(الولوج في الزمن الماء) ليحيى القيسي: بارقة أمل في الزمان العجيب

(ثقافات)

(الولوج في الزمن الماء) ليحيى القيسي

بارقة أمل في الزمان العجيب

د. إخلاص فخري عمارة

 

حين قرأتُ هذه المجموعة القصصية، قفزتْ إلى خاطري من طوايا الذاكرة أبيات أمير الشعراء “أحمد شوقي” في قصيدة “نكبة دمشق”:

نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا

وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ

وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ

بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي

جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

 

إنَّ المشاكل التي يعالجها الأديب الأردني الشّاب، والقضايا التي يطرحها، متشابهة إلى حدّ كبيرٍ مع مشاكل وقضايا أدباء مصر أو المغرب أو العراق وغيرها، بل هي ليست متشابهة فقط، وإنّما الأصح إنها متماثلة ومتّفقة تماماً، فكلنا في الهم شرق كما عبر أمير الشعراء، كلنا نعاني الفقر والجهل والتخلف بسبب الاستعمار الذي حكمنا – وما برح يحكمنا – بمختلف أشكاله، وعلى تنوع أطماعه، وكلنا نعايش تلك المشاكل ونتفهم القضايا في إبداع أيّ أديبٍ عربيٍ هنا أو هناك، لأنَّ البيان غير مُختلف، وقلوبنا تدمي ألماً، ونفوسنا تتمزق حسرة، لما نراه ونسمعه، مما يُعانيه أشقاؤنا وأبناء عمومتنا.

نظرة خارجية سريعة: طُبعت المجموعة على ورقٍ أبيض سميك أملس، والكتابةُ سليمة الأحرف واضحة الطبع، وتقل بل – تندر – أخطاؤها المطبعية، وتستخدم كلّ علامات الترقيم، ويضمّها غلاف أنيق،  عليه رسم ذو مغزى يُناسب موضوع القصص.

ولا شكّ أنَّ هذه المظاهر الخارجية لها أثرها في نفس المتلقي للوهلة الأولى، فيقبل على القراءة في شوق ورضا.

ومن الملاحظات الإيجابية أنَّ المُؤلف يُؤرخ لقصصه بالشهر والعام، ومن التأريخ يتّضح لنا أنّ المجموعة كتبت في عامين، أو أكثر قليلاً  “فبراير 1988 – مارس 1990″، وإنجاز الكاتب لتسع قصص بهذا القدر من الجُودة في فترة زمنية قصيرة نسبياً، أمر يستحق الإشادة والتهنئة.

وينتظم المجموعة خيطٌ واحد، هو الهموم الوطنية أو القومية – اقتصادية واجتماعية وسياسية – إنَّ الهمّ الذي أرّقه وحفَّزه لكتابة القصص زمناً “التفاح المر- مايو 1988” ظلّ يؤرقه أيضاً في واحدة من أحدثها تاريخاً وهي “مخاض الأيام العواقر” فبراير1990، ونفس القضية التي شغلته عبر قصته الثالثة، ظلت تخايله في الخامسة والثامنة أيضاً، وهي في تواريخ مُختلفة.

وبشكل عام يُمكن أن نُبصر ظلالاً قاتمةً تُلقيها قضيتان أساسيتان على قصصه كلها: الأولى قوميّة وطنية سياسية هي الاحتلال الإسرائيلي، وقد أشار إليها بصراحة في القصة الأولى والخامسة، وألمح إليها بالرمز في القصص: السادسة والسابعة والتاسعة “إخوة يوسف، الولوج في الزمن الماء، اللاهثون”، والقضية الثانية اجتماعية اقتصادية هي المستوى المتدني في الحياة، والناشىء عن البطالة أو قلة الدخل، وقد خصَّص لها القصّة الثانية “التفاح المر”، والثالثة “البحث عن حُلم” والثامنة “الكلامُ غير المباح” وأشار إليها سريعاً في “حُمّى ليلة العيد”، وفي الخامسة “مخاضُ الأيام العواقر”.

وعن القضيتين الوطنيّة والاجتماعية ينشأُ التخلّف المُؤدي للعادات الضَّارة، وقد جَسَّده في القصّة الرابعة “لحظة اغتيال الفرح” وألمح إليه في كلّ المجموعة.

بوسعنا تصنيف إبداع يحيى القيسي في الأدب الهادف، وإن لم يكن كذلك بشكل وعظيٍ مباشر، أو دعائي صارخ، وإنّما في إيحاء وتلميح فني، كما أنه يهتم بالواقع المعاش، ويختار أبطاله من البسطاء – عاديين أو مثقفين – فليس فيه رأسمالي مُتخم ولا إقطاعي ظالم، ولا أمير أو زير، ويتّسم أسلوب المجموعة بالتركيز والإيجاز، ويخلو من الأخطاء اللغوية التي صارت سمة شائعة مخجلة في كتابات معظم الأدباء الشباب.

ومن الواضح أنّ يحيى القيسي أديبٌ مثقفٌ مُطّلع على الإبداع الأدبي عامة والقصَصي خاصّة، فهو يفيد من أحدث الأساليب الفنية للقصة القصيرة، وفي الوقت نفسه، يظلّ على صلة بالموروث الديني والتاريخي والشعبي، ثمّ يُوظفه بشكل رمزي مقبول في قصص: مخاض الأيام العواقر، إخوة يوسف، والولوج في الزمن الماء.

تأمُّلٌ في التّفاصيل

بعد هذه الملاحظات السّريعة، يُصبح علينا أن نتأمل في دقّة كافة التفاصيل، فالكاتب الجّاد الذي يحترم نفسه ويحترم قارئه لا بدَّ أن يحظى بالاهتمام والتأمّل والفهم.

إنَّ ما يلفتنا في البداية هو عنوان المجموعة وعناوين قصصها، والأصل في العنوان أن يكون واجهة دالة على ما خلفها، ومع ذلك فقليلون هم الذين يراعون هذا المفهوم، وكثيرون يتخيّرون عناوينهم بغرض آخر غير الدلالة على المحتوى، عمداً أو بدون عمد.

لكن أديبنا يختار عناوينه بفن ودقّة لتؤدي مهمتها خير أداء، فهي تدلُّ على معنى في ذاتها من جهة، وتلخص مُحتوى القصّة من جهة أخرى.

“الولوج في الزّمن الماء”، إنّه زمنٌ بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولذلك نُصاب فيه بــ “حُمَّى ليلة العيد” وتمرُّ علينا خلاله “أيامٌ عواقر” ونظلُّ طواله “لاهثون” بلا راحة أو هدوء.

زمنٌ بلا نكهة ولا قوام، نتذوّق ونحن نحياه “التُّفاح المُر” ونشهدُ عبر أيامه “لحظة اغتيال الفرح”.

زمن يغرقنا ويغمرنا فننداح فيه بلا إرادة، ويحملنا إلى حيث لا ندري، ولا نريد كي “نبحث عن حلم ” دون جدوى، ونعاني مرَّة أخرى غدر “إخوة يوسف” وظلمهم، ويغدو الحق والعدل والحرية أنواعاً من “الكلام غير المباح”.

عن المضمون

تصوّر القصّة الأولى رجلاً يعاني من الحُمَّى في ليلة العيد، لكنّها ليست الحُمَّى المعروفة الناتجة عن الفيروسات، وإنّما هي حُمّى نفسية إن صحَّ التعبير، ولا غرابة أن يؤدي التوتّر العصبي والضيق والملل، ثم الإحساس بالعجز والإحباط، يؤدي ذلك كله إلى رفع درجة الحرارة، وفقدان الوعي، والهذيان، نفس أعراض الحُمَّى الناشئة عن فيروس يُؤثّر في الأعضاء، لا غرابة في ذلك بعد أن أثبتَ الأطبّاءُ وجود علاقة وثيقةٍ وتفاعلٍ مُتبادل ومستمرٍ بين الجسم والنفس.

والقصّة على لسان المتكلم، الذي يقارن بين الماضي – ذكريات في مخيلته – والحاضر – واقعٌ يعيشه – ، الماضي زمن الطفولة البريئة السعيدة وبهجة العيد أيامها “بُكرة العيد ونْعيّد..” والحاضر الذي يسمع أخباره:

“انفجار سيارة مفخّخة وقتل عدد من النّساء والأطفال”

“هجوم صهيوني حاقد على قرية….”

“المجاعة تهدّد…..في أفريقيا…….”

وإذا فرَّ من الأخبار المفزعة، طاردته أغنية مملة سقيمة اللحن والأداء “أنا صرت بحبّك مجنونة…..وعقلي طار..”.

في اختصار شديد “الحياة صارت زي الزّفت”، وتتحوّل الأخبار إلى كوابيس مزعجة تؤرّقه ليلاً ، فيرى قابيل وهابيل، ودماء وقتلى، والنّاس يتجمّعون حول الجريمة، ويُعلنون استنكارهم بكلمات، لكنّهم لا يقدمون على فعلٍ إيجابي، ويؤدي تجمهرهم إلى إعاقة البطل المُتحمّس عن فعل شيء.

وفي القصة الثانية “التُّفاح المُرّ” نلتقي بعاملٍ بسيطٍ يوم تسلم مرتبه، وقد أوصته زوجته في الصباح بطلباتٍ للبيت والأولاد، وفي طريق العودة، يُرهقه حلّ المعادلة الصّعبة بين طرفين: مُرتّبه المحدود، ومطالب الحياة، لكنَّ صعوبة المعادلة تهون إلى جانب ما حدث له، لقد حدثته نفسه – وهو يرى التُّفاح أحمر لامعاً – أن يشتري بعضاً منه، لكنّه طرد الوسواس موحياً إلى  نفسه بأنَّ التفّاح مرّ الطعم، ثم جذبه منظر التلفزيون الأنيق في محلٍ للأدوات الكهربائية، وخرج من دائرة جاذبيته ببراعة حين تذكر قول صديقه “النظر إلى الأعلى يُسبّب آلاماً في الرقبة”، لكنَّ التفاح الأحمر اللامع تحدّاه مرّة أخرى في محل قرب منزله، فقرر أن يشتري كميّة قليلة لأولاده على أن لا يتذوقه، وبعد تعبئته في الكيس، مدَّ يده لإخراج الثمن، فلم يجد المرتّب في جيبه.

وعن البطالة وآمال الشباب الضائعة يتحدَّث المُؤلف في ثالث قصّة ، ويمكن التعرف عليها من هذه اللقطات:

  • “ها أنذا أمارس الصعلكة الفضلى، أجوب شوارع المدينة للمرّة الألف بعد الألف، …خمس سنوات من التّعب والدراسة جاءتك أخيراً بشهادة، لكنّها أمستْ جزءاً من ديكور المنزل”.

  • “التقفت الجريدة اليومية من البائع، قلبتها، نبشتُ كل عناوينها”.

  • “تعوَّذتُ بالله من الشيطان الرجيم، ومن هذا اليوم الذي لا يبدو أحسن من البارحة…تابعت التصفّح وفي ركن مهجور من الصفحة الأخيرة وجدت مطلبي. سجّلت العناوين على ورقة، وأسرعت للمقابلات..”.

  • “متأسّف يا أستاذ، لم يعد هناك شواغر…..، مؤهلاتك يا إبني غير كافية في شركتنا….، نحتاج إلى خبرة خمس سنوات…، هل تملك سيارة خاصة..؟ “.

  • “ها أنذا أجلس الآن بلا فائدة، أنسحق كل لحظة تحت وطأة الإحساس باللاجدوى والتفاهة..آه….نفثتها بقوة، فخرجت من الأعماق طويلةً وذات نزيف لا مرئي حاد…”.

  • “ليلة البارحة جاءتني صفاء..وليتها لم تأت، قالت بتلكؤ: جاء شابٌّ لوالدي يطلب يدي..عريس لديه سيارة وشقّة وفلوس..،وانخرطتْ تنشج بحرقة”.

ولا يجد الشّاب اليائس سوى الأحلام، فيحلم بزمن قديم ولى، كان المُنادي يسير في شوارع دمشق أو بغداد، أو الأندلس، ويقرأ من رقعةٍ في يده:

“أيّها النّاس…أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين يقول لكم جميعاً: من كان جائعاً أطعمناه، ومن كان بلا بيتٍ أسكناه، ومن كان عليه دينٌ سددناه..، ومن كان أعزب زوجناه”.[1]

والطريف أنّ البطل  – وهو في حلمه اللذيذ – لم ينس حبيبته صفاء، لقد عرض عليه الخليفة مئات الجواري من كل جنس ليختار زوجة، فاختار صفاء.

وفي رابعة المجموعة يعرض الكاتب لعادة شعبية لم تندثر بعد رغم كل ما بذل في محاربتها – عادة إطلاق الأعيرة النارية في الأفراح – دلالة على الابتهاج، وتلك العادة تنتشر في ريفنا المصري أيضاً، وكم وقع بسببها من ضحايا، لكن المفارقة الفاجعة عند “القيسي” في هذه القصة أنَّ الضحية هو العريس نفسه صاحب الفرح، الذي كان منذ لحظة شاباً يتفجّر بالحيوية.

وهنا نصل إلى أطول قصص المجموعة – خمسة عشرة صفحة – واختار لها “مخاص الأيام العواقر” عنواناً، وموضوعها الرئيسي هو التحولات الطارئة على المجتمعات العربية، والتي يصرح المؤلف بعدم رضاه أو اقتناعه بها، لأنَّها شكلية ولا يصحبها تقدّم حقيقي. لقد حولتنا إلى مستهلكين لبضائع الغرب من سجائر ومبيدات وأغذية محفوظة، وتتميز القصّة علاوة على طولها – بتكنيك مُختلف – إذ قسَّمها إلى أربعة أجزاء، وأعطى كلا منها عنواناً، مُتناولاً فيه حلقة من الموضوع العام.

1 – الهواء المدهون بالأسود: ويحكي فيه ما حدث بمنزلهم حين انقطع التيار الكهربي بإحدى الليالي.

2- المساءات الميّتة: وهو مقارنة بين أيام الطفولة الجميلة المُسلية، وبين مساءات مُملة تثير السّأم والاختناق في الحاضر.

3- اللوكس وأشياء أخرى: واللوكس هو وسيلة إضاءة نعرفها في مصر باسم “الكلوب” والمؤلف يتحدث عن اللوكس بإسهاب شديد، وبحبّ وحنان، فهو رمز للماضي قبل أن يجرفنا تيار المدينة الغربية الخادعة.

4- سؤال أمي الصَّعب: وفيه يتحدّث عن الانتفاضة الفلسطينية بعد ظهور لقطة عن أطفال الحجارة على شاشة التلفاز.

ومن المفارقات الفكهة قول الأب حين قُطعت الكهرباء: “راح علينا المُسلسل البدوي”، بينما تقول الأم: “راحتْ علينا المُصارعة”.

وكما نُشير في قصصنا المصرية إلى ما لحق حياتنا من تطورٍ زائفٍ قضى على انتاجنا الوطني، وحولنا إلى كسالى ننتظر ما يأتي من الغرب، فكذلك بطل القصّة يُحصي ما أحضره من طلباتٍ: لحمٌ بلغاري مفروم، وعلب فول وحمّص، وجنبة لافاش كيري، وسألته أمّه  عن كرتونة البيض “ارتسمت على وجهي نصفُ ضحكة باهتة مُرّة، حينما خطر ببالي البيض الذي كنت أجمعه كلّ صباح من “الخُم” الذي كانت تنام فيه دجاجاتنا المشاكسات”. [2]

القصّة السّادسة من النّوع الرمزي، عن العرب وإسرائيل، “يوسف” رمزٌ لفلسطين، والذّئب هو إسرائيل بالطبع، وإخوة يوسف هم العرب، وأظنّه يرمز بالأخ الصغير “سليمان” إلى الأردن. وهي لا تعد قصة بالمعنى التّقني، فليس فيها مواقف وأحداث وتطور، لكنّها فضفضة على لسان البطل، واستغلال للرموز الدينية والتاريخية لعرض القضية من وجهة نظره.

وهو يستوحي القُرآن أيضاً، ويفيدُ من الرّموز الدّينية في القصّة السّابعة، وقد عنون بها المجموعة “الولوج في الزّمن الماء” وفيها أربعة عناوين جانبيّة:

ما قبل: يكتبُ بعده عدّة سُطور، ثم فاتحة، وبعد سطرين ولوج، وقبل نهايتها ما بعد، وأسطر ثم خروج تليه ثلاثة أسطر.

وفيها يشير إلى عصيان إبليس لأمر الله، وتوعّده أن يُغوي بني آدم، وكيف نجح في إغراء الكثيرين أمّا المُفاجأة التي يُقدّمها لنا المؤلف هنا فهي تفوق الإنسان المُتجبّر على الشيطان في اختراع وسائل التّعذيب والتنكيل، والتفنّن في ألوان الإيذاء للبشر الذين وقعوا تحت سلطته، حتّى إنّ الشيطان الأكبر “إبليس” يصرخ بعد أن سمع منه سجلاً بأعماله ” إنّي بريء ممّا قال هذا وإنّي إخاف الله ربّ العالمين”.[3]

 أمّا في “الكلام غير المُباح” فنلتقي بشاعرٍ فقيرٍ عذّبه الجّوع كما عذّبه منظر “الدّجاج المَشوي ذو الجلد الذهبيّ اللامع” ثم يلمحُ سيّدة شقراء فاتنة تجرُّ كلباً أنيقاً جميلاً بادي الصحّة، فيتذكّر كيف أخطأ يوماً فدخل متجراً كبيراً يزدحم بالعلب الملونة، والأكياس المرتبة ليشتري علبة تبغ ، وتبيّن أنّ المحلّ مُتخصّص في طعام القطط والكلاب والأسماك..الخ، ثمّ يتخيّل أنّ الشّقراء دعتهُ لإلقاء قصيدة في حفلٍ تُنظمه جمعية الدّفاع عن الكلاب، وفي الحفل رأى أنواعاً وأحجاماً وأشكالاً من الكلاب الجميلة النظيفة الموفورة الصحة، ترتدي ثياباً فاخرة، وتأكل الجلاس، وتُدخّن البايب.

بدأ القصيدة بغزل للكلابِ ومدحٍ فنبحتْ استحساناً، وصفّقت إعجاباً، وهوهوت تقديراً، ثم عدل عن النفاق والملق فلعن الكلاب وسبّها، وهنا أحاطت به تعضّه وتنهش لحمه، وأشعلت النيران كي تشويه مثل الدّجاج الذّهبي اللامع.

واضحٌ أنّ القصة رمزيّة، تسخرُ ممّا يحدثُ في “زمن الشّقلبة العجيب” كما سمّاه المُؤلف في الإهداء، لقد اختلطت الأمور وانقلبت المعايير، فوجدت الكلابُ طعاماً فاخراً، ورعاية حانية، ورفاهة وتدليلاً،  ونهش الجوع بأنيابه أبناء الإنسانية – خاصة إذا كانوا مثقفين وشعراء – هذا هو ظاهر الرمز، لكنّنا لو أعدنا القراءة مقرنين الرمز بالعنوان “الكلام غير المباح” فيمكن تأويل القصّة بأنّها إشارة للنفاق والمداهنة، فمن تملق وراوغ وكذب حظي بما يبغي من نعيم ورفاهة وثراء ومن قال الحقّ وصالحَ بالنّقد وصدق في الرأي، ناشته المخالب والأنياب، وقديماً جدّاً في العصر الجاهلي قال الشاعر الكبير “زهير بن أبي سلمى” ولا يزالُ قوله صادقاً:

ومن لم يصانع في أمور كثيرة

يضرَّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم

 نصل أخيرا، وقد نال منا الحنق والغيظ، ومزقنا الاحباط والعجز، نصل لاهثين إلى آخر قصص المجموعة، إلى “اللاهثون” ويقصد باللهاث سرعة النبض، وتلاحق الأنفاس، والعرق الغزير نتيجة جهد غير عادي أو ثورة واضطراب. إنَّ البطل يتحدّث عن نوبةٍ مرضيّة تعتريه بين وقتٍ وآخر، رغم أنّه سليم تماماً، ولا يشكو أيّ خللٍ في جسمه، ونصحهُ الطّبيب الباطني باستشارة طبيبٍ نفساني، وعندما بدأ يشرح أعراض النّوبة ومقدماتها، أو ما يحدث قبلها ويكون سبباً في مجيئها: إنّها الأخبار والأسعار وأقمار التجسّس والنّساء المُبتذلات، ثمّ من أسبابها كذلك ما يراه من تحقّق نبوءة غاندي محرّر الهند وزعيمها “ويلٌ لأمّةٍ تأكلُ ممّا لا تزرع وتلبس ممّا لا تغزل” وهو ما نجح الاستعمارُ القديم والحديث في صُنعه ببلادنا، لقد حوّلنا إلى مُستهلكين لمزارعه ومصانعه حتّى نظلّ طوال الوقت مشدودين لعجلته، يسوسنا بتلك الحِكمة القديمة “جوّع كلبك يتبعك”، وأصبح الجميع لاهثين خلف لقمة العيش ومطالب الحياة، هذه القصّة تشبه أولى قصص المجموعة من حيث أنّ المشاكل والهموم والغيظ الناشىء عن فشل الإنسان في تحقيق طموحاته في وطن آمن متقدم وحياة هادئة على قدر معقول من الرفاهة والسّلاسة، كلُّ ذلك يصيب الإنسان – خاصّة إذا امتلك قدراً من الحساسيّة والوعي – يُصيبه بأمراض نفسيّة مُتعددة لها أعراض الأمراض الجسميّة تماماً.

عن اللغة

من المنطقي بعد أن عرفنا قضايا يحيى القيسي عبر هذه المجموعة أن نتوقع لغة خاصة، وهي هنا لغة ثائرة متحفّزة تدلّ على إنسان معذب مهموم، إنّهُ يُصرّ بأسنانه، ويُلقي بالكلمات كأنّه يُسدّد لكماتٍ إلى من يُسبّب له هذا الألم والتوتّر، لغةً أشبه بقوسٍ مشدودٍ مُستفزٍ، إنَّ الكاتب يضغطُ على الحُروف ويقطّع الكلمات، ويكرّر بعض المقاطع، تماماً كحركاتِ الإنسان العصبيّ حين يعبر عن سخطه ونقمته، لغة البراكين التي تقذف بالحمم اللاهبة، عساها تُنبه الغافلين، أو توقظ السادرين في غيّهم.

والمؤلف يستخدم ألفاظه بدقّة وحرصٍ واعتدالٍ، لا تجد في أسلوبه ثرثرةً متزيّدة، أو فضفضة بلا ضرورة، كما لا تجد شحّا ًوضيقاً ينتهي إلى إيجاز مُخلّ أو تقصيرٍ عمّا يلزم.

إنّهُ يعمدُ إلى التركيز والتكثيف، ويبتعدُ عن السَّرد المُملّ والتّفاصيل الصغيرة، ومع ذلك فهو يُعطيك صورةً واضحةً كاملةً لما يريد.

ورغم أنّه يكتب بالفُصحى – وتلك إيجابية هامّة تجعلُ قصصه مقروءةً مفهومةً عند كلّ من يقرأ العربيّة – إلا أنّ كتابته بالفصحى لم تمنعه من اللجوء أحياناً إلى كلمات محليّة بسيطة، أو ألفاظ أجنبية تسللت إلى العربية العاميّة وصارت مفهومة لدى الجميع، ولعله لجأ لهذه الكلمات المحليّة القليلة والأجنبية السّائدة تمشّياً مع الطابع الواقعي لقصصه، وإضفاء لنبض الحياة اليومية المُعاشة، فإذا كان أغلب أبطاله بسطاء شعبيين، فلا غرابة أن تجد لفظة محليّة، وأن تتردّد كلمة أعجمية معربة بين صفحة وأخرى.

والملاحظة الثانية: هي أنّ لغته – رغم كونها فصيحة مفهومة من أيّ قارىء للعربيّة – إلا أنّها لا تستغرب من أبطاله الشعبيين البُسطاء حين يتكلمونها، ولا تبدو مفروضة أو مُقحمة، فنحنُ لا نتوقّف ولا نندهش حين نسمع الأم التي لا تقرأ ولا تكتب، تعقّب على مشهدٍ لأطفال الحجارة قائلة:

” آخ……آخ….يا عيب العيب……يا خجل الخجل..لم يبق هناك رجال”، أو قولها في لحظة الانفعال والثورة “متى إذن سيتفق العرب ويهجمون على اليهود الملاعين..؟”.[4]

وكذا قول الزّوجة – وهي أميّة غالباً – في القصّة الأولى ” أريد أن أعرف رأيك بالكعك الذي عملته”. [5]

والأمر راجع في تصوّري إلى أن المؤلف يختار لغةً سهلةً غير متوعّرة أو مُتحذلقة، ومن مزايا لغتنا الجميلة أنّها ذات مستويات عديدة، وكلها مُعبرة وبليغة، كما أنّه يكتبها بمهارة وانسيابيّة، لأنّه مُحبّ لهذه اللغة ومقتنع بها ومجيد لها، وهذه الملاحظة مضافة إلى ما قلته في التقديم حول أبيات امير الشعراء، أهديها لمن يدعون للعامية:

وثالث الملاحظات اللغوية هي تأثير الأسلوب القرآني في لغة القيسي، وخاصة في القصتين السّادسة والسّابعة، ولعل مردّ هذا التأثير هو استيحائه لقصّة “يوسف” في الأولى و “إبليس” في الثانية، فنحن مثلا نجد هذه العبارات:

“هكذا أنتم كلما وقفت بينكم لأكلمكم استنكرتم واستكبرتم”. ص 52

فما جئتكم إلا لأبلغكم رسالة وليكم” ص 52

لأنصرنك يا أخي على الذئب رغم كل الخاذلين“. ص 54

يا قوم استيقظوا من سكرتكم ” ص 56

أنا هو الهابط لأجل آدم من عليين إلى أسفل سافلين” ص 60

لأقعدنّ لأبناء آدم كلّ مرصد” ص 60

لعلنا نغويهم أجمعين” ص 62

يشيب لهولها الصبيان وتضعُ كلّ ذات حملٍ حملها ” ص 62

ولأنّه مغيظ محنق، تثيره السلبيات التي يراها، ويحنقه العجز عن تقويمها، لذلك يضغط على كلماته، أو يمدّها ويطيلها، أو يقطعها ويبتر بعض حروفها، وكلّ ذلك حسب الموقف الذي يصوره، مثلا:

“محمووووووود…..محموووووووووووووووود ” ص 9

“أخخخخخخخخخخخخخخخ” ص 36

“اللعنة ..اللعنة …الـ لـ عـــ نــــ ة” ص 56

“ســ …أ…نـــ….ا….مممم” ص 57

“شــ……ه..يــ..ق..زفيرررررررررر” ص 74

“بكرة العيـــــــ…” ص 6

“ما زال خطر المجاعة يهدد المناطق الـــ” ص 9

“يا دكتـــــــ……….” ص 57

وللكاتب مجموعة من الكنايات والتعبيرات الأنيقة الدقيقة المتميزة يمكن أن نمثل لها:

الكتلُ البشريّة تموّج في الأسفل، تماماً مثل قبائل نملٍ مُستنفرة؟

“الكتلُ الحديدية تمرق مثل سهامٍ طائشة في شتّى الاتجاهات” ص 5

سقف الغرفة المجدور ببقع داكنة من الرطوبة” ص 7

صارت الكلمات الرخيصة تخرج مبعثرة هشة، فترتطم بشدة على حائط لا مبالاتي وتتهشم إلى أشلاء صغيرة ” ص 8

رأيت ملامح وجه أبي المتبرّم وهي تبرز من خلال الشقّ الهائل لجدار الظلام الأسود، والذي أحدثته الشعلة المنطلقة من قدّاحة الغاز” ص 37

عيناكَ تحسُّ بهما وقد تحولتا إلى حصاتين في موقدٍ يشتعل..والسائل النّاري يزحفُ متعرجاً فوق صفحةِ وجهك الكئيب” ص 30

تضغط زرّاً مزروعاً على جانب الجدار فيداهمك الضوء من كلّ الجهات” ص 33

تعصرك الأحاسيس القاتلة بشدّة، وتُهاجمك كلّ الصور دفعة واحدة مثل خفافيش متوحشة” ص 36

وما أوجع السخرية في تعليق الأب البسيط على نشرة الأخبار:

“مفاوضات..مناورات..مناوشات..تحقيقات..تخفيضـات..هجرات…ثورات..انشقاقات…انقسامات..انهزامات..اعتقالات…اغتيالات..مشاورات..اجتماعات..بيانات” ص 42

ولاحظ أنّ ما تمخّض عنه الأمر في النهاية هو “بيانات” ثم:

آه يا جماعة الخير لو تعرفون ما جرى هذه الليلة حينما لطمت وجوهنا الشّاشة المُتوهّجة بصور مُفجعة حزينةٍ عن الصّامدين وحدهم مُنذ ثلاث سنوات، هناك خلف الجبال الغربية البعيدة للقرية..أطلّ المُذيع الأنيق الناعم قائلاً:

عاشت الانتفاضة الباسلة..عاش أطفال الحجارة الأبطال… ص 50

ويقول معلقاً على انفعال أمّه لمشهد أطفال الحجارة وتساؤلها عن تحرك العرب للدفاع عن وطنهم “وقتها يا جماعة، انهار العالم أمام ناظري، كوّرت قبضتي ولطمت وجه الهواء، ثم خفضتُ رأسي خزياً أمام نظراتها التي صارت تلهبني مثل سياطٍ ناريّة، وتمنّيت لو أنّني أتقزّم حينها إلى مثلِ فأرٍ صغير يخترقُ ثُقباً ما في الجدار، أو تنشقّ الأرضُ وتبتلعني في جوفها فأهوي إلى اللاقرار“. ص 51

الجوع كافر يا مسعود، والمدينة كافرة، بشوارعها، بالتواءاتها، بازدحامها الكثيف، وبمطاعمها التي تخبىء وراء واجهاتها الزجاجية أكواماً من الدجاج المشوي ذي الجلد الذهبي اللامع، والدّهن الذي يقطرُ منه، وتلالاً من الأرز المعصفر فوقها كميّة من اللحم المكتنز، والقادرة على إشباع قبيلة بكاملها“. ص 65

ولا بأس من التقاط هذه السخرية اللاذعة في كنايات القيسي، وهي من آخر قصص المجموعة، إنه يذكر أحد الأسباب التي تصيبه بنوبه اللهاث:

إغفر لي تطاولي واسمح لي هذه المرّة، فقط هذه المرّة: ماذا أفطرت هذا الصباح؟ سؤال تافه حقاً..ها..لا بدّ: جبنةٌ من فرنسا، زبدةٌ من ألمانيا، مربّى من بلغاريا، وخبزٌ قمحه من أميركا..جيد إلى هنا..أنظر إلى ما تلبس: ساعة يابانية، وقميص من الصين، بنطلون صناعة تايوان، حذاء إيطالي، ولا بدّ يا دكتور – وأعذرني على ذلك – بأنّ ملابسك الداخليّة مصنوعة في أرض الفلامنكو، وقبل أن تأتي للعيادة رششت جسدك بعطر باريسي نفّاذ، ثم ركبت سيارتك الألمانية..لا ….لا …لا يا دكتور، لا تحاول إقناعي كالاقتصاديين عن الاستهلاك وترشيده، والصادرات والواردات، والعجز والتضخّم، وهجرة الكفاءات، والبنية التحتيّة والفوقيّة“. ص 74

ولأني فرحت بهذه المجموعة، وأتمنى لكاتبها كل نجاح وتطور، لذلك لا أرى حرجاً في تصحيح بعض الهنات اللغوية كي يصل أسلوبه المميز الدقيق لأقرب درجات الكمال والجمال.

“نهضت من على السرير الذي كنت قد هويت عليه” ص 5 ألا يمكن حذف أحد حروف الجرّ الثلاثة؟

“دلف ابني باب الحجرة” ص 5 تحتاج (من باب الحجرة).

“يمرق من ذاكرتي إلى أمام ناظري” ص 21 يمكن الاستغناء عن “إلى”.

“ويكون لجهنم حطاماً” ص 60 المفروض : حطباً

“الجبال الغربية البعيدة للقرية” ص 50. الأنسب “عن القرية”.

” شم ولا تذوق” ص 65، الصحيح تذق فهي مجزومة بلا الناهية.

“تبثقه من شفتيك” ص 67 تبصقه، وربما كان خطأ مطبعياً.

“تملؤها الطاولات” ص 68  ربما كانت مطبعية أيضاً.

“المتحكم بأرقاب العباد” ص 57 الصحيح برقاب العباد.

“شعاع الشرور” الشعاع إضاءة وهداية فلا يأتي مع الشرور، خاصة أنّه كان يصف إبليس”، فلا تطاله باللعنة” ص54 الأصح “تطوله اللعنة”.

وبعد،

إنّ هذه المجموعة ومثيلاتها من إبداع الأدباء العرب، الذين يدركون – دون توجيه أو فرض – رسالة الأدب في الحياة والناس، ويلتزمون – بلا إلزام – بهموم مجتمعهم، وقضايا أوطانهم، هذه المجموعة ومثيلاتها أجراس تنبيه تدق في جلبة وعنف عساها توقظ الغافين أو الغافلين من الشعب والحكام جميعاً.

ورغم روح اليأس والاحباط التي تتمشى في المجموعة والتي انداحت إليها من نفس المؤلف المؤرقة المهمومة، إلا أنّ بارقة أمل لا تزال تخايله وتتمثل في الإهداء الذي يعكس إيمانه بوجود فئة صالحةٍ من “الثابتين على الحق في زمان الشقلبة العجيب” ربّما استطاعت بارقة الأمل أن تفرض هذا الحقّ يوماً.

الكتاب: في القصة القصيرة والرواية : قراءة وتحليل ونقد

د. إخلاص فخري عمارة

مكتبة الآداب – القاهرة – الطبعة الأولى 1992

  

[1]  الولوج في الزمن الماء – ص 27
[2]  الولوج في الزمن الماء – صفحة 41
[3] الولوج في الزمن الماء – صفحة 64
[4]  الولوج في الزمن الماء  – صفحة 50
[5]  السابق – صفحة 10

شاهد أيضاً

رواية «سماء مغادرة» لمنال رضوان.. سياق إنساني مشحون بالخوف الوجودي وتداعياته

رواية «سماء مغادرة» لمنال رضوان.. سياق إنساني مشحون بالخوف الوجودي وتداعياته همت مصطفى صدرت الرواية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *