سميحة خريس في مشوارها مع بيسوا:
خلاصات مكثفة عن الكتابة.. وتأملات في الحياة وتصاريف الدهر
يحيى القيسي
هذا كتاب تأملي يأخذ من السيرة الذاتية بعض عناصره، ومن الحجاج والمحاورة والانتباهات الفكرية عناصر أخرى، بدأتْ الأديبة سميحة خريس بكتابته نهاية العام 2025 في فندق صغير بمدينة إربد، شمال الأردن، وانتهت منه منتصف العام 2026 كما يبدو لنا، وتمّ نشره مؤخراً عن دار الآن في عمّان، وهو يستند إلى قراءات عميقة ودقيقة لمنجز الشاعر البرتغالي أنطونيو فيرناندو بيسوا (1888 – 1935) خصوصاً في سفره الضخم “اللاطمأنينة” الذي قرأته خريس مترجماً إلى العربية بابداع المغربي المهدي اخريف، وكان أن وقعت في أسر كلماته، وسحر عباراته، وعمق أفكاره، وفرادة خياله، فاجابته في كتاب كامل عن رأيها الخاص في المسائل التي تحدث عنها بيسوا، أو تطرق إليها، أو أبدى فيها رأياً، أو مرّ عليها مرور الكرام، حتى لو كان رأيه مخالفاً لرأيها، أو يبدو للملتقي الحالي مجانباً للصواب، إذ إن موضوعات بيسوا وتأملاته إشكاليّة وحادة، لهذا لا يمكن توصيف كتاب خريس الجديد أنه مجرد تعليق على آراء الرجل فهي لا ترغب بذلك، بل تأخذ بعض عباراته، حتى التي تبدو لنا غير مكتملة وتضعها بخط أسود “بولد” بين نصها الخاص، بحيث تبدو من ضمن النص نفسه، وغير مغايرة له، وتذهب لبناء نصها الخاص بها، ولا يهمها إن اتفقت معه أو اختلفت.
إن نصوص بيسوا وأفكاره، مجرد “محفّز” أساسي للكاتبة خريس حتى تدلي بدلوها الخاص في الموضوع، أو تذهب به إلى عالمها بشكل غير تقليدي دون التقيد بأفكاره، فتأملاتها في الحياة في هذا المشوار الافتراضي خاصة بها وأصيلة، ورغم مرور نحو تسعين سنة من رحيل الرجل فإنّ التحاور معه يبدو مقنعاً كما لو أنّ الأمر تم حقيقة ذات يوم قريب في غابة برتغالية قرب لشبونة.
صحيح أنّ الحوار يبدو من طرف واحد، وأنّ حضور بيسوا عبر بعض مقتطفات منتقاة من كتاباته، إلا أنّه يبدو حواراً مفعماً بالحياة، وفاعلاً في الواقع.
شهوة الكلمات
تقسم خريس كتابها إلى نصوص منفصلة بعناوين تستعيرها من بيسوا، وقد يغدو هذا العنوان وحده موضع تأملاتها، أو تستعير مفردات وعبارات أخرى من كتابات الرجل لتحاورها، ومن الواضح أن مسألة الكتابة الأدبية والنثر والشعر والمسرح تغدو موضوعاً أثيراً عند المتحاورين. تقول في تعليقها على عبارة بيسوا (لا يغضبني من يجهل النحو) ..أكره أن أسمع شاعراً يجهل علامات الرفع والنصب والجرّ الشهيرة في القواعد العربية، تتطاير كلماته إذا ما اعتلى منبراً وتتساقط ميتة، وأسمع صريراً يصمّ أذني والحروف تنطق عرجاء بلا روح” ص 38.
سنكتشف أنّ قراءات خريس لأدباء عرب من الماضي والحاضر ستكون موضع استشهاد في محاورتها مع بيسوا، فهي تستند إليها كدلائل تنير الطريق، ويكون لها حضور في الحجاج أو المحاورة مع كلمات رفيقها في المشوار، لهذا تحضر كتابات مؤنس الرزاز، وهاشم غرايبة، وعرار، و عمر الخيام، وأحلام مستنغانمي، وغالب هلسا، والحلاج ومحمد شكري وغيرهم.
إن الحديث عن الكتب والكتابة والأدباء يأخذ حيّزاً كبيراً في هذا المشوار، فمثل هذه الموضوعات الأثيرة بينهما أمر طبيعي إذ هو جزء من الاشتغالات الأصيلة عند كليهما.
يقول بيسوا في نص بعنوان “لغة الروح المثالية” (هناك شكلان للفن، واحد يتجه إلى روحنا العميقة، وهو الشعر، وهذا يقترف الكذب في صميم بنيته، وآخر يتجه إلى روحنا اليقظة، ويبدأ في الكذب في صميم اليقظة، وهو الرواية) وتعلق خريس على ذلك قائلة: كان سيرفانتس يؤسس للرواية، وكان مقبولاً أن يتابع بطله في رحلة طويلة تتكرّر فيها المشاهد، وتفتحُ فيها الأبواب واسعة لألاعيب اللغة، هو نفسه كتب روايات قصيرة كأنّه يعطينا نماذج للرواية المستقبلية، واليوم وإن كانت الرواية طويلة، لكنّها محكومة بالإيجاز الوظيفي، أتحدّث عن الشكل الروائي، أما الكذب فهو على ما هو عليه منذ أو ولد الفن والأدب، لا تصلح الرواية دون بحر الكذب والتخييل في نسيجها. ص 302
كآبة الكائن
تنشغل خريس أيضاً بتفاصيل الحياة اليومية، وأحوال الطقس، والنوم والأحلام، والسفر، وأحوال النفس البشرية من فرح وحزن، وآمال وآلام، وتعترض على كآبة بيسوا التي تنتشر بين سطوره أحياناً بشكل موارب، وغالباً بشكل جلي.
في نص بعنوان “أستنطق الحياة” تنقل هنا كلمات بيسوا ( أكتب مكتئباً في غرفتي الهادئة، وحدي مثلما كنت، مثلما سأكون)، وتقول خريس معلقة بحس ساخر أو : يا أخي ارحمني! حاول، توقف عن عبادة كآبتك كأنها حجر مقدس تدور حوله إلى الأبد، أنت تسير في ظلمة كهفك الداخلي في أغلب أوقاتك، وللحق، ورغم فتنة أفكارك وكلماتك في هذا الشأن، فإني لن أنصاع لك. ص 122
إذن رغم سطوة أفكار بيسوا على خريس وافتتانها بلغته، إلا أنها كثيراً ما تتبرم من طروحاته وتخالفه، فالمشوار مع الرجل في غابة، قد يتسع لنوع من الاختلافات الفكرية حول الكثير من القضايا، لكن هذا الاختلاف في الرأي لا يقود إلى قطيعة بين الطرفين، ويحدث مثل ذلك بشأن مسائل في غاية الأهمية مثل نظرة بيسوا إلى المناضلين الوطنيين. يقول بيسوا في النص الذي نقلته خريس في كتابها ( هناك احتقار بغيض وعميق لكل العاملين من أجل الانسانية، وكل الذين يحاربون من أجل الوطن، ويهبون حياتهم في سبيل الحضارة) وترد عليه خريس قائلة: لسنا في محكمة لأقول لك كم هو قاس كلامك واستعلائي ومحبط كونك لا ترى إلا (روح الفرد ممثلة للواقع الأوحد)..، هذه أكثر النقاط حدة في اختلافي معك، إذ أعثر في تبني الإنسانية ومفاهيم الحضارة والانتماء على جزء من ذاتي. 252.
سيرة ذاتية مواربة
قلت في بداية هذا المقال إن “مشوار مع بيسوا” يأخذ شيئاً من السيرة الذاتية للأديبة خريس، وهذا صحيح، رغم أنها لم تستطع أن تبوح كثيراً في هذا الاتجاه، وبدت متحفظة، ولا أدري لم ربطت ذلك بتلك السيرة الجوانية التي لم تر النور للأديب مؤنس الرزاز، والتي أشارت لها خريس داخل ثنايا نصوصها وعلاقة التشابك فيها مع نصوص بيسوا الحارقة والكاشفة.
لقد أتاحت خريس قدر ما تستطيع من سيرتها للقارىء، ولكن ليس بشكل متواصل بل على شكل نصوص متقطعة، واعترافات هنا وهناك، ففي الوقت الذي نراها تنساب أحياناً في هذا الاتجاه، تقطع هذا التدفق بشكل مفاجىء وتعيدنا إلى نقاش أفكار بيسوا. لقد أشارت مثلاً إلى رحيل ابنتها الشابة وهي في السابعة والثلاثين من عمرها، ومدى تأثير ذلك عليها، وكذلك رحيل زوجها ورفيق عمرها أيضاً بشكل مفجع، كما تحدثت أكثر من مرّة عن عملها محررة ومديرة تحرير، وعلاقتها مع مدرائها، وكشفت عن وصولها لمشارف السبعين من العمر، وكيف ثقلت خطواتها، وبدأت الأمراض بمداهمتها، وأصبحت أولوياتها مختلفة تماماً عن السنوات السابقة، لهذا احتفت بالعزلة في بعض الأحيان، مشيرة إلى معظم الكتاب والفلاسفة الذي اعتزلوا الناس من أجل الكتابة والتأمل.
لم تنس أيضاً أن تتناول نظرتها للوجود ولله وللروحانيات، وإن كان بالإشارات التي لا تغني كثيراً عن العبارات، وتقول بصراحة إنها تأمل بلقاء الراحلين من الأحبة ذات يوم مثل والدتها وزوجها وابنتها، وأنها تنحاز للسردية الدينية في هذا الأمر، كما أنها وضعت قائمة بالتمنيات التي تود تحقيقها إن أمكنها ذلك جسدياً وطال بها العمر مثل التزلج على الجليد أو ركوب منطاد أو امكانية أن تلتقي حقيقة بالرجل الذي يركب قطاراً بخاريا بداية القرن العشرين أي بيسوا بامرأة في طائرة من هذا القرن وتقصد نفسها، فالزمن قد يكون في النهاية غير ما نعرف عنه وقد يستجيب لطموحات انشتاين النظرية وخيالنا الجامح.
بقي أن أشير في النهاية إلى لغة خريس المنسابة بسلاسة، والمنتقاة بعناية، والثرية في قاموسها، والعفوية غالباً في تدفقها، والمفعمة بالأفكار الثمينة، والحكمة المقطرة، وخبرة السنوات الطويلة من الكتابة الأدبية والتحرير الصحفي، والعمل الإعلامي، والنقاشات، والحوارات مع الكثير من القامات الابداعية والفكرية العربية، لهذا يمكن القول في النهاية إن ما أنجزته خريس في هذا الكتاب الجديد ينضاف بقوة كعلامة فارقة إلى كتاباتها السابقة، ويفتح باباً في المشهد الأدبي العربي لكتابة سردية مغايرة وجريئة.
سيرة الكاتبة:
ولدت سميحة خريس في مدينة إربد في العام 1956 وتنقلت مع والدها الدبلوماسي في قطر والخرطوم والقاهرة، وعملت في أبوظبي صحافية ومحررة، وفي جريدة الرأي الأردنية مديرة للقسم الثقافي، من اصداراتها الروائية: القرمية، شجرة الفهود، خشخاش، دفاتر الطوفان، يحيى، “كايميرا 19 وغيرها. حصلت على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2014، وسام الحسين للعطاء المميّز عام 2015 وفازت بجائزة كتارا للرواية العربية – فئة الروايات المنشورة لعام 2017 عن رواية “فستق عبيد”.
- عن مجلة كتاب – الشارقة
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!
