(ثقافات)
قِراءَةٌ في قَصِيْدَةِ شَخْصِيَّةٍ شِعْريَّةٍ مُرَمَّزة
“فَعَلَهُ صَغِيْرُهُمْ هَذَا عَنَانْ”
عبد الرَّحمن بسيسو
(1)
هذه ثالثُ ثلاثِ قصائدَ كُرِّسَتْ لهذا الـ”عَنَانْ” ضِمْنَ كتابٍ شِعريٍّ صَدَرَ مُؤَخَّراً للشَّاعر صلاح أبو لاوي عن دار الفينيق للنَّشر والتَّوزيع في عَمَّان. وإذْ حَملَ هذا الكِتَابُ عُنوانَ هذه القصيدة: “فَعَلَهُ صَغِيْرُهُمْ هَذَا عَنَانْ”، فإنَّ في هذا إلماحٌ إلى كونِها “قصيدةً واسِمةً”. ومَع أنَّها ثالثُ ثلاث قصائدَ كُرِّست في هذا الكتاب لـ”عَنَانَ”، فقد كان للقراءة المتكررةِ، والمتعدِّدة المداخِلِ والمُستَويَاتِ، لهذه القصيدة، سواءٌ في انفصالٍ عن القصيدتين الأخريين المُكرستينِ لـ”عنَانَ” وعن القصائد الأخرى التي يحتويها الكتاب، أو في تَفَاعُلٍ سياقيٍّ مع كليهما، أنْ تُوفِّرَ مِنَ المُعْطياتِ والمسوِّغات الرُّؤيويَّة والجماليَّة ما يُؤهِّلِنا لاعتبارها، من منظورٍ نقديٍّ رصينٍ، قصيدةً واسِمةً، جديرةً بأنْ تَسْتَقِلَّ بِمُقارَبَةٍ قرائيَّةٍ نقديَّةٍ نأمُلُ أنْ تَتَمَكَّنَ من إلقاءِ أضواءِ إشْعَاعِها على هذا الكتابِ الشَّعريِّ بأسره، لِتكونَ، بدورها، قراءةً نقديَّةً، رؤيويَّة وجماليَّةً، واسِمَةً على غِرار القصيدةِ التي قاربتْهَا.
جَدَلُ صَوتينِ وبَوَّابَةُ غَيمْ
تنفتحُ القصيدةُ المُعنونَةُ بـ”فَعَلَهُ صَغِيْرُهُمْ هَذَا عَنَانْ”*على صوت جَمْعيٍّ ينطقُ ضمير المتكلم الجَمْع، معلناً على الملإِ أنَّهُمَا: “خُطْوتانِ ونفتَحُ بَوَّابَةَ الغَيمِ”، فلا نكادُ نَتَسَلُّم هذا الإعلانِ الموجز، حتَّى نُصْغِي إلى صوتِ ذاتٍ مفردةٍ يأتي من قَلبِ هذا الملإِ على نحوٍ يشي بأنَّها ذاتٌ مِنْ صُلْبِهِ، ومنخرطَةٌ مَعَهُ، بِكُلِّيةِ كينونتها المُفردةِ المُلْتَحِمَة به، في فعل جمعيٍّ يستهدف فتح “بَوابةِ الغَيم” التي أَعْلنَ الصَّوتُ الجَمْعيُّ أنَّ خُطوتينِ فقطْ هُمَا المُتبقيِّتانِ ليُتَمَكَّنَ الجَمْعُ من فَتْحِ “بَوابَة الْغَيْمِ”.
تُخَاطِبُ هذهِ الذَّاتُ المُفْردةُ صَاحبَ الصَّوتِ الجَمعِيِّ، مُصَدِّقَةً بِقَوْلِها قَولَه، وطالبةً إليه أن يتمهَّلَ: “قلتُ تَمهَّل”، ومُسَوِّغةً طلبها هذا بأنَّ خَلْفَهُ؛ أي خلف صاحب الصَّوت الجمعي، لم يزل”صيفٌ عَجُوزٌ يجُرُّ عَصَا السِّنديانْ” مجرجراً قدميه صوب هُوِّةِ هاويةٍ مهيَّئةٍ لسِقُوطِهِ، وكأنَّي بها تدعوه لأنْ يَتمَهَّلَ قليلاً حتَّى يكتَمِلَ رحيلُ هذا الصيف الهجيري الجدب الشائخ باكتمال سُّقوطه في تلك الهاوية، باعتبارِ أنَّ اكتمال هذا الرِّحيلِ شرطٌ ضروريٌّ، قد يَكُونُ هو أوَّلُ خُطوةٍ من الخطوتين المتبقيتين اللازمِ خَطوهُما من قِبَلِ الجَمع، لإحداثِ التحوُّل الحقيقيِّ من أزمنة العُقْمِ إلى أزمنة الخُصُوبة الآتية مع مجيء أزمنة الغيم الُممطرِ، فيما سيكونُ “كسرُ الحِصَار” هو ثاني هاتين الخطوتين واجبتي التَّحَقُّق للتَّمَكُّنِ منْ فتحِ بوابةِ الغَيم، أو رُبَّما قَبْلَ اتِّخاذِ قرارَ الإقدامِ على فَتْحِهَا والشُّروعِ في تنفيذه؛ إِذْ “لَمْ يَعُدْ في الحِصَار سِوى كَسْرُ هذا الحِصَا رْ”.
وفي ضَوء هذا التَّأْوِيلِ الذي نختاره لقراءة مدلوليِّ هاتينِ الخطوتينِ، كَدالَّين مَفْتُوحَينِ، بطبيعة الحال، على تأويلاتٍ قرائيةٍ قد تأتي بمدلولينِ آخرينِ أو أكثر، فإننا نقرأُ صورة الصَّيف العجوز الذي يجر عصا السِّنديان على نحوٍ يجعلها تشملُ، من حيث مدلولاتها، كدالٍّ رمزيٍّ مركّبٍ، كُلَّ ما أحاط بفلسطين وقضيتها من قحطٍ وجدبٍ وخرابٍ، على أكثر من مجال ومستوى وصعيد، ولا سيما في العقود الأربعة، أو حتَّى الخمسَة، الأخيرة، فِيْمَا نقرأُ مسألة الحصار وكسره، بشمولية لا تقصره على الحصار التَّوحُّشي الخَانِق، الكُلِّيِّ والمديد، والمضروبِ من زمن بعيدٍ حولَ قطاع غزة وعليه، وإنما توسعه ليَشْمُلَ كل حصارٍ من أي نوعٍ أو لون، ومن قِبَل أي قوة غاشمة، أو نظام سياسيٍّ، يُفرضُ، بالإرهابِ والقَهْرِ وبأيِّ وسيلة من وسائل الإرغام، على الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة، وفي مخيمات اللُّجوء، وفي أي صقعٍ من أصقاع المنافى الموزعة على أربع جهات الأرض.
ومع أنَّ صوتَ الذَّاتِ المفردةِ، الذي نُرْجِعُ إحالتَهُ إلى “الذَّاتِ الشَّاعرةِ” لِعَدم وجود مُسَوِّغٍ أسلوبيٍّ يُحيلُ هذا الصَّوت إلى سواها، قد طلبَ من صاحبِ الذّاتِ ناطقِة الصَّوت الجمعي، الذي هو، بدلالة عنوانِ القصيدةِ، “عَنَانْ”، أن يتمهَّل، للأسباب التي بينها لَهُ على نحوٍ رمزيٍّ، والتى اخترنا تأويلها، دلالياً، وفق ما ما تقدمَ قولهُ، فإنَّهُ يُسَارعُ إلى ترميزهِ عبر تشبيه يُخاطبه به: “وأنتَ الحِصَانُ”، أي أنت القُوَّةُ الكفيلَةُ بكسر كُلِّ حصارٍ، والقفزِ فوقَ كُلِّ حَاجزٍ، وتَخَطِّي كُلِّ العراقيل. وفي هذا الوصف ما يشي بأنَّ صوتَ الَّذات الشاعرة يَقْصُر التمهُّلَ على الوقت الضروري اللازم لإتمام تلكما الخطوتين لا أكثر، لأنَّ في تمدُّد زمن التَّمَهُّلِ ضياعٌ للأرض، وسَحْبٌ لها، حِفْنَة حِفْنَةً، من تحت قدميِّ هذا الحِصَانِ الثَّائرِ المُتَوثِّبِ:
“كُلَّما نقَصَتْ حِفْنَةٌ تحتَكَ الأرضُ،
سَالتْ على خَدِهَا نَجْمَتَانْ:
نَجْمَةٌ للبعيدِ،
وأُخرى لما ضَاعَ ما بينَ صَارَ وكَانْ”
فمن ذا يَكُون هذا الـ”عَنَانُ” الذي تُسْلِمُ “الذَّاتُ الشَّاعرةُ” إليه، باطمئنانٍ راسخٍ وتمام ثِقَةٍ، مقاليد الأمور، والذي عليه تعقدُ الأمَلَ، إِذْ لا ترى في سواه قوَّةً واعيَةً، قادرةً على بلورة رؤىّ، وعلى اجتراح أفعالٍ مُخطَّطٍ لها بإتقانٍ لتنهضَ باجتثاثَ أسباب كُلِّ قحط وجدب وخرابٍ من جذورها العميقة، وبكسر كل حصاٍر مُهْلِكٍ، قبلَ أنْ تَتوجَّه، بكامل وعيها وإرادتها وقُوَّة فِعلها المُغَيِّر، صَوب “فَتْحِ بَوَّابَة الغَيْمِ” لِتُمَكِّنَ أمطارَ الخِصْب والتَّجدد الدَّائمين مِنَ الهُطولِ؟
مَنْ ذَا يَكُونُ هَذَا الـ”عَنَانُ” ؟
من ذا يكون هذا الـ”عنَانْ”؟ وكيف تَصُوغُ القصيدةُ هُوِيَّتًهُ فيما هِيَ تُبْلْورُ مُكَوِّنَاتِهَا الجوهَريَّةَ؟ وكيفَ تُجَلِّي صيرورة تحقُّقِه في هذه القصيدة كشخصيَّة شعريَّةٍ رامزة يتواصلُ ترميزها عبر سلسلةٍ متفاعلة من الصُّور الشِّعريَّة، والإشاراتِ الدّالَّة، والرُّموزِ، التي يجري تعميقها من خلال بؤر تَناصٍّ ظاهرة جلية، أو مُضْمَرة خَفِيَّة، تشيرُ بِجلاءٍ أو تومئُ بِغُمُوضٍ مُحَفِّزٍ على التَّبَصُرِ، إلي مورانِ أنماطٍ أصلية، ورُموزٍ كُبرى، في قاع نصِّ القصيدة المَقْرُؤة، وذلك على نحو يُمْلِي على قارئيها اعتمادَ قراءةٍ أُفقيَّةٍ ورأسية متعاقبتين ومتداخلتينِ ومُتَواشِجتينَ طوال وقْتِ القراءةِ، ليتمكنوا، كقراءَ خَلَّاقِينَ مُتَفَاعلينَ مع كل مكوناتها، من الهُبُوطِ، رأسياً، من سَطْحِ نسيجها النَّصِّي المفعم ببؤرِ التَّناصِّ تِلْكَ، إلي أبعدِ أغوارِ قاعها العميق، ومنه، وهم مُحَمَّلُونَ بما التقطتْهُ بَصائرهُم العارِفَة من مكتنزاته الدَّالة، صُعُوداً، صَوبَ سطحها، ليُتابِعوا صعودهُم، عَبْرهُ، وقد أمْسَكُوا بأيدي بَصائرهم خيوطَ العلاقة التَّفَاعُلِيَّة المُتَبَادَلَة ما بينَ سطحِ القصيدةِ وقاعِها، صَوْبَ فضائها الدَّلالي المُتَراكِبِ، المُتَشَعِّبِ الخُيُوطِ والشَّبَكاتْ، وهكذا دواليك؟
فلنتابعُ القراءةَ إِذَنْ، مُعْتَمِدينَ إجراءاتِ هذه الآلية القرائية الأُفقيَّة الرَّأسيَّة التي أملتها القصيدةُ نَفْسُهَا، عَلَّنَا نَعثرُ على ما يفتح أُفُقَ، أو آفَاقَ، إدراكِ إجاباتٍ مُمْكِنَةٍ عن هذه الأسئلة، وعن ما قد ينبثق عنها، كما عن إجاباتها المُمكنَةِ والقابِلَة للوجودِ الفعليِّ ، من أسئلةٍ ولَّادةٍ، ومِنْ فُروضٍ قابِلَةٍ للتَّأْصِيْلِ والتَّبَصُّرِ النقديِّ، والفَحْصْ.
وبحَسَبِ تصورنا لتوزيع القصيدة إلى سلسلة مقاطع ومتتاليات شعرية** يتجلَّى حضورها فيها وفق معايير رؤيوية وجمالية تَمَّ لنا استنباطُهَا منها، سَنَجِدُ أنَّ المتتاليةَ الشِّعرية الأولى من ثاني مقاطعِ هذه القصيدةِ ستشرعُ في مناداة “عَنَانْ”، بصيغة النِّداء الحميمة: “يَا عَنَانْ”، وهي الصِّيْغَةُ التي ستتكرر ستَّ مراتٍ، بحيث يمكننا، في ضوءِ تمايز مُعطياتِ شبكات الدلالة التي تبثها الأسطر الشعرية والمتواليات التي تقع ما بين صيغة نداء وأخرى من هذه المتكرِّرات الستة، اعتبارَ النَّصِّ الشِّعريِّ الواقع بعد كل صيغة نداءٍ مقطعاً شعريَّاً تتعدَّدُ المتتاليات الشِّعْريَّةُ التي تكوِّنُه، ويتباين، أو يتماثل، عدد أسطر كل متتالية مِنْهَا في تراوح ما بين سطرٍ واحدٍ وما هو أكثر من سطرٍ، لنكون إزاء قصيدة تَتَكَوَّنُ من سبعةِ مقاطع.
في المقطع الثاني، الذي افترضنا تكَوُّنُهُ من أربع متتاليات شعرية، ستتابعُ الذَّات الشاعرةُ مخاطبة قرينها “عَنَانَ” الذي هي أيضاً قرينتُهُ، مُفْتَتِحةً خطابها بندائه: “يا عَنَانْ”، لِتُفْصِحَ له عن رؤيتها للزَّمانِ الذي تراهُ لَعُوباً، مُخَادِعاً، لا يُعَوَّلُ، بِأيِّ حالٍ، عليه، وهي الرؤيةُ الواجبُ عليه اعتمادها إزاءهُ لِتَحديدِ علاقتهُ به، وموقفهُ منه، وطبيعة فِعْلهِ فِيْهِ.
وفي هذا السِّياق الرُّؤيويِّ المحَفِّزِ على إِبْدالَ الاعتمادِ على النَّفسِِ والقدرات الذاتية التي بحوزتها، بالمراهَنَةِ على عودةِ زمانٍ مَضَى وانقَضَى؛ أي على تَركِ الانْتِظَارِ المهيضِ، والشُّروعِ في أنهاضِ الوعيِ والفعل الحيويِّينِ المفضيينِ إلى توجيه حركَةِ الزمانِ الحاضر صوبَ إدراك الهدفِ المُستَقْبَليِّ المنشود، تَشْرَعُ الذَّات الشَّاعرة بإيداع أولى وصاياها في وجدانِ عنانها: “فلا تنتظرْ أنْ يَعُودَ أَبُوكَ”، مُسَوِّغةً هذه الوصية بعبثية المراهنة على “الزَّمان اللَّعُوب”، وبضرورة أنْ تُجَلِّي أفعالُ “عَنَانَ”، وأشكال استجاباته للتَّحديات الحياتيَّة والوجوديَّة التي يُواجهها في مُخيَّماتِ اللُّجوءِ القسريِّ والبُؤسِ، ماهيته الحقيقة، وجوهر هويَّته، ورؤيته المستقبلية.
وهنا تنبثقُ، في تواشج صميميٍّ، مكوناتٌ رمزيَّةٌ تُومئُ إلى رؤيةِ الذَّات الشَّاعرةِ لطِفْلِهَا “عَنَانَ” الذي صَارَ شَابَّاً: ماهيَّةً، وهويَّةً، ورُؤيَةً للعالم، ومقاصِدَ فعلٍ يَمُورُ في أعماقِ الحاضِر الرَّاهنِ، لينطَلقَ مِنْهُ، مُتصاعدَ الوتائرِ، صوبَ مُستَقْبَلٍ منشُودٍ سيأتي به منَ المستقبَل:
“فإِنَّكَ مِنْ قريةٍ
أَنجَبَتْ أَنبياءَ بِغَيْرِ أبٍ أو نَسَبْ
وحْدَكَ المَاءُ والنَّارُ
فاضْربْ عَصَاكَ وقُلْ للسَّواقي كُوْنِي
تكُنْ جَنَّةً ولَهَبْ”
إنه، إذن، نبيٌّ لا ينتمي إلا لذاته، وإلا لقريتهِ التي أنجبتهُ وباسمها أسمتْهُ؛ لأنَّهُ باسْمِه الإنسانيِّ الحَضَاريِّ أسمَاهَا: “فِلَسْطِين”، لِتَكونَ هي أُمُّهُ وحْدَهُ ودونَ أيِّ أحَدٍ سِواهُ، وليكونَ هُوَ وحِيْدُهَا المُخْصِبُ، بِفِعْلِهِ الحضاريِّ الخلَّاقِ، رحَابَهَا، والمَالِئُ عليها الحَيَاةَ، والمُجَلِّي وُجودها في كُلِّ مداراتِ الوُجود، فَهُوَ وحْدَهُ، في قناعتها الرَّاسِخَة، مالكُ المَاءِ والنَّارِ اللَّذين هُمَا مُكَوِّنانِ رمزيَّانِ جوهريَّانِ من مُكَوناتِ هُوِّيَّتهِ؛ إنَّهُ نبيٌّ ذو عَصَا فِعْلٍ سِحْريَّةٍ إنْ ضَربَها في السَّواقي وقال لها كوني، لا تكونَ إلا ما أمرها أنْ تكونه، وما هو بآمرها، باسمِ أُمِّه وباسْمِه، إلا أنْ تكونَ على غرارِ ما هُوَ وأُمِّهِ كائنَانِ، جَوهَرِيَّاً، عليه: جَنَّةً وجحيماً؛ جَنَّةً حياتيَّةً خِصْبَةً لِبُناةِ السَّواقِيَ الفلسطينيينَ، أصحابَ الأرضِ، ولمن هم بِهَا جديرون من الإنسانيينَ من النَّاسِ، وجَحِيْماً سَعِيريَّاً لمن هم جديرونَ بِشَوَاظِّهِ من مُتَوحِّشي البَشَرِ.
أهوَ، إذنْ، يرتقي، رمزياً، من مرتبة نبيٍّ لا يَنتسِبُ إلَّا لإنْسَانِيَّتِه التي هي جوهَرُ هَوِيَّةِ أُمِّه، إلى مرتبة إلهِ خِصْبٍ يمتلكُ عُنْصُرين من عناصر الخَلقِ البَانيَة الهَادِمَة هُمَا: “الماءُ والنَّارُ”، وفي يده عَصَا الإرادةِ والفعل الخَلَّاق؟
وهَلْ ثَمَّة من فَرقٍ هُوِيَّاتيِّ، أو سُلُوكيٍّ، جَوهريٍّ، بينَ إنْسَانٍ نَبِيٍّ، وإلهِ خِصْبٍ إنْسَانْ؟!
(يُتْبَعُ في العَددِ القَادمِ من “الهَدَفْ”)
إشارات:
* جميعُ المُقتبساتِ الواردة في هذه المُقاربَة النَّقديَّة مأُخوذةٌ عن نصِّ القصيدةِ المُضَمَّنَة في الكتاب الشَّعري الذي يَحملُ عنوانَها: صلاح أبولاوي: فَعَلَهُ صَغِيرُهُم هذا عَنانْ، دار الفينيق للنَّشر والتَّوزيع، عَمَّان، الطَّبْعَة الأولى، 2022، الصَّفحات من 52 إلى 56. وإضافَة إلى القصيدتين القصيرتينِ المُعنْونتين بـ”أمَل” (ص 26)، و”المَاء” (ص 27، 28)، ثَمَّة مقطعٌ مُكرَّسُ لـ”عنان القصيدِ”، ولـ”رُوحِ عَنان”، هُو المقطعُ رقم 46 والأخير، من مقاطِع القصيدةِ الدِّرامِيَّة المُطَوَّلَة، المُعنْونَة بـ”آخِرِ اللَّيلِ” و التي تردُ في آخرِ الكتاب.
** تفتقرُ هذه القصيدةُ، وكُلُّ قصائدِ هذا الكتاب الشِّعريِّ، لشديد الأسفِ، التَّوَزُّعَ النَّصِّيَّ إلى مقاطع، ومتتالياتٍ شعريَّةٍ، يَتَجَلَّى توزُّعُ كليهما في المظهر الطِّباعي للصَّفحاتِ عبر استعمال علامات التَّرقيمِ المعهودة، ومسافات البياض النَّصِّيِّ، أو غير ذلك من علاماتٍ نَصِّيَّة يعتمدها الشَّاعرُ، في هذه القصيدةِ أو تلك، كي يُبَنْيُنَها على نَحو لا يُيَيسِّرُ قراءة القصائد فحَسْبُ، بل يَؤَمِّنُ قدرتها على الامتاعِ الجماليِّ، وعلى الإفادة عبر تشكيلِ شبكاتٍ دلاليِّةٍ تبثُّ رؤاها ومدلولاتِها بلا التباسِاتٍ قدْ تُعتِّمُ عليها، أو تأخذها صَوب ما يُجافيها من مَعَانٍ، وأحاسيسَ، وتحفيزاتٍ. وأحسبُ أنَّ تداركَ هذا الخللِ مُمْكِنٌ في طبعةٍ قادِمَة، إنْ رأى الشَّاعِرُ صَوَابَاً في الملاحظَة التي أبديناهَا.
ملاحظة: نشر هذا القسم من هذه القراءة النقدية في مجلة الهدف، عدد ديسمبر (كانون الأول) 2022، ويليه قسمان سيتوالى نشرهما في عددي المجلة اللاحقين
(2)
الهَلاكُ وثُنَائِيَّةُ الـ”هُنَا” والـ”هُنَاكْ”
مَا إِنْ نَشْرعَ في قراءة المتتالية الشِّعريَّة التَّالية، وهي في ذاتها توصيةٌ أخرى تُوْدِعَها الذَّاتُ الشَّاعِرةُ في وجْدانِ “عَنَان”، حَتَّى نَعْثُرَ على ما يُومئُ إلى إمكان بَلْوَرةِ جوابٍ عن تساؤلِنَا المُلِحِ عنْ سِرِّ العلاقَة الصَّميميَّة، الأزلِيَّة الأبديَّة، بين “عنَانَ” وأُمِّهِ التي هي قريَتُهُ؛ مَسْقَطُ رأْسِهِ؛ ورَحْمُ ميلادِهِ التي “أَنْجَبَتْ أنبياءَ بغيرِ أبٍ أو نَسَبْ”*، فَهِيَ مُتتاليَةٌ شِعريَّةٌ تتضمَّنُ صُوراً وأفعالاً وتوصياتٍ وطُقُوساً تُشِيرُ إلى أنَّ “عَنَانَ” هذا قد صَارَ شاباً، وإلى أنَّ حركته في صيرورة الحياة والفعل الخَلَّاق، إنما تتجه من “هُنَا” مُفْتَرضَةٍ، ومُغْمَضَةِ الدَّلالة الإشاريَّة على حيِّز مكانيٍّ مُحدَّدٍ، إلى الـ”هُنَاكَ”؛ أي إلى الحَيِّز المكانيِّ المُحَدَّدِ بدِقَّةٍ لا يَشُوبُها لُبْسٌ لأنَّهُ هو حَيِزُ الأُمِّ، أوهُوَ الحَيِّزُ الأُمُّ، إذْ هُوَ نَفْسُهُ إيَّاها، وهيَ إيَّاهُ، وهُو الحيَّزُ الحَيَويُّ الوحَيدُ الذي فيه يُوجَدُ الـ”وَاحِدَانِ” مَعاً؛ أي الأرضُ/الأُمُّ، والابْنُ/عَنَانْ؛ فِيْمَا لوُجُودِ عَنَانَ، كذاتٍ جَمْعِيَّةٍ فَاعِلَةٍ في هذا الحَيِّزِ، ولِأجْلِه، أنْ يُوجِدَ “واحِدَانِ” آخَرانِ يُنَاظِرانِ حَالَيَّ الأَرضِ/الأُمِّ بينَ كَوْنِهَا حُرَّةً سَيِّدةً، أو أسِيرةً مُحْتَلَّةً. وهُمَا حاَلانِ يُناظرانِ أو يُرادِفانِ، في تناقُضِهِمَا الجَذْريِّ، تَنَاقُضَ الوجودِ الحيويِّ والعَدمِ المُراوغِ،
وما هذانِ الواحِدَانِ المُنَاظِرانِ حَاليَّ الأُمِّ ما بَينَ حُرَّةٍ وأسيْرةٍ الَّا “الجَنَّةُ واللَّهَبُ”، اللَّذانِ يُجسِّدانِ حُضُورَ زمكانَينِ نقيضينِ يَسِمَانِ الحَيِّزَ المكانيَّ الذي صَوبَهُ تَسِيرُ، وسَتُتابِعُ السَّيرَ جيلاً في إثر جيل، خُطَى عَنَانَ المَسْكُونِ وجدَانُهُ بـ”زمكانِ الجَنَّة” الذي يُريدُ لِخطوه التَّحريريِّ اللَّاهبِ أنْ يجعَلَهُ، بقوَّة اللَّهبِ المُغَيِّرِ الذي يمْلُكهُ، زمكاناً دائماً، لأرضِهِ/أُمِّهِ، الذَّاهِبُ، بقوَّة إرادته وعزمه، إلى تخليصَها من “زَمَكَانِ الجَحِيْم” الذي ألقي الاحتلالُ بِهَا في أغْوارِ سَعَائِره.
ولأنَّ عَنَانَ “وحِيْدُ المَكَانِ”، ولأنَّ أُمَّهُ/ أرضَهُ، وحِيْدَةُ الابْنِ، ولأنَّهُ هُوَ الابنُ الوَفيُّ، والمُخَلِّصُ الحقيقيُّ لأمِّه من جحيم أسرهَا، فَهُوَ، إذن، المَاءُ والنَّارُ في آنٍ معاً. ولأنَّ كينُونَتَهُ مَسْكُونَةٌ، في الأَصْلِ وطَوالَ الوَقْتِ، بِجَوهَرِ هُوِيَّة أُمِّهِ/أرضِهِ الذي يُلازِمُ تجلياتها الحيَاتيَّةِ الوجودِيَّةِ المُتَواليَّةِ عبر الأزمنةِ، والتي هي تَجَلِّياتٌ جاءَ الاحتلالُ الصُّهيُونِيُّ ليقْطَعَ، واهِمَاً، إمكانَ تواليهَا في مُقبِلِ الأزمنة؛ فَإنَّ عَنَانَ، إذَنْ، هُوَ جَوهَرُ القَريةِ التي أنْجَبَتْهُ، والتي أسَماهَا باسْمِهِ فَأَسْمَتْهُ باسْمِهَا، والتي منحتهُ، مُذْ ميلاده، مرتبةَ النُّبوَّةِ، وخَصَائِصَ إلهِ خِصْبٍ قَوِيٍّ وقَادرٍ:
“واحِدَانِ هُنَاكَ
فَمَرِّغْ شَبَابَكَ في حُضْنِ أُمِّكَ
وانْزِفْ على صَدْرِهَا مَا اسْتَطَعتَ
تَعُدْ لِلْحَيَاةِ نَقِيَّاً كَمَا ولَدَتكْ”
“عَنَانُ” وحِيْدُ الأمِّ والكَيْنُونَةِ والمَكَانْ
ما من خِيَارٍ حياتيٍّ وجوديٍّ تراهُ الذَّات الشَّاعرة لـقرينها “عنَانَ” الذي تَتَمْرأى فيه سوى ترسيخ انتمائه إلى أُمِّه، وذلك بمواصلة نضاله من أجل تحريرها من أسر الاحتلال، ففي صيرورة هذا النِّضَال الشَّامِلِ والمُتَصَاعُدِ الوتَائر، يتحَقَّقُ الالتحامُ الحياتيُّ الوجوديُّ بين “عَنَانَ” المُقاومِ البَاسِلِ، وأُمُّه الحُرَّةِ المَأسُورة. ولهذا الالتحام أنْ يَرسَخَ، ويتأَبَّدَ، بالتصاقهِ بترابها عبرَ تمريغ شبابه في حُضْنِهَا، ونزفِ دَمِهِ على صَدْرِهَا، ووهبِ حياتِهِ لحيَاتِها الحُرَّة، فلا يَكُونُ فِعْلهُ المُتراكِبُ، والمُتَصَاعِدُ بلا تَوَقُّفٍ، إلَّا رحْماً لميلادِ حُرِّيَّتِهَا، ولتجلية وجودِهَا الحيويِّ في الوجُود، لِتُجَدِّدَ، بدورهَا، ولاداته من رحمها، ليَكُونَ: نقياً، قوياً، قادراً، نبيَّاً إنْسَاناً، وإنساناً نبيَّاً، وإله خِصْبٍ إنْسَانٍ، وقَمراً، وسَيْفَاً، تَماماً كما ولدتْهُ مُذْ لَحظَةِ ميلادِهَا، ليَسْتَمِرَّ في أنْ يكونَ هُوَ لَهَا ثَانِيَ واحِدَيْنِ مُلْتَحِمَيْنِ في كينونَةٍ واحِدَةٍ:
“فَلْتَكُنْ مِثْلَمَا أَرْضَعَتْكَ
قَمَراً تَشْتَهِيهِ البِلَادُ
وسَيْفَاً بِخَاصِرةِ الطلَّقاتِ إذا حَاصَرَتكْ”
وإذْ نُلاحِظُ، هُنَا، انبثاقَ رمزين جديدينِ: “القَمَرُ والسَّيْفُ”، لينضَمَّا إلى جَوقَةِ الرُّموز المتفاعلة في صَوغ “هُوِيَّة عَنَانَ”، وبَثِّ مدلولاتِ مُكوِّنَاتها الجوهَريَّة، فَإنَّ صُورةً شِعْريَّةَ ستنبثِقُ، في مطلع المقطَع الثَّالثِ، لِتَبُثَّ دلالةَ أنَّ “الُحبَّ” مُكَوِّنٌ جوهريٌّ من مُكَوِّنَاتِ هذه الهُويَّة، إِذْ عَنَانُ، ودائماً في رؤية الذَّات الشَّاعرة التي تُخَاطِبُهُ، البَابُ الوحِيدُ لِلْحُبِّ، أو هُوَ رمزٌ عليه، واسْمٌ لاسْمِهِ:
“يَا عَنَانْ
لَيْسَ لِلْحُبِّ بَابٌ سِواكْ
والهَلاكُ ولِيْدُ الهَلاكْ
مَا هُنَاكَ هُنَا
وهُنَا مَا هُنَاكْ”
ولتركيب هذه المتتالية الشِّعريَّة أنْ يُفصِحَ عَمَّا يُوكِدُ كونَ “الهَلاكِ” مصيراً نقيضاً للمصير الوجوديِّ النَّاجمِ، بالضَّرورة، عنِ “الحُبِّ”، وعَنْ أنَّ الهَلاكَ المُستهدفَ به “عَنَانُ” الذي هُوَ، الآنَ، “هُنَا”، هو نفسه الهَلاكُ المُستَهدفُ به “عَنَانُ” الذي هُوَ، الآنَ، “هُنَاكَ”، فالأمُّ واحدةٌ تَكْثُرُ تجلياتُها، وابنها “عنَانُ” واحِدٌ تَكْثُرُ تَجَلِّياته. وسيكونُ لهذه الثُّنَائِيَّة المُتَجاوِبَةِ أنْ تزيلَ غُمُوضَ إحالةِ اسم الإشارة “هُنَا” التي افترضنا وجودها الضِّمْني في متتاليةٍ سابقةٍ؛ إِذْ لإحالتِه أنْ تَعُودَ إلى الحَيَّزِ المَكانِي الذي فيه وُجِدَتْ “الأنا ناطقةُ القَصَيدةَ”، وهُوَ هُنَا “المَنْفَى” أو “الشَّتَاتُ” الذي في أحَدِ أحيازهِ الضَّيِّقَاتِ وُجِدَتْ “الذَّاتُ الشَّاعِرةُ” لحْظَةَ كتَابَتِهَا.
وقد يكونُ هذا الحيِّزُ المكانِيُّ المُشارُ إليْه بـ”هُنَا” قريباً منْ، أو بِعيداً عنْ، الحَيِّزِ المكانيِّ البعيدِ المُشَارِ إليه بـ”هُنَاك” أو حتَّى قائِمَاً، جُغْرافيَّاً وطوبوغرافيَّاً فيه، ولكنِ في حَالٍ اسْتَلابِيٍّ يُزَيِّفُ هُوِيَّتَهُ فيُغَرِّبُ إنْسَانَهُ عنْهُ؛ وما هذا الحَيِّزُ المكانِيُّ البعيدُ إلَّا القريةُ التي أنجبت عَنَانْ، فكِلُّ “هُنَا” في هذه القَصِيْدَةِ “مَنْفَىً قَسْريٌّ”، وكُلُّ “هُنَاكَ” فيها “وطَنٌ مُحْتَلٌّ”؛ وَما هذا الوطَنُ المُحْتَلُّ إلَّا قريةُ الميلادِ، وبُؤرةُ الانتماءِ الثَّقَافيِّ الجُذُورِيِّ، والمجَالُ الحَيَويُّ الوحِيْدُ لِابتكارِ الحياةِ وتَجْلِيةِ الوجُودِ، بالنِّسبة إلى عَنَانَ، وإلى الذَّاتِ الشَّاعرة التي تُخاطِبُهُ، مُتَمَرْئيَةً فيهِ ومُرَمِّزةً إيَّاهُ؛ وما هذه القريةُ السَّاكِنةُ وِجْدانَ كُلِّ فِلَسْطينيٍّ، سواءٌ أكانَ مُقتَلَعَاً بالإرهابِ مِنْها مَنْفِيَّاً بعيداً عَنْهَا، أمْ كَانَ مُتشبِّثاً بالبَقَاءِ فيها يُغَرِّبُهُ الاحتلالُ الصُّهيونيُّ الاسْتِحْوَاذِيُّ عنْهَا إذْ يُغَرِّبُها عن حقيقتها، إلا “فِلَسْطينَ” التي صَيَّرها الاحتلالُ التَّهويْدِيُّ، في كُلِّ حَالٍ، “هُنَاكَ”، والتي تَتركَّزُ غايَةُ النِّضِالِ الوطنيِّ الفِلَسْطينيِّ الجَوهَريَّةُ في تجليةِ وجودِهَا الحقيقيِّ الحيويِّ، والكُلَّيِّ، في الـ”هُنَا” المكانيِّ الواقِع ما بين نهرٍ وبَحرٍ، والذي هو إيَّاهَا، وهي إيَّاهُ، فلا يُفَارقُهَا ولا تُفَارِقُهُ.
مَوْتٌ في الحَياةِ وَوُجُودٌ مُؤَجَّلٌ
في ضَوءِ المَدْلولاتِ السَّابِقِ تَبَيُّنِها وبيَانُهَا، لا يَكُونُ اسْمُ الإشارةِ: “هُنَا”؛ كرديفٍ للمنفى، أو كبدلٍ منه مُطَابقٍ لَهُ، كما لا يكونُ اسْمُ الإشارة: “هُنَاكَ”؛ كرديفٍ لِفِلَسْطِينَ المُحْتلَّةِ المَأسُورةِ، أو كبدلٍ مِنْهَا مُطَابِقٍ لهَا، إلَّا وجْهَانِ لحَالِ حَيَاتيٍّ وُجُوديٍّ مأساويٍّ واحِدٍ هو حَالُ “مَوتٍ في الحَيَاةِ” و”تأجيلُ وُجُودٍ”، فَهُمَا وجْهَانِ يَمْضِيَانِ، مَعَاً، على طريقِ “الهَلاكِ” المُسْتَهدَفِ بِه كُلُّ الذينَ هُمْ “هُنَا”، وكُلُّ الذينَ هُمْ “هُنَاكَ”من أبناءِ فلسطينَ وبناتها؛ فلا فَرْقَ ذي مَغزىً، بالنِّسبة للفلسطينيِّ، المُسْتَهْدَفِ بالإفْنَاءِ عبر سرقةِ أرْضِهِ/أُمِّهِ: “فِلَسْطِيْنَ” وأَسْرِهَا، واستلابِ ماضيهَا وحاضرها وتاريخِهَا وحَضَارتِهَا، وإغلاقِ كُلِّ أُفقٍ مُمْكِنَ لمستقبلٍ تلتحِمُ فيهِ مع ابنِهَا وَحيدِ الأمِّ والمَكان “عَنَانُ” لَحْظَةَ تَمَكُّنِه من استعادتِهَا منَ السَّرِقَة وتحريرهَا مِنَ الأسْرِ؛ لا فرقَ بالنِّسبَة لأيِّ فِلَسْطِيْنِيٍّ وفِلَسْطِيْنيَّةٍ، صَادِقيِّ الانْتِمَاءَ، بينَ “هُنَا المَنْفَى” و”هُنَاكَ الوطنِ المُحْتَلِّ”، إلا واحِدَاً ألا وهُوَ أنَّ الـ”هُنَاكَ” هَوَ “الْوطَنُ” الذي هو مكانُهُمَا الأَوْحَدُ، ومجالُ وجودهما الحياتيِّ الحيوي الوَحِيْدِ.
تُوْدعُ الذَّاتُ الشَّاعِرةُ خُلاصَةَ قراءَتِهَا المُتَبَصِّرةِ في الفَرقِ الجَوهَريِّ الحَاسِمِ بينَ كُلِّ “هُنَا” وكُلِّ “هُنَاكَ”، في وِجْدَانِ “عَنَانِهَا” وفي أصلابِ عقلِهِ الواعِي، وتُوْصِيْهِ أنْ يتشَبَّثَ بـ”وَطَنِهِ” الذي هُو مَكَانُهُ الحياتيُّ الوجوديُّ الوحِيْدُ، وأنْ يَغْرسَ في أرضِ فِلَسْطِيْنِهِ قَدَمَيْهِ، وأنْ يَنْصَهِرَ، بكامل كينونته الحياتيَّة والوجوديَّة، في كُلِّ صُلْبٍ مِنْ أصْلَابِهَا؛ وكأنِّي بالذَّاتِ الشَّاعرةِ لا تُوصِي نَفْسهَا، ولا تُوصِي كُلَّ فِلَسْطينيٍّ وفِلَسْطِيْنيَّةٍ، بغيرِ ما قَدْ أوصَتْ بِهِ عَنَانَها؛ فَما “عَنَانُ” هذا إلَّا قَرِيْنُهَا؛ ومَا “عَنَانُ” هَذَا إلَّا الفلسطينيُّ المُقِيْمُ في الوطنِ المُحْتَلِّ مُغَرَّباً، بضراوةٍ تَوحُّشيَّةٍ عُنْصُرِيَّةٍ، عنْهُ وهو مُقيْمٌ فِيهِ؛ ومَا “عَنَانُ” هَذا إلَّا الفِلَسْطِيْنيُّ المُقْتَلَعُ من وطَنِه، والمَنْفِيُّ نَفْيَاً قسريَّاً بعيداً عَنْهُ، والمقذوفُ بِهِ في أصْقَاعِ أُروُضِ الشَّتاتِ التي أُريدَ لصَقِيْعِهَا الجَلِيْديِّ أنْ يُجَمِّدَهُ، ولأُتنِ هجِيرِهَا السَّعِيريِّ أنْ تُذَوِّبَ هُوِيَّتَه لِتُحِيْلَهُ إلى مَحْضِ كائِنٍ مِنْ رَمَادٍ عَقِيْمٍ:
“إنَّهُمْ يَسْرِقُونَ الوراءَ
فَحَاذِرْ أَمَامَكَ
هُمْ يَسْرِقُونَ الأَمَامَ
فَحَاذِرْ وراءَكْ
هُمْ يَقْتُلُونَ المَكَانَ
فَثَبِّتْ خُطاَكْ.
لا مَكَانَ لنَا
والمَنَافي ثُقُوبٌ
تلقَّفَنَا واحِدَاً واحِدَاً بِئْرُهَا
فَآنصَهِرْ يَا وَحِيْدَ المَكَانْ”
وإذْ يذهبُ المَقْطَعُ الرَّابعُ، إلى مخاطبة “عَنَانَ” بشأنِ استغاثةِ فِلَسْطِيْنِهِ بِهِ، عبر صُورةٍ شعريَّة تُشبِّهُهَا، تشبيهاً بليغاً، بامرأة حُرَّةٍ تَنْخُرُ دَمْعتُهَا الحَرَّةُ الأرضَ، وكأَنَّمَا هي تنْخُرُ نَفْسَهَا بدمْعَتِهَا الْحَرَّةِ إذْ هِيَ نْفْسُهَا الأرضُ؛ فإنَّ لهذا التَّشْبِيهِ ألا يُفْصِحَ عن حقيقة حالها المأْسَاوِيِّ النَّاجم عن كونها تقبعُ، من زمنٍ بعيدٍ، سَلِيبَةً أسيرةً في دياميسِ احتلالٍ صُهْيُونِيٍّ وحْشِيٍّ، فَحَسْبُ، وإنَّما لهُ أنْ يُعزّزَ حقيقة كونها “فِلَسْطِينَ الجَمِيْلةَ”، حبيبةَ كُلِّ أبنائها وبناتها، التي زوَّر الوحْشُ الاسْتِعْمَاريُّ الصُّهْيُونيُّ الغَربيُّ تَاريخَها وحضَارتها، ليزعُمَ لنفسِهِ صِلَةً من أيِّ لَونٍ بها، ولِيُسَوِّغَ لنفسِهِ، وللمُتَوحِّشِينَ مِثْلَهُ مِنَ البَشَرِ، ولِمُؤَجَّلي إعْمَالِ عُقُولِهم وبائِعِي ضَمَائرِهم مِنْ بَشَرِ العَالمِ غَيْرِ المُؤَنْسِنِينَ أنْفُسَهُمْ بَعْدُ، سَرقَتَهُ لَهَا، وأَسْرَهُ إيَّاهَا في ديَاميسِ أزمنتهِ السَّوداء.
كَما أنَّ لِهَذَا المَقْطَعِ أنْ يفَتَحَ الرَّمزَ الشِّعريَّ “عَنَانَ” على شبكة مدلولاتٍ تَقُولُ إنَّهُ هُوَ الرَّمْزُ الدَّالُ على كُلِّ من يُحِبُّ فِلسْطينَ من أبنائها وبناتها؛ فيُخْلِصُ لها، ويَجْتَرِحُ كل فعلٍ يُفْضِي إلى تخليصها من كربِهَا المأسَاوِيِّ حتَّى لو اقتضى هذا الفِعْلُ بَذْلَ دَمِهِ ورُوحِهِ من أجل خلاصَها مِنْ ضَراوةِ التَّزويرِ، وجسامَة السَّرِقَةِ، وعُبُوديَّة الاسْتِلابِ والأَسْرِ، وفَظَاعَةَ القَهْرِ وفُحْشِه.
وفي سياقِ كشفها حقيقةَ أنَّ الاستجابَةَ الحقيقةَ لِنِدَاءاتِ فِلَسْطِينَ المُستغيثَةِ إنِّما تَتَجَسَّدُ في المُقاومَة البَاسِلَةِ المُخْصِبَةِ الخَلَّاقَةِ التي يَجْتَرِحُ أفْعَالهَا، ويَنْهَضُ بهَا، شعبُهَا بأسرهِ، تَتَوجَّهُ “الذَّاتُ الشَّاعرةُ” إلى “عَنَانَ”؛ بِوَصْفِهِ ابن فِلَسْطِينَ، وحَبِيْبَهَا وعَاشِقَهَا الأزليَّ الأبَدِيَّ، وإله خُصُوبتها المُمْسِكِ بصولجانيِّ المَاءِ والنَّار، داعِيَةً إيَّاهُ أنْ يَرفَعَ سَمَاءَهُ إلى أعْلَى عُلُوٍّ، وأنْ يُهْطِلَ على فِلَسْطِيْنَهُ ماءَهُ، وأنْ يَحُثَّ شتاءَهُ المُخْصِبَ المصَحُوبَ بلهيبِ ناره، ألا يُفَارقَهَا حَتَّى تَسْتَعِيْدَ حُرِّيَّتَها وهُوِيَّتَهَا، لتَنْهَضَ، من جَديْدٍ، بكامل حيويتها، وعنفوانها، وألقِ وُجُودِهَا الْجَلِيِّ. وما ذلكَ إلا لأنَّ مَاءً غيرَ مَاءِ رؤيَتِهِ الإنْسانيَّةِ الصَّافي، لَيْسَ، في حقيقته، إلا مَاءً زائفاً، مُهْلِكاً، لا خيرَ من أيِّ لَونٍ لَهَا فيه، فَهُوَ مَاءٌ عَطِنٌ يِنْسَربُ من مُسْتَنقَعِ إذعانٍ آسِنٍ ومذَلَّةٍ وهَوانٍ، ليَصُبَّ في سيْلِ هَوانٍ ومَذَلَّةٍ وإذْعانٍ، إذْ هُو ماءُ مُسَاومَاتٍ سياسيَّةٍ لا تستهدفُ شيئاً سِوى تزييف الحقائقِ، ومُجافَاةِ الحقِّ، وتكريسِ وُجودِ ما لا يَقبَلُ الوجودُ الحَقُّ أنْ يُوْجَدَ!
“إنَّ مَاءً
وإنْ ظنَّ خَيْراً بِهِ الزَّرْعُ
يَجْرِي بِسَيْلِ الهَوانْ
لَيْسَ مَاءَكْ”
وسيأتي المَقْطَعُ الخَامِسُ، الذي تُتَابعُ فيه الذَّاتُ الشاعرةُ مُخَاطَبَةَ “عَنَانَ”، وصَوْغِ هُوِيَّته وإيداع وجدانه الكُلِّيِّ المزَيدَ منْ وصاياها، ليبدأَ بفتحَ دلالةَ المرأةِ الْحُرَّة الأسيرةِ ذات الدَّمْعاتِ الحَرَّى التي تَنْخُرُ الأرضَ التي هي إيَّاهَا، عَلَى “كُلِّ البِلَادْ”، وليسَ ذلكَ باستدعاءِ حلقاتِ سِلْسِلَةٍ مُخْتَارةٍ، ودالَّةٍ بثراءٍ ترميزيٍّ لافِتٍ، من الكينوناتِ والكائناتِ المُنْتَمِيَةِ إلى طبيعة البلاد المقصودةِ، بِكُلِّيَّتِهَا؛ أي “فِلَسْطِينَ” بكامِلِ كينونتها المُتَجَسِّدةِ بينَ نَهرٍ وبَحْرٍ لا تُخْطِئُ أيَّاً مِنْهُمَا، ولا أيَّاً مِمَّا يتجلَّى وُجُوْدُهُ بينَهُما، أو يَكمُنُ فِيْهِ، عيْنٌ أو بصيرةٌ، وإنَّما أيضاً بالإشارةِ الضِّمْنِيَّة إلى المُنْجَزاتِ الإنسانيَّة النَّابعة من تاريخ فِلَسْطِيْنَ وحضارتها، والمُجَلِّيَةِ جَوْهرَ رؤيتها الشِّعريَّةِ الحَضَاريَّة المتجدِّدةِ لذاتها، وللعالم، لِتُشَكِّلَ هذه الكائناتُ والكينوناتُ والإشاراتُ، عبر تفاعُلها الشِّعريِّ الخَلَّاقِ، بُؤْرَةَ ترميزٍ تبثُّ إشعاعاتٍ رُؤْيَويَّةً تُسْهِمُ في بَلْورةِ مَدْلُولِ “فِلَسْطِينَ” كرمزٍ كُلِّي لا يَتَوقَّفُ أيُّ مُكَونٍ من مُكَوِّنَاتِهِ الجُزئيَّة عن إثراءٍ مَعْنَاهُ الكُلِّيِّ، وعن بَثِّ جَوْهَرِ جوهرهِ ومَغْزَاهُ: “كُلُّ زيتونة”؛ “كُلُّ نَهْرٍ”؛ “كُلُّ طيرٍ”؛ “كُلُّ أغنية”؛ “كُلُّ نَجْمٍ”.
وسيكون لأخبارِ هذه المُبْتَدآتِ الخَمْسةِ المُتَعَيَّنَة في الكلِمَةِ: “كُلُّ”، الدَّالةِ على الاستغراقِ وتَمَامِ الشُّمُول، والمُلْتَحِمَةِ، عبر الإضافَةِ، بكُلِّ مُضَافٍ إليها عُرِّفَت بِهِ فَشَمَلَتْهُ؛ سَيَكُونُ لأخبارِ هذه المُبتَدآتِ الخمسَة أنْ تتضمَّنَ صوراً شِعْريَّةً، ومفرداتٍ رمزيَّةً، ومَقُولاتٍ مُؤَصَّلَةً، سَتُشَكِّلُ، بدورها، شَبَكَةً دلاليةً ذاتَ خُيُوطٍ مُفْعَمَةٍ بالمدلولاتِ والمعاني: المُتشاكِلَةِ، أو المُتبَايِنَةِ، أو المُتَضَادَّةِ، لِتُشَكِّلَ مع مبتدآتها خَمْسَ متتالياتٍ شِعْريَّةً تَتَكَونُ، أُسْلُوبِيَّاً، من خَمْسِ جُمَلٍ اسْمِيَّة مُتراكِبَةٍ، مُكْتَمِلَةِ الأركانِ، ومتشعبةِ العِبَارات، وهي، في الوقت نفسه، خَمْسُ قَضَايَا منطقيَّة، أو خَمْسُ أُمْثُولاتٍ استعارِيَّةٍ، تضعها الذَّاتُ الشَّاعرةُ أمام بَصَرِ “عَنَانَ” وبصيرته، لتُؤسِّسَ انبثاقَ ما سَيُؤَهِّلُ هذه الذَّاتِ الرَّائيَة، تأهيلاً منطقياً، عقلياً وشاعرياً في آنٍ مَعاً، لإطلاقِ وصيَّةٍ جوهريَّةٍ أخرى، هي بمثابة خُلَاصَةٍ منطقيةٍ عقليَّةٍ، ووجودِيَّةٍ شَاعريَّةٍ، إلى “عَنَانْ” الذي يبدو أنْ تكوينهُ كرمز كُلِّي يَدُلُّ على أفْرادِ الشَّعْب الفِلسطينيِّ بأَسْرهِ، وعلى كينونتِهِ الجَمْعِيَّةِ، قد شَارفَ على الاكتمال:
“لا تُبَدِّلْ هَوَاكَ
وكُنْ جَسَداً واحِدَاً فِي الرِّهَانْ”
(يُتْبَعُ في العَددِ القَادمِ من “الهَدَف”)
* جميعُ المُقتبساتِ الواردة في هذه المُقاربَة النَّقديَّة مأُخوذةٌ عن نصِّ القصيدةِ المُضَمَّنَة في الكتاب الشِّعْري الذي يَحملُ عنوانَها: صلاح أبولاوي: فَعَلَهُ صَغِيرُهُم هذا عَنانْ، دار الفينيق للنَّشر والتَّوزيع، عَمَّان، الطَّبْعَة الأولى، 2022، الصَّفحات من 52 إلى 56.