(ثقافات)
(الولوج في الزمن الماء) ليحيى القيسي
بارقة أمل في الزمان العجيب
د. إخلاص فخري عمارة
حين قرأتُ هذه المجموعة القصصية، قفزتْ إلى خاطري من طوايا الذاكرة أبيات أمير الشعراء “أحمد شوقي” في قصيدة “نكبة دمشق”:
نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا
وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ
بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي
جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

إنَّ المشاكل التي يعالجها الأديب الأردني الشّاب، والقضايا التي يطرحها، متشابهة إلى حدّ كبيرٍ مع مشاكل وقضايا أدباء مصر أو المغرب أو العراق وغيرها، بل هي ليست متشابهة فقط، وإنّما الأصح إنها متماثلة ومتّفقة تماماً، فكلنا في الهم شرق كما عبر أمير الشعراء، كلنا نعاني الفقر والجهل والتخلف بسبب الاستعمار الذي حكمنا – وما برح يحكمنا – بمختلف أشكاله، وعلى تنوع أطماعه، وكلنا نعايش تلك المشاكل ونتفهم القضايا في إبداع أيّ أديبٍ عربيٍ هنا أو هناك، لأنَّ البيان غير مُختلف، وقلوبنا تدمي ألماً، ونفوسنا تتمزق حسرة، لما نراه ونسمعه، مما يُعانيه أشقاؤنا وأبناء عمومتنا.
نظرة خارجية سريعة: طُبعت المجموعة على ورقٍ أبيض سميك أملس، والكتابةُ سليمة الأحرف واضحة الطبع، وتقل بل – تندر – أخطاؤها المطبعية، وتستخدم كلّ علامات الترقيم، ويضمّها غلاف أنيق، عليه رسم ذو مغزى يُناسب موضوع القصص.
ولا شكّ أنَّ هذه المظاهر الخارجية لها أثرها في نفس المتلقي للوهلة الأولى، فيقبل على القراءة في شوق ورضا.
ومن الملاحظات الإيجابية أنَّ المُؤلف يُؤرخ لقصصه بالشهر والعام، ومن التأريخ يتّضح لنا أنّ المجموعة كتبت في عامين، أو أكثر قليلاً “فبراير 1988 – مارس 1990″، وإنجاز الكاتب لتسع قصص بهذا القدر من الجُودة في فترة زمنية قصيرة نسبياً، أمر يستحق الإشادة والتهنئة.
وينتظم المجموعة خيطٌ واحد، هو الهموم الوطنية أو القومية – اقتصادية واجتماعية وسياسية – إنَّ الهمّ الذي أرّقه وحفَّزه لكتابة القصص زمناً “التفاح المر- مايو 1988” ظلّ يؤرقه أيضاً في واحدة من أحدثها تاريخاً وهي “مخاض الأيام العواقر” فبراير1990، ونفس القضية التي شغلته عبر قصته الثالثة، ظلت تخايله في الخامسة والثامنة أيضاً، وهي في تواريخ مُختلفة.
وبشكل عام يُمكن أن نُبصر ظلالاً قاتمةً تُلقيها قضيتان أساسيتان على قصصه كلها: الأولى قوميّة وطنية سياسية هي الاحتلال الإسرائيلي، وقد أشار إليها بصراحة في القصة الأولى والخامسة، وألمح إليها بالرمز في القصص: السادسة والسابعة والتاسعة “إخوة يوسف، الولوج في الزمن الماء، اللاهثون”، والقضية الثانية اجتماعية اقتصادية هي المستوى المتدني في الحياة، والناشىء عن البطالة أو قلة الدخل، وقد خصَّص لها القصّة الثانية “التفاح المر”، والثالثة “البحث عن حُلم” والثامنة “الكلامُ غير المباح” وأشار إليها سريعاً في “حُمّى ليلة العيد”، وفي الخامسة “مخاضُ الأيام العواقر”.
وعن القضيتين الوطنيّة والاجتماعية ينشأُ التخلّف المُؤدي للعادات الضَّارة، وقد جَسَّده في القصّة الرابعة “لحظة اغتيال الفرح” وألمح إليه في كلّ المجموعة.
بوسعنا تصنيف إبداع يحيى القيسي في الأدب الهادف، وإن لم يكن كذلك بشكل وعظيٍ مباشر، أو دعائي صارخ، وإنّما في إيحاء وتلميح فني، كما أنه يهتم بالواقع المعاش، ويختار أبطاله من البسطاء – عاديين أو مثقفين – فليس فيه رأسمالي مُتخم ولا إقطاعي ظالم، ولا أمير أو زير، ويتّسم أسلوب المجموعة بالتركيز والإيجاز، ويخلو من الأخطاء اللغوية التي صارت سمة شائعة مخجلة في كتابات معظم الأدباء الشباب.
ومن الواضح أنّ يحيى القيسي أديبٌ مثقفٌ مُطّلع على الإبداع الأدبي عامة والقصَصي خاصّة، فهو يفيد من أحدث الأساليب الفنية للقصة القصيرة، وفي الوقت نفسه، يظلّ على صلة بالموروث الديني والتاريخي والشعبي، ثمّ يُوظفه بشكل رمزي مقبول في قصص: مخاض الأيام العواقر، إخوة يوسف، والولوج في الزمن الماء.
تأمُّلٌ في التّفاصيل
بعد هذه الملاحظات السّريعة، يُصبح علينا أن نتأمل في دقّة كافة التفاصيل، فالكاتب الجّاد الذي يحترم نفسه ويحترم قارئه لا بدَّ أن يحظى بالاهتمام والتأمّل والفهم.
إنَّ ما يلفتنا في البداية هو عنوان المجموعة وعناوين قصصها، والأصل في العنوان أن يكون واجهة دالة على ما خلفها، ومع ذلك فقليلون هم الذين يراعون هذا المفهوم، وكثيرون يتخيّرون عناوينهم بغرض آخر غير الدلالة على المحتوى، عمداً أو بدون عمد.
لكن أديبنا يختار عناوينه بفن ودقّة لتؤدي مهمتها خير أداء، فهي تدلُّ على معنى في ذاتها من جهة، وتلخص مُحتوى القصّة من جهة أخرى.
“الولوج في الزّمن الماء”، إنّه زمنٌ بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولذلك نُصاب فيه بــ “حُمَّى ليلة العيد” وتمرُّ علينا خلاله “أيامٌ عواقر” ونظلُّ طواله “لاهثون” بلا راحة أو هدوء.
زمنٌ بلا نكهة ولا قوام، نتذوّق ونحن نحياه “التُّفاح المُر” ونشهدُ عبر أيامه “لحظة اغتيال الفرح”.
زمن يغرقنا ويغمرنا فننداح فيه بلا إرادة، ويحملنا إلى حيث لا ندري، ولا نريد كي “نبحث عن حلم ” دون جدوى، ونعاني مرَّة أخرى غدر “إخوة يوسف” وظلمهم، ويغدو الحق والعدل والحرية أنواعاً من “الكلام غير المباح”.
عن المضمون
تصوّر القصّة الأولى رجلاً يعاني من الحُمَّى في ليلة العيد، لكنّها ليست الحُمَّى المعروفة الناتجة عن الفيروسات، وإنّما هي حُمّى نفسية إن صحَّ التعبير، ولا غرابة أن يؤدي التوتّر العصبي والضيق والملل، ثم الإحساس بالعجز والإحباط، يؤدي ذلك كله إلى رفع درجة الحرارة، وفقدان الوعي، والهذيان، نفس أعراض الحُمَّى الناشئة عن فيروس يُؤثّر في الأعضاء، لا غرابة في ذلك بعد أن أثبتَ الأطبّاءُ وجود علاقة وثيقةٍ وتفاعلٍ مُتبادل ومستمرٍ بين الجسم والنفس.
والقصّة على لسان المتكلم، الذي يقارن بين الماضي – ذكريات في مخيلته – والحاضر – واقعٌ يعيشه – ، الماضي زمن الطفولة البريئة السعيدة وبهجة العيد أيامها “بُكرة العيد ونْعيّد..” والحاضر الذي يسمع أخباره:
“انفجار سيارة مفخّخة وقتل عدد من النّساء والأطفال”
“هجوم صهيوني حاقد على قرية….”
“المجاعة تهدّد…..في أفريقيا…….”
وإذا فرَّ من الأخبار المفزعة، طاردته أغنية مملة سقيمة اللحن والأداء “أنا صرت بحبّك مجنونة…..وعقلي طار..”.
في اختصار شديد “الحياة صارت زي الزّفت”، وتتحوّل الأخبار إلى كوابيس مزعجة تؤرّقه ليلاً ، فيرى قابيل وهابيل، ودماء وقتلى، والنّاس يتجمّعون حول الجريمة، ويُعلنون استنكارهم بكلمات، لكنّهم لا يقدمون على فعلٍ إيجابي، ويؤدي تجمهرهم إلى إعاقة البطل المُتحمّس عن فعل شيء.
وفي القصة الثانية “التُّفاح المُرّ” نلتقي بعاملٍ بسيطٍ يوم تسلم مرتبه، وقد أوصته زوجته في الصباح بطلباتٍ للبيت والأولاد، وفي طريق العودة، يُرهقه حلّ المعادلة الصّعبة بين طرفين: مُرتّبه المحدود، ومطالب الحياة، لكنَّ صعوبة المعادلة تهون إلى جانب ما حدث له، لقد حدثته نفسه – وهو يرى التُّفاح أحمر لامعاً – أن يشتري بعضاً منه، لكنّه طرد الوسواس موحياً إلى نفسه بأنَّ التفّاح مرّ الطعم، ثم جذبه منظر التلفزيون الأنيق في محلٍ للأدوات الكهربائية، وخرج من دائرة جاذبيته ببراعة حين تذكر قول صديقه “النظر إلى الأعلى يُسبّب آلاماً في الرقبة”، لكنَّ التفاح الأحمر اللامع تحدّاه مرّة أخرى في محل قرب منزله، فقرر أن يشتري كميّة قليلة لأولاده على أن لا يتذوقه، وبعد تعبئته في الكيس، مدَّ يده لإخراج الثمن، فلم يجد المرتّب في جيبه.
وعن البطالة وآمال الشباب الضائعة يتحدَّث المُؤلف في ثالث قصّة ، ويمكن التعرف عليها من هذه اللقطات:
-
“ها أنذا أمارس الصعلكة الفضلى، أجوب شوارع المدينة للمرّة الألف بعد الألف، …خمس سنوات من التّعب والدراسة جاءتك أخيراً بشهادة، لكنّها أمستْ جزءاً من ديكور المنزل”.
-
“التقفت الجريدة اليومية من البائع، قلبتها، نبشتُ كل عناوينها”.
-
“تعوَّذتُ بالله من الشيطان الرجيم، ومن هذا اليوم الذي لا يبدو أحسن من البارحة…تابعت التصفّح وفي ركن مهجور من الصفحة الأخيرة وجدت مطلبي. سجّلت العناوين على ورقة، وأسرعت للمقابلات..”.
-
“متأسّف يا أستاذ، لم يعد هناك شواغر…..، مؤهلاتك يا إبني غير كافية في شركتنا….، نحتاج إلى خبرة خمس سنوات…، هل تملك سيارة خاصة..؟ “.
-
“ها أنذا أجلس الآن بلا فائدة، أنسحق كل لحظة تحت وطأة الإحساس باللاجدوى والتفاهة..آه….نفثتها بقوة، فخرجت من الأعماق طويلةً وذات نزيف لا مرئي حاد…”.
-
“ليلة البارحة جاءتني صفاء..وليتها لم تأت، قالت بتلكؤ: جاء شابٌّ لوالدي يطلب يدي..عريس لديه سيارة وشقّة وفلوس..،وانخرطتْ تنشج بحرقة”.
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!

