌرف الانسان البدائي وانسان الغابات ، اكتشف النار وبعض النباتات التي يتغذى عليها وتلاءم كذلك الأمر مع بعض الحيوانات، ونسج علاقة تفاهم معها فكانت القردة من أكثر الحيوانات صحبة له في تلك المرحلة ،فأخذ الانسان يقلده ويستفيد من علاقة القرود مع بعضها (كجماعات )، بعدها بدأ يستجيب لدوافعه الغريزية الأولية “دافع الجوع والعطش وحب الاجتماع والدافع الجنسي ” حاول الانسان جاهداً أن يشكل جماعات أولية من النوع البشري بدافع البقاء في مواجهة الحيوانات المفترسة ولممارسة حرفة الصيد التي شكلت مصدراً أساسياً للغذاء . إلا أن الحياة البشرية لم تقف عند الانسان البدائي والحجري وانسان الغابات والكهوف بل أخذت في التطور والاتساع من حياة الفرد الى حياة الجماعات وتعدد هذه الجماعات خلق نوعاً مختلفاً من الصراعات انتقل من مرحلة صراع الانسان مع الطبيعة والحيوانات المفترسة إلى صراع بين النوع البشري على وجه الخصوص عندما بدأت تتشكل القبائل تبعها تملك الإنسان لموارده وبقعه الجغرافية التي يسكن فيها .لكن هذا الصراع كان أيضاً بدائياً ومحدود وفق متطلبات مرحلته.
ثم ازداد هذا التطور في بناء الانسان لممالك خاصة به رسمًها بحدود ومواقع ونفوذ وتملكه لموارد الطبيعة والجغرافية ,فالجدول المار من منطقة نفوذه خاضع لسلطته وسيادته وبإمكانه تغير مسرى النهر عن منطقة أعدائه .
بقي الانسان على هذا الحال وطمعه يزداد وتفكيره بالتملك والتوسع يزداد الى أن شيدت الحضارات وأقيمت ممالك تركت أثرها في التاريخ البشري وطبعت بصماتهاعلى خط سير النوع البشري من الامبراطورية الفارسية والبيزنطية الى حضارة الفراعنة والبابليين والآشوريين والكنعانيين ثم أتت الديانات السماوية لتضبط هذا الاتساع البشري وتحد من أفعوان الطمع والتملك الذي استحوذ على العقل البشري وان كانت هذه الديانات حدًت بشكل نسبي من هذه الأمراض الى أن النفس الانسانية غاية في الصعوبة فهي إلى الآن لا تعرف غايتها العليا وتسعى جاهدة في سبيل غاياتها الصغرى فقط.
عند الولادة يكون الانسان نقياً تماماً (يولد الطفل كصفحة بيضاء حسب فرويد) لكن مع تطور نموه يفقد قيمه الانسانية بسبب رغباته المفرطة والارتباط بالعلاقات الدنيوية , اليوم أصبحت القيم الانسانية منقرضة , الرغبات المفرطة هي المسؤولة عن تدني القيم الانسانية في الانسان . فيحيا حياة رتيبة خالية من المعاني السامية للانسانية بشكلها الواسع .
ان مستوى الحياة البشرية هي ليست ما نعتقد عادة ,محددة بالطرق المختلفة لمعيشتنا أو ملبسنا أو نومنا أو لعبنا أو تخاطبنا أو سلوكنا الاجتماعي “هذا كله يعتبر المستوى السطحي للقيم البشرية” أما القيمة الحقيقية الأساسية للحياة البشرية هي وعي الغبطة التي تضع الانسان في مرتبة عالية من الحرية الأبدية في حين يبقى منشغلاً في العالم اليومي من القيم المتغيرة .
إن الوعي الكوني هو الحالة العادية للحياة البشرية ، ومن أجل الوصول إليها علينا أن نبدأ في أن نعيش حياة عادية, إن لم يحقق الوعي الكوني لا يكون قد وصل الى مرتبة الحياة البشرية العادية ,ويكون مستوى معيشته مغايراً لمستوى الحياة البشرية العادية فهو أقل من مستوى الحياة البشرية إنه متدني نحو مستوى الحياة الحيوانية ,
ان عملية المحافظة على الحياة هي ذاتها في الحالتين ،إن الحيوان والإنسان كليهما يأكل ويشرب وينام ويكون نشيطاً ،ان كل ما تتمتع به الحواس الذي يحصل عليها الانسان نتيجة تواصله مع أغراض الحواس هي موجودة أيضا وبشكل طبيعي في حياة الحيوان ،ينكمش الحيوان من الموت تماما كما يفعل الانسان ،يبدو أنه لا يوجد أي أفضلية لحياة الانسان على حياة الحيوان بما يخص الحفاظ على الحياة .
إن أفضلية الجنس البشري على الحيوان هي بسبب قابليته على التفهم وقابليته على ادراك المجال الأكبر للحياة وقابليته على معيشة القيم الكاملة للحياة وقابليته على العمل باستقلاليته .
يتحلى الانسان بحرية العمل في حين أن الحيوان تسيره قوانين الطبيعة , حيث يحافظ الحيوان على تطورحياته بنمط معين ومحدد لايمتلك أي من الحيوانات عقلاً متطوراً كي يشذ عن مسلك تصرفاته التي تحددها له الطبيعة ,في حين أن الانسان الذي يملك جهازاً عصبياً متطوراً والذي من خلاله يمكنه أن يختار بين الحفاظ على عمله طبقا لقوانين التطور أو يمكنه ان يشذ عن تلك القوانين ، للإنسان الخيار إما أن يتقدم مسرعاً في طريق التطور أو يذهب في الاتجاه المعاكس نحو الانحطاط.
وحسب ابن رشد ( العقل مناط التفكير) ، يملك الانسان دماغاً متطوراً ،يسمح له التمييز بين الصواب والخطأ ،لذلك تكمن مسؤولية السلوك المتوازن في قوة الانسان ,يملك الانسان القابلية على اختبار الحقل المجرد لوعي الغبطة بشكل مباشر ،كما يملك القابلية على اختبار الحقول المرهفة في الخليقة ,يؤمن الجهاز العصبي البشري المتطور جداً للانسان القابلية على اختيار المستويات المرهفة للفكر ولتجاوز المستوى الألطف للفكر والوصول الى الحالة التجاوزية للوعي الصافي التي هي حالة الكينونة المطلقة هذه الميزة هي القيمة الكبرى والخاصة لتفوق الحياة البشرية على حياة الحيوان. 

* شاعرة فلسطينية تقيم في الإمارات

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *