الرئيسية / نصوص / المجاذيب ( قصص مشتركة )

المجاذيب ( قصص مشتركة )


د.عبد العزيز غوردو- غفران طحان- باسين بلعباس- شوقي بن حاج

(  ثقافات  )

   01   المجذوب / الدكتور عبد العزيز غوردو



إلى الذي سألني عن حدود العلاقة بين الإبداع والجنون.

كان المجذوب أستاذا مبدعا قبل أن يصاب بالجنون…
هكذا سمعتهم يقولون عندما دخلت المدينة أول مرة وبدأت أحتك بأهلها.
ما زال ينتج أدبا رفيعا… يقولون… لكنه يخفي كل ما يكتب معه ولا يطلع عليه أحدا، فقط بيتا من
الشعر أو جملة قصيرة أنيقة يسرقها منه بعضهم عندما يحتاج “المجذوب” لسيجارة من حين لآخر.
ذات مساء – قبل عشر سنوات – شاهدت شبحه يمر قرب بابي… سقطت منه ورقة دون أن يشعر
بها… التقطتها، وخلسة قرأتها: حقا إنه يبدع بجنون، ولعل أروع ما في الإبداع الجنون!؟.
في اليوم الموالي سمعتهم يقولون بأن “المجذوب” قد انتحر بعد أن أحرق كل أوراقه، وحدي كنت
أعرف بأنه لم يحرقها كلها، وما أرجوه الآن، بعد مرور عشر سنوات من الأرق والعذاب، وتأنيب
الضمير، هو ألا تكون الورقة التي اختلستها ذاك المساء هي التي تسببت في انتحاره.
اليوم، وبعد مرور كل هذي السنين، وأنا أفتش بين أوراقي القديمة عثرت على تلك الورقة: سر المجذوب،
ولأن السر لا يسمى سرا إلا لأنه يفشى، فإنني سأبوح به… لعل البوح يحمل لي بعض الخلاص.
نص ما جاء في الورقة، أحدس أنها كانت رسالة، مبتورة، لم يكتب لها أن تبعث أبدا:
…ما لا تعرفينه يا عزيزتي هو أنك قد نمت معي الليلة… لا تقولي بأنك لم تغادري فراشك ولم
تسافري هذا المساء، فما يدريك؟ لعلك سافرت دون شعور منك! أنا على الأقل متأكد من أنك كنت
هنا على فراشي، ممتدة بأنوثتك الكاملة، وعيناك الواسعتان مفتوحتان تنظران إلي، وأنا أداعب
خصلات شعرك الجميل…
في الصباح فتشت عنك في فراشي فلم أجد إلا الوسادة خالية كئيبة… صدقيني لم يكن حلما،
كنت هنا، أنا متأكد من ذلك، وكنا نتحدث ونمرح ببراءة الأطفال!
في الصباح فتشت عنك فلم أجد إلا الوسادة خالية كئيبة.. خلت للحظة أنك في المطبخ… ناديتك
فلم تجيبي…عاودت النداء فلم تجيبي.. ردت علي الجدران… والصمت المطبق يذكرني أنه كان
حلما: ما أجمل الحلم إذن، وأجمل منه عيناك الواسعتان.
قد تعتبرين هذا جرأة، وربما وقاحة! أما أنا فأعتبره مجرد صراحة بريئة كبكارة العروس، لأنني لا
أستطيع إلا أن أكون صريحا معك حتى حدود الخيال.
تعرفين، عندما نكون معا فقلما تلتقي أعيننا، وعندما تلتقي فإننا نرتبك، وتسرع نظراتنا بتغيير
الاتجاه درءا لحالة التلبس.. في الحلم كنت تنظرين إلي وأنظر إليك، متلبسين كنا، وكنا نلبث كذلك
حتى نرتوي، وهل نرتوي؟
في الحلم كانت نظراتنا تتشابك، أصابعنا تتشابك، وكنت تقتربين من وجهي حتى أحس نَفَسك
الدافئ يداعب وجنتي وأنت تهمسين في أذني بكلمات جميلة، لا أذكر الآن أي شيء منها،
إلا أنها كانت جميلة، وأجمل منها عيناك الواسعتان.
تشبثت يداك النحيلتان بأطراف السرير، شفتاك المحمومتان كانتا تحاصراني، تأسراني برفق، وأنت
إلى جانبي كنتِ، ابتسمتُ وابتسمتِ، وأبعدنا التكلف الذي كبلنا طويلا…
توقف الزمن هذه الليلة، توقف الحلم في منتصف الطريق، توقفت شفتاك المحمومتان وفي داخلي
حريق… توقف كل شيء على نظرة من عينيك، على ابتسامة…
جميلة كانت الليلة، وأجمل منها كانت عيناك الواسعتان.
آه كم يؤرقني هذا الليل الشتوي الطويل، وكم هو عاتٍ هذا الفراش الجليدي الذي علي أن أقارعه
وحدي…
آه كم يعذبني هذا الفراق، وكم هو قاسٍ ومدمٍ أن أستيقظ فلا أراك…
أن أنام فلا أراك…
أن أموت فلا أراك…”

” “

” “
ملحوظة: إذا أردت، عزيزي القارئ، تتمة الحكاية فما عليك إلا أن تفتش عنها في الرماد، أي رماد، لعل العنقاء تتكشف لك يوما…
————————-

02 بوح الرماد…غفران طحان


هو محاولة لاستكمال نص ((المجذوب)) للرائع عبد العزيز غوردو
قد لا يكون على نفس السويّة…ولكنّها محاولة
بإهداء خاص إليك أستاذي الكريم ((الدكتور عبد العزيزغوردو))
احترامي وتقديري

بوح الرّماد…
قالوا : جمع أوراقه …وأطعمها لنارٍ تشتعل في محراب هذيانه ، ثمّ أهدى نفسه للغياب …
لم يعرفوا بأنني أطوي في صدري محفظة الحكاية…سقطت أوراقه بالقرب من فضولي…وربّما تعمّد أن يرمي بها علّي لا أكتم السرّ يوماً…
مرّت عشر سنوات على اختراق صمته صدى الذاكرة… ومازالت في رئتي تشتعل نيران قصّة لم أستطع أن أكمل فصولها…
وحده الليل يعرف…وحده ذاك الرماد يحضن تفاصيل ذاكرته العاشقة…أيّةُ نارٍ آثمةٍ تلك التي قضمت أعواد الجمال في كلماته…كيف استطاعت أن تأكل حرفاً يتوهّج بنور يفوق اشتعالها…مازالت كلماته تتردد في روحي…تأتيني كحلمٍ يرقص…يشبه تلك الجميلة التي رفلت بحسنها بالقرب من روحه.وأجمل من حلمي كانت ((عيناها الواسعتان)) كما كان يردد في أوراقه .طويلاً أفكّر بهما ، أسأل عن تفاصيل جمال جمعهما…هل هي حقيقةٌ خصّه الله بها…ففقد عقله من أجلها..!!؟؟ أو هي وهمٌ باح به هذيانه…؟؟؟!!!أين هو من حالة التلبّس التي كان يخشاها عندما تلتقي عيناهما…وذات حلمٍ طويلاً كان لقاء العينين…ترى هل ارتوت روحه منها في ذاك الحلم…؟؟؟!!!في أوراقه لم يقل الكثير، كان سعيداً في ذاك الحلم وفقط…وعندما استيقظ ولم يجدها عذّبه الفراق وذاق قسوة الموت دون أن يراها…
هزمته الحقيقة…فعبر إلى ضفّةٍ أخرى…لا يمكن لأحدٍ فيها أن يتهمه بالجنون.
أسئلةٌ كثيرةٌ تخصّه وتخصّها مازالت تتزاحم في روحي…وضميري يشتعل بسياط لومٍ يكوي بها روحي…هل كان عليّ أن أتبعه بأوراقٍ سقطت بالقرب منّي…؟؟؟
ولكن فات أوان الندم…
يا إلهي…عليّ أن أتزوّد بتفاصيل الحكاية علّي أبرئ نفسي أمام هذا الضمير الغاضب…سأنبش رماد الحكاية…سأدقّ أبواب نارٍ أكلت بوح حرفه…سألملم رماداً نثرته الرياح…وبالقرب من بابه سأغمر روحي ببوح الرماد…
**** **** ****
رحلتي كانت إلى المجهول ومعي فقط ورقةٌ سقطت بالقرب منّي…أتبع خيطاً من دخانٍ مازال يتدفّق من بيته ليلاً جعل النّاس لا يقتربون من ذاك البيت بعد موت ((المجذوب)) مؤمنين بأنّ روحاً ما مازالت تحوم حول البيت…تأتي إليه ليلاً على شكل حسناءٍ تنفث الدخان…وتغنّي مع الليل…وصمته…
على العتبة وقفت…ثمّة رائحةٌُ للجنون تنتفض أمامي معلنةً بأنهّا سوف تمسني … لا بأس ما دام الجنون سيهديني إلى شيء من راحة أطلبها لضميري الغاضب.
وعندما فتحت الباب لفّني دخانٌ أبيض…سرت قشعريرة الخوف في جسدي..وانفض قلبي يهدر ناقماً على خوفٍ سكنه …ولكنني دفعت بإحدى قدميّ للولوج…وألحقتها بالأخرى ببطءٍ شديد…أسناني كانت تصطك من بردٍ أصابني في حضرة الخوف…ولكنني مازلت مصرّاً على العبور إلى زمان ذلك الغائب.
رمادٌ…ولهيبُ جمرٍ ما زال مشتعلاً…وخيوطٌ من دخان…وصوتٌ يشبه عطر الليلك يغني…
هذا ما حواه المكان…أمّا قلبي…فكان ينذرني بقرب الرحيل…قدماي التصقتا بالأرض ، وعيناي قررتا الالتجاء إلى الجفون…وبصعوبةٍ استطعت فتحهما مجدداً…
اقتربت أكثر من الرماد…وبدأت النبش…والبحث عن أيّ شيء يهديني إلى فصول الحكاية…ثمّة ورقةٌ تركت منها النار بعض حرف…التقطها على عجل ولجأت إلى جمرةٍ مازالت تشتعل لأستنير بها وأقرأ بوح الرماد…على الورقة كتب…
((ما من شيءٍ يمنعنك ..ما من أذنٍ تسعى لمعانقة جملك.اذرف الآن حكايتك بالقرب من صمتي وسكوني…وأعدك بطي بوحك في منديل أمانٍ أسود لا يشف ))
وكأنّ الخطاب كان موجهاً لي..بماذا أبوح..جئت أستقي منك بوحاً أيّها الرماد…وها أنت تطلب بوحي…
كنت على وشك تمزيق بقايا ورقة ولكنني توقفت…وحاولت النبش مجدداً…وجدت ورقةً جديدة…وبصعوبة استطعت قراءة ما كتب عليها…
((ما بالك تخشى البوح.هيّا اعبر بالنّورعلى ذاكرتك،قبل أن يأكلها الرماد))
ارتعشت أوصالي…ودوّى الخوف بصوتٍ صارخ في روحي…لم أعد أستطيع تحريك قدميّ…يا ترى هل ينتقم منّي ذلك ((المجذوب)) لأنني التقطت إحدى أوراقه… واطلعت على بوحه…؟؟!!
صوت غناء يتعالى كان على مقربةٍ من أنفاسي الخائفة…
أظنّها قد أزفت ساعة الوداع…وقد جاءني ملك الموت يغنّي…
وبما أنني أقررت بحتميّة النهاية…قررت أن أدير رأسي قبالة الصوت…وإذ بحسناء تتهادى قبالتي كنسمة ربيع…قلت في نفسي:
((أظنني تخطيت الحياة وعبرت إلى الجنّة لألتقي بإحدى حوريّاتها))
كانت تشتعل بالنور…جميلةٌ كإشراقة الصباح…كموج البحر…كغيمةٍ بيضاء…ومن خلال بياضٍ تلبسه أو يلبسها كان ينطلق الدّخان…
نظرت قبالة عينيها الواسعتين…وقعت في حالة تلبّس…حالة استلاب…شيءُ ما يشبه الجنون جعلني أردد كلمات((المجذوب)) بعفويّة:
))وأجمل من تلك الليلة كانت عيناك الواسعتان(…
تحركت شفتاها بالصمت بعد طول غناء…ثمّ قالت:
((هو أنت إذن من يطوي في روحه بعض الحكاية…طويلاً كنت أنتظرك…مازالت روحه تطلب الثأر…وأنا حبيسة ليلٍ ودخان…أنتظر بوحك أمام الرماد…أغنّي…والعنقاء تطالبني بالمزيد…هيّا أرجوك استجب إلى أوامر الرماد…واسكب حكايتك على مرأى من غيابه…فروحه ما زالت هنا…ما من أحدٍ غيري سيسمع…هيّا.))..
كنت أعلم بأنني سأودي بنفسي إلى الجحيم…مالك أيّها المجذوب وقصصي القديمة…لم أخبر أحداً عنك…لماذا تريد فضح ذاكرتي ؟؟؟ وأنت أيّتها الحسناء…ماذا تريدين من بوحي…أريد قصّتك مع ذلك المجذوب…لهذا جئت لا لأسرد قصّتي…لماذا تضعينني الآن على منصة الاعتراف…
لم تجبني…فقط أشارت عليّ بالبوح…وجلست تصغي…ومازال الدخان يتلوى من خلال الثوب الأبيض ..
صمت الليل يغريني بالبوح…إذن…إليك أيّها الرّماد سأفض خاتم حكايةٍ كانت تسكن في ظلام ذاكرةٍ أبعدت عنها النور لسنين و…سنين…مرّت.
((حكايتي كنت قد نسيتها…أيّ عقابٍ هذا…سأحكي عن امرأةٍ كانت تعنيني ولكن ليس وحدي…ربّما خذلتها ..ولكنّي ما زلت أذكرها…
كانت امرأةٌ ترتدي الشمس…لا تستطيع إدامة النظر إليها…ولا تقدر على العيش من دونها…استودعت تفاصيل جمالٍ لم تضمّه إلاّ الأساطير… قالوا بأنّها نذرت نفسها للقمر سبع ليال…حتّى أهداها حبيباً زرع في تربتها بعضاً منه وغاب…
كنت أستمع إلى النساء وهنّ يلكن سيرتها بكثيرٍ من الشغف إلى تفاصيلٍ تخصّها…ولكنّي لم أحاول الاقتراب منها…كنت أرقبها من بعيد…وأطوي عينيّ خجلاً عندما أراها تحمل طفلها…وتعبر على ضفة النهر…وأردد كما الببغاء: ((أيّتها الساقطة…((وما إن ترفع عينيها إليّ حتّى أذوي خجلاً وشغفا…تبعتها يوماً وخطوت برفق على خطاها التي سكنت أرضاً اعتادت أن تمشي عليها…وعندما وصلت إلى أعتاب دارٍ تحتويها…ارتميت على ضفاف العشق…وتلذذت بأنهار جمال كان يتدفق منها…وفي الليلة الأخيرة…وعدتها برباطٍ مقدّسٍ سيجمعنا ، ويسكت ألسنة الوشاية…أقسمت لها بأنّ هذا الطفل سيكون ابناً لي…
وعند الصّباح…لم أجدني عندها…كنت قد هربت وتركتها لنيران الألسنة…وحرّقت بالرّماد ليالي العشق..والوعود ..والآثام…
سمعت بأنّ أهل القرية حاولوا أن يبعدوها ليتخلّصوا من عارها…فقام أحدهم بإحراق منزلها…علّها تهرب بعيداً…ولكنّها كانت نائمةً بما يكفي لأن يأكلها الرّماد، ويبقى طفلها وحيداً يحمل أوزار الحكاية…))
تلعثمت الكلمات في فمي…وبدأ الدّخان يلفّ أطرافي…شعرت وكأنني قد علّقت على منجلٍ همّ بسرقة روحي…نظرت حولي…وجدت النقمة تتدفق قبالتي من تفاصيل كلّ شيءٍ هنا…
كانت حسناء((المجذوب)) ترحل بعيداً عنّي وقد توقفت عن الغناء…أمّا الدّخان فقد تركها وحيدة…انطفأت جمرة النّار التي كانت تشتعل…وهبّت ريحٌ قويّة خطفت من يدي بقايا الحكاية…حاولت اللحاق بعينيها الواسعتين…بصوتها الذي غاب…حاولت سؤالها عن تفاصيل قصّتها مع ذلك المجذوب…ولكنّ صوتي قد غاب…وأمامي
لاحت صورة امرأةٍ ترتدي الشمس…
**** **** ****
أطلّ الفجر على رجلٍ كان يقف على عتبة باب ((المجذوب)) كان يغنّي ويتمتم بكلماتٍ عصيّةٍ على الفهم… يمسك بيده رماداً ينثره هنا وهناك…
لم يستطع أيّ أحدٍ الاقتراب منه لفترة…كانوا جميعاً مؤمنين بأنّ لعنة ذلك المجنون قد أصابته…وثمّة لوثةٌ قد خصّه بها… طويلاً كان يمشي…ويجود ببضع كلماتٍ تشبه كلمات ذلك (( المجذوب)) وكان يطيل الحديث عن امرأةٍ ترتدي الشمس…لم يفهم أحد ما كان يعنيه…
اختفى في ظروفٍ غامضةٍ وقبل أن يهمّ بالرحيل أسقط بعضاً من أوراقه على باب شابٍ قدم إلى الحيّ منذ فترةٍ قصيرة…
——————————-
03 آخر أوراق المجدوب / الأديب الناقد /باسين بلعباس


عطفا على قصة المجدوب..للدكتور المبدع :عبد العزيز غوردو..أكملت الحكاية المبدعة الراقية غفران طحان..بقصة:بوح الرماد..ولأني أحببت هذه القصة..ودرستها نقديا كانت لي رؤيتي الخاصة في استكمال الحكاية..فكان هذا النص.. يبدأ بآخر جملة من نص:بوح الرماد:لغفران طحان)
****
على باب شابٍ قدم إلى الحيّ منذ فترةٍ قصيرة
كان ذاك الشاب ، يأمل الميراث العظيم..حسبوه من آل مجدوب..أو رفيقا، كان يأتي ليلة ثم يغيب..
ألبسوه خرقة، ثم قالوا للجميع:هاهنا يسكن مجدوب القبيلة..
ليتكم تعرفون كيف تأتون إليه..
في رباط الخيل كان الليل يصهل..والجياد الأصيلة لم تكن في المكان..أحرق السيد ما تبقى من خرائط..وكراريس التلاميذ..وأوراق الفروض..
ثم أبقى رأيه ، وآمن كالآخرين أنه الوريث الشرعي للسيد (المجدوب)، بل كان مجدوب القبيلة..
قد أحاطوه بهالة..وتفانى في الرذيلة..أكل المال ، ونال من نساء أو رجال كل ما شاء..
فتح الدرجَ..وتفحص في البقايا..كانت بقايا (جده) تروي الحكايا..:
“أنا لا أبغي سلامات النساء..ربما تعرفين ذات يوم عندما كنتِ هنا،أنني أبقيتك ذخرا لعمري، وكنوزا للتعاليم الكبيرة..
أنت فوق العين ،وفي القلب مكينة..ويضيع حين أنظر(في عينيك الواسعتين)ما تبقى من خيال..
أدخل حدّ الغرق، في بحرهما اللجيّ..
ولأني أعيش بك ولك..أبقيتني حيا سليما..هذه ألحقتها بالأخريات..كان مداد الكتابة،
يملأ كل الدفاتر..كنت أنت من يسيل..وأنا الهائم بالحب العميق..والوفاء..
فلماذا تهربين كلما جئت إليك..؟؟
هل لأن الرجل كان أغنى ..لي حقيبة بأوراق التلاميذ..وحقيبته..بأوراق المال ..هل أغرتك الفلوس؟؟
وتناسيت الفضيلة، عندما كنت تعيدين.. :كم أحبك..!!كم أحبك!!
وفهمت في الأخير أنّ(كم):للفلوس؟؟”
يقلب الدفاتر..ويحرق أوراق الكتابة..ويأكل الرماد كل ما أبقى (جده)..ليكون فعلا شيخا للقبيلة..
وقرينا للرذيلة..
……………………………………….
الرماد يشهد وحده..والنساء كن يعلمن الحقيقة ،ويسكتن كثيرا،رافضات أن يبحن بالذي يجري ..عندما تغلق أبواب العبد الفقير..(!!)
وينال ما يشاء..كثر المال وزاد مخزون الرماد..وتقاطرن عليه..ملأ البهتان أنحاء المدينة..واعتقدناه حكيما لأمراض كثيرة..وما المانع..؟؟
جئنه من بعيد..وسألن ،فوصلن، ثم أطفأن النار..وعدن بأجنة..واستوى السيد كتمثال الخلاص..واعتقدن أنه يهب الولد لمن يشاء..
فالتمسن العفو إن رفضن إطفاء النار..في غياب البصيرة و(العينين الواسعتين).
هل إلى القسم معاد؟؟..كيف كان جدي يقبل العيش الضنك؟”..
قالها هذا (الحفيد(..”
وانتهى أمر الولاية..ليعود الشيخ كما شاءت القبيلة..والمدينة..رمزها والمورد الذي ينعش الاقتصاد..ويحيي الكثير من الحِرف القديمة..وأحاط بالبيت محلات وأكشاك عديدة، تفرد الخدمة للناس حين يأتون من بعيد..
باحثين عن ولد..أو عريس لعروس..أو نصيب من تجارة..أو نجاح في انتخابات ..كان الرماد من نصيب العائدين..يأخذوه للتبرك..والتقرب للحفيد..(سيدي المجدوب(.. .وكان الرماد يمسح كل أوراق قديمة..وانتهت من هبوب الريح أوراق أخيرة..
أخذتها أيدٍ وقرأت ما تركته أقلام المجدوب:
(ربما يعتقدون أنكِ كنت المرأة التي تؤمن بالحب ،وبالوفاء، ولكنك كنت فاجرة، تأتين إليّ في جنح الظلام ، لتمارسي الرذيلة..ثم تذهبين ، وأنا أتبعك بعينين غائرتين، أخشى عليك من كلاب الليل،ويبدو أنك كنت عليمة، وتعرفين كل أنهج المدينة، أنا المغفل..والشريد..
والمسكين الذي لا علم له بالحكايات..سوف أنهي كل ما كان منا من أمور أو لقاءات..وأرحل حيث لا أنت هناك..ولا مثيلاتك..أنا الرجل الطاهر العفيف..
أوقعتني في الرذيلة..كيف لا ؟؟ وأنتِ من قتلت كل أنبياء بني إسرائيل..غدا لن أعود..لن تريني مثلما كنت ترين خاشعا تأتي إليه..يطلب الودّ، والصفح إن لم ير (عينيك الواسعتين)..
………………………………………….
كان ذاك الشاب قد أعطى الوريقة..ليقرأها كل من كان يعرف المجدوب(الجد.)،.فيعود فاغرا فاه..ويبكي :
– كيف كان يعتقد فيه الصلاح..؟”
قال البعض :
– هذا افتراء..
وقال آخرون
– :ربما الغيرة والحقد الدفين.
وتوالت كلمات الناس ، ولما انتهى كل الكلام..
كان بيت المجدوب الجد، والـ(حفيد) قد تداعى للرماد…. في انتظار قلم رابع ليواصل سيرة المجدوب ،أو يعيده من الرماد..
——————————–
“كعنقاء الدمار من الرماد”



04 كتاب المجذوب : شوقي بن حاج



تبعا للمجاذيب الثلاثة ….والرماد الدافيء المتروك لإشعال جذوة الحرف…

كان بيت المجذوب الجد والحفيد قد تداعى للرماد…وعيناها الواسعتان كانتا أمامه تتسعان للحيرة والحزن…تتلظيان أمام حريق قد مر…
سقطت منها دمعة أثيرية فوق الرماد…
تشكل بالريح والروح والبوح إلى ” المجذوب ” …
تجمدت في ذهول…
وقف إليها وهي تنظره, يبدو عليه الذهول أكثر منها وقال ” هذه حال الدنيا, تبادلنا عوالمنا, كنت ملاكا نورانيا وها الآن أنت بشر يدمع, أما أنا فكنت بشرا تصهد أجوافه بك والآن مجرد خيال يوشوش بأنفاس الرماد “
الريح لا تزال تبعثر وتنثر البوح حين سمعت الصدى الصوتي يقول:” إذهبي إلى السوق…فهناك المجذوب…”
***
انهمك في تصليح الحذاء برتابة, وانهمكت دوائر ذاكرته في ممارسة تسلطها…هي هكذا تنتهز أقل المنافذ للولوج, دون استئذان من الأحذية المرتبة عن حسن نية زمنية..تذكر أيام الطفولة والدراسة, حين قال له جليسه : أنت لا ترى أنت ميت !
حينها وقد مرت سنين عديدة, ذهبت لأمك وسألتها:
– هل أنا ميت ؟
عاتبتك: آه يا ولدي من تفوه بذلك ؟ أنت حي أنت حي…
وكأنك أبصرت من بلورات دموعك دموعها المنسكبة ثم أضافت: أنت أفضل الجميع لأنك الأول في الإمتحانات…
قلت لها : وما فائدة ذلك وأنا لا أرى يا أمي ؟
ضمتك إليها وكانت رائحة السخاب القرنفلي تتضوع…لاتزال تتذكر ذلك الدفء وتلك الرائحة…
تطايرت ذاكرته فوق السقف القرميدي الذي فوقه مباشرة …وفي لحظة رن هاتفك الجوال وميزت بين دقات الحذاء القادم إليك ودقات قلبك وبوق سيارة البيجو 404 …أوقفت الهاتف ووقفت كل الدقات والرنات…وتوقفت أمامك صاحبة الحذاء الذي سمعته قبل لحظات …ومن خلال الدقات استطعت أن
تسبر بعض تفاصيلها الداخلية … كانت تمشي بمؤخرة قدمها ثم تضغط على كافة مساحة أسفل القدم يعني -حسب علمتك التجربة-أنها امرأة ذات تفكير عميق حساسة تميل إلى الأحاسيس المعقلنة … أما خطواتها المتباطئة فيعني أنها إنسانية متأنية في كل شيء لا تعطي أحكاما إلا بعد تحليلها جيدا أما تباعد الخطوات فهي بالتأكيد تنظر للأشياء بشمولية …الأكيد أن عينيها واسعتان وقلبها لا يتسع إلا لرجل واحد…
تقدمت إليه لتصليح حذائها… تلمسه جيدا وقال لها حذاؤك من صنع ايطالي بجلد الفيل تصليحه لا يتطلب الكثير… تنبهت أنه ” إسكافيء أعمى ” لكنه خبير بالأحذية سألته كيف عرفت ذالك؟
الشواف يشوف من قاع القصعة *0* والغربال يشوفو منو قع الناس (01).
– قالت : ولكنك أعمى؟
شافوني أكحل مغلف يحسبوني ما في ذخيرة
وأنا كي لكتاب مؤلف منافعي كثيرة (02)
أكتشفت أن الرباعيات هي للمجذوب الذي تبحث عنه في السوق .أخبرته أنها باحثة في التاريخ وعلم الاجتماع والأنثرو بيولوجيا وأنها تبحث عن “المجذوب …”
قال لها :
كسبت في الدهر معزة و جبت كلام رباعي
من ذا الي أعطاه ربي و يقول أعطاني ذراعي (03)
ثم أضاف :
عميت و صميت و خفيت بعد الرزانة
مشيت للرماد عامين نستنى فيهم السخانة (04)

اقترحت عليه أن يقرأ لها الحكم والرباعيات فلم يرفض …
كانت تكتب بحروفها اللاهبة على جدارية شغافه, كان الصهد يصقع مواويل الرماد…
كان يحادثها نهارا وهي تسجل فقط, وفي الليل يأتيه خيالها. قال لها في حلم الليلة :
” ما لا تعرفينه يا عزيزتي أنك دوما معي وإن كان في الحلم, وما أجمله من حلم, والأجمل منه :عيناك الواسعتان…
في النهار لا أستطيع مصارحتك, أما الآن فأنت لي ما دمت أراك…
أتعرفين…في النهار لا وجود إلا لعينيك أما في الحلم, فتلتقي أعيننا دون ارتباك دون ارتواء!
في الحلم أنسج من كلماتك رباعيات القلب, أفتش بين الكلمات الهامسة عن بوح قد يكون…وأشكل منه بوحي…
آه كم هو قاس هذا الشتاء, والأقسى منه أن يغادرني حضورك الممتليء بالبهاء…آه
آه كم يعذبني هذا المتوغل في أغوار الغياب…
***

يوم الرحيل …
بالقرب منه كان ” المداح ” يغني لحنا يلامس الدواخل:
“جيت نسالك و انتايا ترد جوابي ** حشمتك بالله كلمني
هذا وطنك ولا جيت براني ** يا راس بنادم لله كلمني
الباعث الوارث الخالق اللا يرى ** ما دام الدهر و الأيام ليك تدوم
ازرع فيك الروح و عيد لي كيف جرى ** حدثني باللي جازوا عليك هموم
حر انت و لا مملوك حرطاني ** يا راس المحنة لله كلمني
و لا أنت منسوب للبيت اهل السنة ** قلبك قانع بالتحرير متهني
و لا انت شاعر معاك أهل الكَانة ** زاهي في جلسة تفسير و معاني
هذا وطنك ولا جيت براني ** يا راس المحنة لله كلمني”(05)
فبقيت تستمع رفقته إلى اللحن والقصيدة إلى أن انتهى … وانتهى معه لقاؤها… لتتحدد دقات قلبك مع دقات حذائها… سقطت منه دمعة ( لم يعرف الكاتب هل حقا دمعته أم دمعتها الأثيرية التي سقطت فوق الرماد ) أحس بضوء في عينيه أحس بالنور … ” أنا أبصر …” جرى مهرولا باحثا عنها…لكنها كانت قد اختفت…وبقيت رائحة القرنفل…
ودَّ لو أخبرها أنه كاتب مبدع وأنه دخن من أجلها الكثير من علب السجائر ليبدع الرباعيات…
ودَّ لو اعتذر لها عن كل الرباعيات التي قالها في النساء…
تمنى أن يخبرها عن حلمه الأخير معها :
” قالت له : أنت النور…
قال لها : لكنك امرأة ترتدي الشمس…”
***
قيل : عاش هائما يبحث عن امرأة( عيناها واسعتان )…ترتدي الشمس
قيل : شوهد طيفه في كل الأمكنة والأزمنة…
قيل : بعد ان اشتهر كتاب عن المجذوب…بحث عنه المسؤولون لتكريمه وجعله شيخا للقبيلة…
قيل : إن الحجاج قد شاهدوه في أرض الحجاز…
……………………………….
همسة: المجاذيب الثلاثة:
– المجنون(الدكتور/عبد العزز غوردو)
– بوح الرماد (القاصة/غفران طحان)
– آخر أوراق المجذوب(القاص الناقد/باسين بلعباس)
– (01), (02), (03), (04) : من رباعيات/ عبد الرحمان المجذوب…
(05):مقطع من قصيدة :
للشاعر الشعبي الأخضر بن خلوف..عنوانها (يا راس بنادم) عن محاورة جمجمة..

شاهد أيضاً

زيارات الليل

  خاص- ثقافات تأليف  :سيمون فيل/ ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم الشخصيات : توم : …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *