“النباح الأخير”.. استعادة أسطورة المكان بجماليات الحكاية وتاريخها!

“النباح الأخير”.. استعادة أسطورة المكان بجماليات الحكاية وتاريخها!

*حسين نشوان

__________________________________

مقدمة:

الأديب مفلح العدوان مسكون بالمكان، وفي جل مؤلفاته كان المكان حاضرًا، بل كان المكان هو البطل المطلق، وتجلى ذلك في “عمان الذاكرة”، و”الرحى” و”الدواج”، و”سماء الفينيق”، وفي أعماله المسرحية وكتاباته الصحفية، وأكثر ما تجلت في رواية “العتبات”، وفي الدراسة الموسوعية “بوح القرى”، وهي الاشتغالات التي تدلنا على الكيفية التي تقرأ فيها مجموعة “النباح الأخير”.

***

القرية أم الحكاية:

لقد كانت القرية تاريخيًا، تمثل منبعًا للحكايات، وفضاء للأساطير، وشكّل “بوح القرى”، في تجربة الكاتب مفلح العدوان محطة مهمة، فهي جهد أدبي وعلمي موسوعي ومتميز في التأريخ للقرية الأردنية، حيث دوّن العدوان سجلًا مهمًا بعد التطواف على أكثر من 350 قرية من شمال الأردن إلى جنوبه، وشرقه وغربه، تناولت قراءة تاريخية وجغرافية، ومقابلات مع أهل تلك القرى، ولم يكتف بذلك، بل عمّق تلك الجولات بمادة بحثية تحفر في طبقات المكان، وهي المادة التي شكلت ثروة وكنزًا معرفيًا يفيض نصوصًا إبداعية.

ومن المؤكد أن مجموعة “النباح الأخير”، (*) هي واحدة من تجليات الفيض التي كتبت في إهاب تاريخ المكان وجمالياته، وشكّلت محاولة لفهم تحولاته، ومن هنا يأخذنا القاص مفلح العدوان، في جولة للمكان في الأردن عبر لغة أقرب ما تكون إلى اللغة الطقوسية/ الصوفية التي تتماهى مع النصوص التي تتابع تاريخيًا ضمن مدى زمني منذ القرن الثالث الميلادي إلى مطلع الألفية الثالثة، ومع أنها تقع ضمن جغرافيا الأردن، إلا أنها تنفتح على بلاد الشام والمغرب والخليج والجزيرة العربية وأوروبا، لتشكل شبكة تاريخية لنسج النص الذي يقع بين القَصّ والرواية والتاريخ والأسطورة في دوائر الحكي، وهي التي تغني المتن جماليًا.

يذهب الكاتب مفلح العدوان في “النباح الأخير”، إلى الاستفادة من خبرته البحثية والتوثيقية والروائية وفضاء المسرح، إلى أسطرة المكان، حيث تتكون الأسطورة من عناصر رئيسية تشمل: الشخصيات (كالأبطال والآلهة)، المكان والزمان، والصراع الذي يؤدي إلى تحولات ظواهر طبيعية أو بشرية تنعكس على المكان، وتحويل المكان من حاضنة للأحداث إلى بطل مطلق، يعبر عن الزمان والتاريخ والأحداث والوقائع والهوية والثقافة.

ومن هنا يتحول المكان إلى قوة مؤثرة في السرد، متجاوزًا موقعه المادي والحسي الطوبوغرافي إلى البعد الميثولوجي الرمزي الذي يحوز جذرا قداسي، هو جذر النص الأول، الذي ينتج المعنى البكر بجماليات اللغة والسرد.

***

في البدء:

لا بد من القول: إن المكان يعبر عن متخيل، والمكان صورة بصرية تقيم في الذاكرة، والمكان حاضنة حسية للإنسان، وحاضنة الذكريات، هو تاريخ، وانعكاس للثقافة، وصانع لها، ولا يمكن أن تتخيل الحكاية دون المكان..

والمكان يشبه اللوحة التشكيلية بعناصره التي تتصل بالخلفية والفراغ والكتل والظل والنور، وبالتالي فهو ينطوي على صورة قابلة للقراءة بأبجدية اللوحة، وقابل للكتابة بأسلوب الحفر والنقش والحرف، ولأنه كذلك، فهو يمثل مدونة وسجلًا وأرشيًفا تاريخيًا لأثر الإنسان، الذي قرأه ميشيل فوكو ضمن طبقات تتراصف فوق بعضها بعضًا، وتتداخل النصوص، وتتشابك، لتشكل متنًا مختلفًا ينتمي لسابقيه، ويحمل جزءًا من سماتهما، ولكنه يفارقهما إلى أفق آخر، وهذا الأفق الآخر/ النص المخبوء، هو الذي حاول مفلح العدوان قراءته.

وهكذا حاول العدوان أن يقرأ المكان، بوصفه إنشاء وتشكيلًا جديدًا تتداخل فيه الأحداث والتاريخ والذاكرة والرواية، حيث يأخذ المكان ملامح الإنسان وسماته، ويمنح الإنسان طبعه وخصائصه، وربما يشكل هويته، فالمكان يحضرُ في الثقافة ويصبح عنصراً من عناصر تشكيلِها، وتسيطر دلالة المكانِ على بقية الدلالات.

ونحن حينما نكتب عن المكان، فإننا نعيد بناءه بمشاهداتنا، لكننا لا ننسى أن نتحرى الرواية الأولى للمكان، وتحولاته، وتبدلاته، فالمكان يمكن أن يكون لك، أو يكون عليك، والكتابة عن المكان، شيء مغرٍ، ولكنه ينطوي على كثير من الفخاخ.. لأن المكان ليس واحدًا.

قبل القراءة للمتن، لا بد من الانتباه لما ذكّرنا به الكاتب، في بداية المجموعة من سيميائيات وإشارات وعلامات، بقوله: “الهامش مفتاح المتن، فلا تهملوه”، والذي يحرضنا على قراءة الإحالات للمصادر والتي تقود الحدث وتفسره وتشرحه وتفك غموضه بسبب تداخل النصوص، أو المتون، أو بسبب النسيان، حيث يقول: ” الذاكرة في طريقها إلى خزائن النسيان، قصص المكان موزّعة بين الآلهة والبشر.. ولا شاهد عليها إلا ما تبقّى من نقوش الحَجَر!”.

وهنا نعود إلى فوكو في اركيلوجيا المعرفة، حيث أن “التاريخ المعرفي لا يتطور خطيًا، بل عبر انقطاعات وتحولات تحدد المعرفة السائدة في كل عصر”، وهو يرى أن النصوص المكونة للخطاب لا تقتصر على اللغة، وإنما تهتم بالطبقات الصامتة للأرشيف التي تُبرز الانقطاعات المعرفية، وكيف تتداخل النصوص فوق بعضها بعضا، والذي يحتاج معه الأمر للحفر وسبر غور مكان النص.

ولكن أكثر الإشارات وضوحًا هو الغلاف الأول الذي صور رسمًا لمنحوتة عراقية قديمة لكلب، وفي خلفية جدار لحروفيات مسمارية على رقاع طينية، تحمل بصر القارئ والمتلقي إلى مناخات الكتاب الأسطورية القديمة.

***

العنوان:

يمثل العنوان عتبة النص، ولكنه أيضًا يلعب دور الشبكة العصبية التي تتصل بالمتون الداخلية لمجمل المجموعة القصصية وعناوينها، وفي اختيار العنوان المكوّن من مبتدأ وخبر(صفة)، “النباح الأخير”، الذي يعنى النداء، أو الإنذار، وهو يدل على التحذير من خطر، ويعني مشاعر الخوف، والأخير، الذي يعنى الفرصة التي لا تتكرر، النهائية.

وأظن أن اختياره لعنوان المجموعة في ارتباطها بقصة “أهل الكهف” تشي بالتضاد بين النوم، والنداء الأخير، النباح الذي يدل على اليقظة، ويرمز في المقابل إلى التحذير من الظلم، ويدعو إلى التمرد ومحاولة الانعتاق والحرية.

وتشكل القصص الأربعة عشر، قراءة في تاريخ المكان وجمالياته وارتباطه بالشخوص والوقائع والأحداث، وسبر غور التراث، ورصد مناخات الاستبداد والظلم، وتشوف الرغبة في التحرر، ليخلص إلى أن أسماء الأمكنة التي تمثل تجليات لأثر الشخوص الذين مروا من المكان وتركوا ظلاله عليه، ومنهم: الخضر، الياس، عجلون، ..

وتتجلى جماليات المكان في:

-النسج اللغوي للنص، والتصوير الكتابي للمكان بوصفه نصًا موازيًا للأبعاد الفيزيائية للجغرافيا والتضاريس والطبيعة.

-تراصفات المكان وطبقاته التي تشكلت عبر الأزمان والحقب نصوصًا بصرية، متداخلة، ونتيجة للتداخل فقد ولدت نصوصًا جديدة تكشف عن هوية ملتبسة وأحيانًا غامضة للمكان لأسباب تتصل بالزمان والأنواء وتأثيرات الطبيعة، وأخرى نتيجة التدخل القهري للقوة.

-طبيعة العلاقة بين المكان وملامح الشخوص وسماتهم وهوياتهم، والأثر الذي تكون في المكان، بحيث تأخذ ملامح الإنسان صورة المكان، ويعبر المكان عن ثقافة الإنسان.

-تصوير طبيعة الصراع بين الاستبداد والظلم والتمرد ومحاولات الانعتاق وجماليات انعكاسه على اسم المكان وصفاته، فاختيار المكان يكشف عن نية المقيم..

-التداخلات بين الدنيوي والمقدس، ودور المكان في تشكيل الوعي الجمعي

ومن المؤكد أن جماليات المكان أول ما تتبدى في التصوير اللغوي، حيث تتماهى اللغة المستخدمة في النص مع طبيعة الموضوع التاريخي الأسطوري، وتتداخل مع شكل النص الذي يحتشد بالرموز والمعتقدات، من خلال اللغة الشعرية التي تتكئ على المجاز والتأويل.

وبظني أن كل كلمة في المجموعة تحمل جيوشًا من المعاني والتأويلات التي تنفتح على دلالات مفتوحة على كل الجهات.. وتحديدا حينما يذهب في الكتابة/ الرسم إلى المدرسة السريالية التي تعتمد في بنيتها على العقل الباطن واللاوعي من خلال الأحلام والتصورات العجائبية.

وفي قصة “بُرج الناقة”، تتجلى الصورة السوريالية التي يكون فيها الكاتب راسمًا ومرسومًا، فهو خارج النص حينًا، وداخل النص حينًا آخر، فهو ابن النص وكاتبه.

“راغباً في الرؤيا..

منبثقاً من جوف الصخر، ولا أحد سواي!

بريشتي أرسم المكان..

قُدِدْتُ من صخر، وأنا وليد عرس الرمل والضياء.. أنا عصارة السماء!!

أعلنتُ ذاتي، على غفلة من الفجر، وتلفَّعتُ جسدي قبل أن يدري المساء..

جالساً هنا..

دائماً، أنا هنا؛ حيناً في «نبع العَين»، وآخر في «جبل الخَزعلي»، وثالثاً في «المَعبد»، لكني لا أخرج من حدود «وادي رَم». ص15

***

ما فتنةُ الراء والميم؟!:

ويعيد الكاتب العدوان ترتيب المكان وفق حروف اللغة بما تحمل من أسرار، “رَم.. كَرَفَّة عين.. حرفان، ووثنُ الغواية.. رملٌ، وشبقُ النور.. صخرٌ، ومجوسيّةُ اللون.. قمرٌ، وسكينةُ الملائكة.. ريحٌ، واستنطاقُ الأبد.. راءٌ، ميمٌ.. رَم!”. “رتّلتُ الاسم عالياً كأنه آيةٌ، فوجدتُ أنني أُردِّد اسمي في المكان نفسه الذي تسامى معي.. ها أنا هو، ها هو أنا، ها نحن “رَم”.. حينئذ، تذكرت النقش مرة أخرى، ذاك الذي رأيته أسفل الجبل!”. ص16.

***

الجمال مضارعا للقوة:

وإذا كان الفن، هو إعادة تشكيل المرئي، أو رؤية ما لا يرى، فإن الكاتب في قصة “عرس ابنة الخوري”، لا يكرر الواقع كما هو، بل يأخذ العناصر الموجودة، الحكاية والشخوص والأشكال، الألوان، المواد، ويعيد تشكيلها بطريقة مبتكرة، إنها عملية تحويل مادي أو بصري لشيء موجود بالفعل.

وفي القصة، فهو يصور طبيعة الصراع بين الاستبداد والظلم والتمرد ومحاولات الانعتاق، حيث يتبدى المكان تجسيدا لنبضهم التائق للحرية، فالطبيعة بجمالها وبركاتها وقداستها، هي التي تمنح المكان فلسفته وجماله، وفي الوقت قوته لمواجهة الظلم، فالجمال هنا يمثل مضارعا للقوة.

“يُغمِض عيناً ويفتح قلبا، فيلج البرزخ بين بركة الزيتون، وقداسة العنب، سامعا ربة الفحيص، وكأنها تبارك مسيرته في بحثه عن المخلص للمدينة من قلقها وجور الظالمين عليها”. ص82.

***

النقوش إذ تمنح المكان سرها:

وفي قصة “المجوس يحرقون البازلت” يذهب الكاتب إلى أن الإنسان هو الذي يمنح الطبيعة هيبتها، وجمالها أيضًا، حيث تتناسل سلالة الإله كموش في ميشع ملك ذيبان الذي ينتصر على أبناء عِمري، وتتداخل الأزمنة ليباع تراث ميشع للغرباء، وتبقى المسلة التي دون عليها انتصاره شاهدة على بطولة الرجل الذي منح الجمال للأشياء.

ويأتي الحفيد ليقرأ العلاقة بين المكان وملامح الشخوص وسماتهم وهوياتهم، والأثر الذي تكون نقشا في التراب والماء والصخر، وفي المدن التي تحمل سر ميشع الذي يعطي للشجر زَهوه، وللتراب مهابته، وللماء نقاءه، وللهواء رحابته، ولمؤاب تاجها..

“أي كموش.. لا سرّ يَبقى بعد عُمر من السنين!

التُّراب يدري.. والماء، والصخر، والدماء التي أريقت على أبواب ذيبان، وميدبا، ومعان، وبصرى، وعرعر، وأم العمد، وحسبان.. كلها أماكن تدري السرّ الذي جعل الأفئدة تنبض تَوقاً كُلما جاء ذِكر ميشع، خليفتك، وظلك في مؤاب!

هكذا يكون تَتِمّة الدرب.. وحدك، أي كموش، من يعرف أن لا شاكم لسطوة عمري إلا ميشع الذي يعطي للشجر زهوه، وللماء نقاءه، وللهواء رحابته، ولمؤاب تاجها الذي ما رسخ على رأسها، إلا حين حَنّت شعرها بالدم، وضفرت بشعاع النصل جدائلها”. ص93.

***

الأنثى المكان:

بين الإنسان والمكان ثمة علاقة تتصل بمكونات الطبيعة وعناصرها الأربعة؛ الماء والهواء والنار والتراب، والإنسان من تراب، ومن ماء، يعيش بالهواء، وسر استمرار حياته يتجلى في النار، ويرى غاستون باشلار أن اكتشاف الإنسان البدائي للنار ارتبط بتجربة الاحتكاك الذي ينتج حرارة.

وكانت الأنثى جزءًا من طبع النار، وهي ربة عمون التي تمنح المكان جماله، كما يقول ابن عربي.. “كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه”.

“أتأمَّل الرسم.. هذا حب من أول خط، وكأن للون سحر النظرة العذراء! متى كان هذا؟! مرة حين تجشمت عناء المسير وحيدا بين سقف السيل، ودرج فرعون، مرورا بسبيل الحوريات، وسط البلد؛ مدينتي عمان، ومرة أخرى عندما قرأت أن الصبايا كن يلهثن فتنة ويزددن حسنا ما إن يدخلن رخام السبيل فتلتحم أجسادهن رسما على حلم المكان.

أراوغ النبض.. أتملى نقوش الفتنة هناك. لم يكُنّ بلا أرواح، وكأن أنثاي التي أعشق هي إحداهن، وهذه تجربتي الأولى في وَلَهٍ أسمّيه “توقاً”، وينعتونه “استلاباً وأسراً”.. تلك أنثاي، وهذا حب، لا حبر على ورق!” ص95.

***

من يملك الاسم يملك المكان:

في “عربات لعساكر الفراعنة”، يتفرّد المكان من جماليات الحكاية ذاتها، حيث يتم اختياره تبعًا للرغبة في الحرية، هكذا تم اختيار الكهف، وحسبان والفحيص، والفدين/ المفرق، وهكذا ارتبط الاسم نتيجة لقهر العدو، حيث “وضع الاسكندر يده على المدينة”، ويتساءل الكاتب، “لماذا ينادون مدينتي باسم بيلا”، هو الصراع على الاسماء، ومن يطلق الاسم يملك المكان ويحوز عليه، وبالتالي يصبح الصراع، صراع أسماء وصفات، بمعنى صراع ومعركة سرديات وروايات، وتغدو الحكاية، تعبر عن سيرة المتمردين الباحثين عن الحرية والتحرر من الغزاة، وكأن كل الأماكن في سرود مفلح العدوان في “النباح الأخير”، هي تجليات لرفض الظلم والاستبداد، ومقاومة الغزو والعدوان والاحتلال..

“همس له أقربُ الملاصقين له: «لم تَعُدْ مدينَتَك يا بعل، لكنهم يُقَدِّرون الورد الذي يغطّيها ربيعاً، فأسموها (بيلّا)؛ زهرة الأمكنة. صمت بعل.. غَفا.. ونام طويلاً. لم يعد لمتابعة كلامه إلا حين نبهه من حوله إلى جيش جديد يزحف إلى (فحلو)، وصوت من حوله يصيح: (أنقذ مدينتك يا بعل)” ص77.

***

المكان والهوية:

وفي “شهادة وفاة”، ثمة مسائلة لأثر الحدث على تبدل أسماء الأماكن وهويتها، وأحيانا يحق لك أن تتساءل: ماذا كان اسم هذا المكان قبل ألف عام أو مئة سنة…؟

“أواصل الانحدار بين حلم اليقظة وحضن البحر الميت، عميقاً حتى أخفض بقعة في الأرض.. ترى ماذا يختفي تحته؟ ما اسمه قبل أن يكون ميتا؟” ص62.

***

تراصف الحكايات:

يقال إن دخول الطعام على الطعام يفسده، ووقع الحافر على الحافر في قصة، يشي بالسرقة، ودخول الكلام على الكلام يشوهه، وكتابة النص على النص تخفي السابق، ويمكن أن تشوه التاريخ، وفي “نبوءات راهب الزرقاء”، فإن الأماكن تتغير كما البشر، ومن البشر، فقد استطاع شبيب بن تبع الحميري أن “يمحو لمسة الرومان عن القلعة”، ويغير وظيفته “حتى أصبح اسمها قصرًا”.

“وقلت للراهب: أكمل.. ابتسم وكأنه فهم غصّتي، فأكمل: «الأقاويل أبقى من البشر.. كما أنه صادر الاسم ماحياً من ذاكرة الحجارة سيرة (الحارث)، ليحلَّ العنوان الجديد علامةً على ذاك المكان الذي غدا اسمه (قصر شبيب)، وهنا يتبدى الصراع على المكان الذي يمنحه اسمه وقيمته وجماله، حيث صادر الحميري الاسم، ماحيا من ذاكرة الحجارة اسم الحارث وسيرته” ص59.

***

المعرفة السرية:

في قصة “لفائف القلعة”، يستعيد تاريخ المكان، بقصة النبي الخضر الذي يوصف بأنه حارس البحر ومعلم المعرفة السرية، وبأنه يساعد الذين هم في محنة، فهو يجتاز المصاعب لأجل الأخرين..

“كأنه يجتاز ظلمات العالم السفلي، إلى أن يتلمّس حافة السور العلوي للقلعة.. قمم الجبال وقد غطَّاها الظلام.. تساءل: “كلّ هذه الجبال لوَّنها الخِضْر بخُضرته”.. تابع نقطةَ نور تقترب وسط أثير السواد.. رصدها وهي تأتي.. سار بنظره معها، حتى سمع رفرفة أجنحتها.. أمسكها، وفضّ اللفافة من قدمها، ثم بسطها بين يديه، فتغيرت ملامح وجهه عبوساً وهو يقرأها: «من قاتل بني عوف؟”.

وبني عوف كما يقول الكاتب: قبائل من قضاعة ومن بني وهران، استقرت في جبل عجلون زمن الخلافة الفاطمية، كانوا ذوي بأس شديد، سيطروا على الجبل، وأصبحت المنطقة تُعرف باسمهم. عندما بدأ أسامة بن منقذ (أحد قادة صلاح الدين الأيوبي) بناءَ قلعة عجلون عام 1184م، كثرت تحرُّشات بني عوف بجيوشه، فصمَّم على إزالة خطرهم، وكان أن دعا شيوخخهم إلى وليمة في القلعة، وحين فرغوا من الطعام، أمر جنوده بالقبض عليهم وسجنهم وقتل مَن يقاومهم.

***

سؤال الهوية:

وفي “الموءودة الغريقة”، يسائل الهوية بنص شعري، يقرأ فيه الذاكرة التي تحاكي نبض الأزل..

“مُتَّكَئي مُرجان أيلة.. وَكَأني أَتَوسّد زند البحر، أَتبع حُلمي الأَزَلييّ هناك، حَيث الرُّسومات على جُدران كُهوف الذاكرة، والموسيقى بدائية الإيقاع تحاكي النبض الأول، حين تفتحت أنوار عينَيّ عليَّ إلهاً أذرع البر والبحر توقاً إلى الاستراحة في حاضرة مجاورة للبحر. هل أحلم، أم أتذكّر، في خلوتي أمام أيلة؟ ها أنا أتبع تَجسُّدي الأول إلهاً كنعانيّاً استراح على ذات الشِّعاب المرجانية التي أَنفض الغبار عن ذاكرتي من عليها كلما صعدت كي أتأملها، من أنا الآن؟ ص99.

ويجيب على الاستهلال الذي عاين المكان بوجد الصوفي، بوصفه حارس المدينة وذاكرتها ووجوهها المتعددة.. “ما أنقى اللحظة، حين أنتبه إلى حلولي، وأصبح خاشعا لمهابة حضوري” ص99.

***

المكان مختبر الحكاية:

في كل نصوص مفلح العدوان في مجموعته الأخيرة “النباح الأخير، يغدو المكان مختبر الحكاية.. وحامل الأسرار، ومفتاحها أيضًا، ويمسي المكان بوتقة التاريخ الذي يسقط معه الماضي على الحاضر.

وفي جل القصص، التي شكل العنوان شبكة عصبية لربطها معا في المكان بتعدد الزمان، حاول الكاتب قراءة هوية المكان من خلال استعادة الحكايات التي تتصل به، بقراءة التاريخ الذي تم إخفاؤه لأسباب تتصل بالظلم والاستبداد، ولأسباب تتعلق بالمحتل الغازي، وهي النصوص التي دَوّنها المنتصر، ومفلح يحاول تفكيك نص المنتصر الذي زوّر تاريخ المكان وهويته، وفي هذا التزوير تشويه للمكان.

حيث يقول في قصة “بانتظار المخلص”: “ثَمّة نُبوءة لا بد من تحقُّقها، الآن، أو غداً، وحتى آخر الزمان، لكن البداية كانت في هذا المكان. قال الكهل كلماته، واستمر في تتبع الأَزِقّة القديمة، طارقاً بعُكّازته تارةً على حجارتها المرصوفة هناك منذ أول صَرخة طفل، وتارة ًيدقّ بها على الأبواب أملاً في أن يخرج له الذي ينتظره منذ مئات السنين مُجَسّداً كأنه مولود الآن أمام عينيه. يُعيد الكهل التذكير بالنبوءة، ويستفيض مُتَرَنّماً بالاسم الذي تارة هو «إلياس»، وأخرى هو “إيليا”، وثالثة هو “إيل يس”، أو “يس بن إيل”.

“وما إن بدأ حتى بدأت تصطفُّ حوله خيالاتُ شخوص، فيهم بعض ملامح إلياس، ولكن بهم روائح بلدان ومدن أخرى، كل واحد منهم يريد أن يسرد قصته التي تشبه قصة إلياس في غيابه المفاجيء، على وعد بأن يعود مخلصا للبشر من شرور الظالمين. هل يتحدث الآن عن هذا المكان الذي يحجز متكأه فيه، أم عن ذاكرة المخلصين في كل الحضارات والأزمنة من خلال المخلص ابن “لستب”، الذي اسمه “إلياس”؟” ص53.

ويعود الكاتب في القصة الأخيرة، كما يكون النص الأسطوري دائريًا، ليجيب على الحكاية الأولى في النباح الأخير، ويقول في “الموءودة الغريقة”، الله كم يخبئ هذا الصندوق من حضارات ومعارك وحكايات، ويرى ما ينطوي عليه المكان من فضاء لحمل مشروع حضاري، ويدون أمنياته “بي توق لأن أكون نقطة الربط، بعد كل هذا الفصل والتشظي..” ص101.

———————————————————————–

(*) مفلح العدوان. النباح الأخير، الآن ناشرون وموزعون، عمان ط2، 2025

شاهد أيضاً

فنانة الصوت فيفيان كاكوري: يمكننا التحكم في كل صوت

 فنانة الصوت فيفيان كاكوري: يمكننا التحكم في كل صوت  حوار وترجمة/ حمد الدريهم: الرياض في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *