الرئيسية / قراءات / بين ابن رشد وليلى علوي

بين ابن رشد وليلى علوي




محمد خضر


هل يمكن إعمال المتخيل فقط والتحليل المنطقي وتتبع الأثر لمعرفة سيرة مفكر مؤثر وبارز كابن رشد؟ هل يمكن أن نجمع خيوطا من هنا وهناك لتكتمل حكاية أخرى عن حياته ولنقل سيرته الشخصية؟
هذا المحور الذي طرحه الدكتور بنسالم حميش في كتابه «ابن رشد وشوق المعرفة»، وهو سؤال مهم ومشروع في ظل غياب ابن رشد من هذه الناحية بغض النظر عن حضور كتاباته وقلة ما يروى عنه في المتناثر هنا وهناك، وما يمكن أن يستشفه المتابع المهتم.. وهكذا تصبح المهمة أصعب وبحاجة إلى مادة ضخمة تجمع من الكلمات والترجمات وما يتسرب في كتاب ما. 
ولعل ماساهم في غياب هذه الجهة كثيرا عدة عوامل منها عزلة ابن رشد، ووصفه بقلة الحركة، حيث لم يتعد مثلثه بين قرطبة وإشبيلية ومراكش، وحياته الاجتماعية المستقرة حسب ما يفهمه حميش، ونفوره من الآلات الموسيقى وبالتالي السهر وغيرها مثل مواقفه من الصوفية، ولكن بالرغم من ذلك هناك لحظات ومحطات، قد تعوض هذا النقص بشرط إعمال منتج ذكي للافتراض التخيلي كلما دعت إليه الضرورة والحاجة. ولعل مشروعية هذا تزداد إذا عرفنا حكاية ضياع الكثير من كتبه، ولا مناص أن تكون الرواية عن ابن رشد فلسفية كما يقتضي المقام، لكن مع ما ينسجم مع حياته وخصوصية البناء السردي، مثل تحويل بعض المسائل الفلسفية والعقد إلى كائنات حية، وهذا مافعله بورخيس في قصته القصيرة «مبحث ابن رشد» وذلك في كتابه «ألف».
ويمكن كذلك الوقوف على شهية ابن رشد المعرفية، ومحبته للفلسفة، وما يمكن أن نستنتجه ونخلص له مما تتضمنه المقولات دون أن تشير إليه صراحة، مثل حسه الجدلي والصدامي مثلا، ومثل ما يرويه في كتاب تلخيص أرسطو وقصته مع الزرافة التي رآها عند ملك البربر، واتهامه بالشرك، وما حدث بعدها من الوشاية به عند الخليفة. ويعرج المؤلف إلى فيلم «المصير» الذي حاول أن يحكي حياة ابن رشد ووقع في الكثير من الأخطاء المضحكة، سواء في اللقطات أو المشاهد أو الموسيقى والسيناريو المكتوب باللهجة المصرية الجديدة، أو مثل رقص ليلى علوي للفلامنكو الذي لم يكن له أي وجود حينذاك، وكم من المبالغات حول قصة إحراق كتبه، إذ لم يكن يوسف شاهين مخرج الفيلم موفقا في إعطاء هذا الفيلسوف الكبير حقه، ولذا لم يكن للفيلم أي أثر فيما بعد وبالكاد يتذكره أحد. 
ويتطرق بنسالم حميش في محور آخر لكتابات ابن رشد في ضوء مقاربة نقدية، وفي التمهيد لابن رشد تحت عنوان «خليفة يحلم بأرسطو ويأمر بالترجمة»، وخليفة آخر يسأل عن قولهم في السماء ويأمر بالتفسير، وعن الاتباعية الرشدية وعواقبها، وعقلانية ابن رشد المختلف عليها، وحيث الرشدية تبدو كالزيزفون، وحيث الرشدية تراود عمق الفكر ورقي الذائقة، وهذا يقسمه ويقرأه حميش إلى فكرة وحدة العقل البشري وذائقة ابن رشد الشعرية. 
ومن الجميل في الكتاب اختيار المؤلف لنصوص رشدية وأخرى عنه.. مثل النساء كالرجال فيلسوفات وحاكمات، وتحول الرجل الجماعي إلى وحداني التسلط، ولا حتمية في الشأن الإنساني عند ابن رشد من خلال نصوصه، ثم مقطعا من اللذة العقلية لذة المعرفة.. أفضل لذة، ثم عن لقاء خاطف مثير لابن رشد مع ابن عربي وقد ذكر ذلك في الفتوحات المكية ولقاء ابن رشد مع يعقوب الخليفة الموحدي وقد ذكره عبدالواحد المراكشي في «المعجب في تلخيص أخبار المغرب»، ثم مقطعا من نص خورخي لويس بورخيس المبدع والشاعر الأرجنتيني الشهير، النص كان بعنوان «بحث ابن رشد» في المرايا والمتاهات ترجمة إبراهيم الخطيب عام 1987 ويوجد نص القصة في مجموعة بورخيس تحت عنوان «ألف..».
ومنها يقول: كان يكتب باطمئنان بطيء من اليمين إلى اليسار، ولم تكن ممارسة القياسات المنطقية ولا وصل طويل الفقرات مما يمنعه من أن يشعر كما لو كان الأمر سعادة بالمنزل البارد العميق الذي يحيط به، ففي عمق القيلولة يهدل حمام مد له ويرتفع من بهو غير مرئي خرير فسقيا شيء ما في جسم ابن رشد الذي جاء أجداده من الصحاري العربية، كان يسر بتدفق الماء وكانت الحدائق في أسفل.
وكذا الوادي الكبير المنهمك وبعد ذلك مدينة قرطبة المحبوبة التي لا تقل اتساعا عن بغداد أو القاهرة وتشبه اله معقدة ودقيقة وحوالي ذلك كله، وهذا ما كان ابن رشد يشعر به أيضا، تمتد حتى التخوم أرض اسبانيا، حيث لا توجد إلا أشياء قليلة بيد أن كل شيء منها يبدو قائما في وضع حقيقي وأبدي، كان القلم يجري على الورقة والبراهين تترابط ولا تقبل الدحض غير أن هما طفيفا كدر سعادة ابن رشد.. لم يكن «التهافت» سبب ذلك فهو عمل عرضي وإنما مشكلة ذات طبيعة لغوية متصلة بالمؤلف العظيم الذي سيبرره بين الناس: شرح أرسطو، لقد منح الناس هذا اليوناني نبع كل فلسفة كي يعلمهم كل ما يمكن أن يعرف وكانت غاية ابن رشد العسيرة أن يؤول كتبه مثلما يؤول العلماء القرآن، ولن يسجل التاريخ سوى أمور قليلة تضاهي في جمالها وشدة تأثيرها ما كرسه طبيب عربي لأفكار رجل تفصله عنه 14 قرنا. 
ويجب أن نضيف إلى الصعوبات الجوهرية أن ابن رشد الذي لم يكن على علم بالسريانية اليونانية، كان يعمل على كتاب مترجم عن ترجمة، وبالأمس استوقفته كلمتان مريبتان وردتا في بداية كتاب الشعر هما: تراجيديا وكوميديا، لقد عثر عليهما سنوات من قبل في الكتاب الثالث من الخطابة بيد أن أحدا في مضمار الإسلام لم يخمن معناهما، تعب دون جدوى من مراجعة صفحات اليخاندرو دي افروديسيا كما قارن دون جدوى بين الترجمتين اللتين أنتجهما النسطوي حنين بن إسحاق وأبو بشر متى والكلمتان اللغزان تتكاثران في نص الشعر ولذا كان تلافيهما مستحيلا الخ…
من الجدير بالذكر أن هذه قصة قصيرة كتبها الأرجنتيني خورخي بورخيس قبل عقود بعنوان «بحث ابن رشد»، تبدأ القصة بملاحظة أوردها ارنست رينان في كتابه عن فيلسوف قرطبة تقول انه على الرغم من شهرته الكبيرة كشارح لأعمال أرسطو ومعلق عليه ومطور لبعض أهم أفكارها، إلا أنه أخفق في فهم كلمتين محوريتين كما ذكرنا أثناء تعليقه على كتاب «فن الشعر» لأرسطو. الكلمتان هما: التراجيديا والكوميديا، ولعل بورخيس أراد من قصته هذه طرح مجموعة من الأسئلة على قرائه تتعلق بالفشل الذي يقع فيه حتى أصحاب أكثر العقول تفتحا كابن رشد عندما يواجهون مسائل تنتمي إلى ثقافات مختلفة اختلافا كبيرا عن تلك التي تربوا في ظلالها. فلا مسرح في الثقافة العربية ـ الإسلامية، لذلك يصعب على فقيه وقاض وفيلسوف أنجبته ثقافة ارتبطت بالنص الديني وتأويلاته ودراسته، استنتاج معان مطابقة للكوميديا والتراجيديا. 
وفشل ابن رشد في تجاوز الحدود الثقافية والحضارية هنا، يوازيه فشل الرحالة في الاستجابة لمطالب جلسائه بأحاديث عن عجائب لم يصادفها برغم إقراره بالفوارق الكبيرة بين البلدان التي زارها..
– الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

“غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني” لأباهر السقا

خاص- ثقافات صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *