الرئيسية / خبر رئيسي / “رحلة الدم” لإبراهيم عيسى: تصوير روائي واقعي يلوذ بالمصادر التاريخية

“رحلة الدم” لإبراهيم عيسى: تصوير روائي واقعي يلوذ بالمصادر التاريخية

  • (ثقافات)
  • رشيد العناني

لا أدري كيف صبرت على قراءة رواية إبراهيم عيسى “رحلة الدم” (2016) بصفحاتها السبعمائة، لكني فعلت. ليست الرواية طويلة لأن كل كلمة فيها وكل وصف وكل موقف يستدعي أن تكون بهذا الطول. إنما هي طويلة هذا الطول المبالغ فيه لأن الكاتب لا يتحكم في السرد. لا يمارس رقابة جمالية على رغبته في الكتابة والحكي، وإنما يسترسل ويُسهب ويكرر ويطيل في المواقف وتغيير المشاهد ويستغل كونه عليما بكل شيء كمؤلف فيطلعنا على الكثير مما لا نحتاج الاطلاع عليه وبدرجة من التفصيل تتوه معها المعالم الكبرى وبكثرة من الشخصيات الهامة والثانوية يختلط معها الحابل بالنابل فلا نعود نذكر بعضها أو نميزه من البعض الآخر. فما الذي جعلني أصبر على هذا – أنا الذي أصبحت لا أتردد أن أنحي الكتاب جانبا، خاصة إن كان رواية، إن لم يثبت لي جدارته في خلال الخمسين صفحة الأولى على الأكثر؟ الذي جعلني أصبر هو أن الرواية تاريخية وتتناول فترة حساسة وخلافية من تاريخ الخلافة الإسلامية المبكر، هي فترة فتح مصر وخلافة عمر وعثمان ومقتل الأخير في المدينة على أيدي كارهيه والحاقدين على سياسته في محاباة أقاربه من بني أمية، مما يُعرف بلغة اليوم “بالمحسوبية”. أردت أن أعرف كيف يتناول روائي معاصر تلك الفترة بشخصياتها التاريخية المعروفة والذين كان أغلبهم من صحابة النبي ومن هنا يحيط بهم شيء من القداسة التي ترتبط بشخصه. أردت أيضا أن أعرف كيف يقيم الروائي الصلة بين التاريخ البعيد والعصر الحاضر،

فلست أجد معنى لأن ينغمس روائي في تصوير فترة تاريخية بعيدة تصويرا لا يستهدف منه رصد الصلة بين الماضي والحاضر أو تتبع خيطا خفيا استمر من الماضي حتى وصل عصرنا ولكنه يخفى على العين غير المطلعة على المصادر التاريخية. عنوان الرواية ذاتها يؤشر إلى استمرارية التاريخ، فالرحلة في “رحلة الدم” توحي بالسفر من الماضي إلى الحاضر، كما أن العنوان الثانوي “القتلة الأوائل” يشير إلى وجود قتلة متأخرين يواصلون “الرحلة” على الطريق الدموي الذي شقه “الأوائل”. تبدأ الرواية بلحظة اغتيال علي ابن طالب على يد عبدالرحمن بن ملجم، ثم تقفز قفزة كبيرة إلى الوراء لتصور كيف وصل ابن ملجم إلى تلك اللحظة السافكة للدم. الرواية في خطها الرئيسي – الذي حاد عنه المؤلف كثيرا بتشتته بين مغريات الكتابة والتحرك في كل اتجاه – هي محاولة لتصوير نفسية وسلوك المتعصب الديني، جفاف روحه، ضيق عقله، أحادية رؤيته، حَرْفية إيمانه، خلو حياته من الصلات الإنسانية الحميمة، ما يُترجم في النهاية إلى التعصب والقسوة وافتعال الدين هدفا ساميا فوق كل شيء. أعتقد أن الكاتب نجح في تصوير شخصية عبد الرحمن بن ملجم وجعل منه نموذجا أصليا للمتعصب الديني القاتل، ينحدر منه متعصبو اليوم الذين نرى آثارهم المدمرة من مشرق العالم العربي إلى مغربه وفي خارج حدوده أيضا. لكن الروائي لم يستطع أن يقاوم إغراء مئات الصفحات في تاريخ فتح مصر وعمرو بن العاص، ومئات أخرى في تصوير قضية عثمان بن عفان وصراعه مع معارضيه الذي انتهى بسفك دمه في المدينة، وتشعب من هذا وذاك إلى قصص فرعية لشخصيات ثانوية نثر فيها بهارات الحب والجنس. وكأن الجهد الملحوظ الذي بذله في قراءة المصادر التاريخية القديمة أعطاه مادة غنية عزَّ عليه ألا يستخدمها فصب في الرواية كل شيء بلا حساب، مُضعفا بذلك من الخط الرئيسي الذي بدأت به الرواية ثم يكاد أن يُنسى لو لم يحرص القارئ على ألا يفلته من وعيه. ومما أجده أيضا مأخذا على الرواية الإفراط العاطفي للكاتب في وصف المشاعر والإفراط أيضا في التفصيل الدموي لمشاهد القتل والقسوة والتمثيل بالجثث، وهو إفراط أسلوبي يكاد من شدته وإثقال اللغة به أن يحيل الموقف إلى الكوميديا بدلا من التراجيديا. على أنه مما يحمد للروائي تصويره لصحابة الرسول وأقوالهم وأفعالهم تصويرا واقعيا، فهم بشر عاديون يحركهم ما يحرك سائر البشر. لا ينزع سلوكهم عن الدين وإن اتخذه ستارا أحيانا، وإنما لهم طموحات ومطامع دنيوية تماما. يريدون الثروة ويريدون السلطة ويريدون الحظوة. وفتوحاتهم لم تكن فقط لنشر الدين وإنما يحركها طلب المال والأرض والسبايا والغنائم ودعة العيش بعد “الجهاد”. وهم في مساعيهم الشخصية يتحزبون وينحازون ويتآمرون وفي المحك الأخير يقتلون، فقاتلو عثمان والمحرضون على قتله كانوا من رفاق الرسول. الرواية تعتبر مقاربة جريئة للتاريخ الإسلامي، وأعتقد أن الكاتب كان يختار مواقع قدميه في الكتابة بحرص، فلم يتجاوز الحدود التي تفرضها حساسية الفترة والشخصيات. ولكنه أيضا استغل استغلالا جيدا إمكانيات التصوير الروائي الواقعي وكان على وعي بأن له في المصادر التاريخية ملاذا يحميه.

شاهد أيضاً

رباب أدهم.. ودروب الحياة بين عمان وبيروت وطرابلس

(ثقافات) *إنتصار بوراوى   في كتاب “دروب الحياة” للسيدة رباب أدهم تتجلى السيرة الذاتية التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *