الرئيسية / خبر رئيسي / أحلامنا، والواقع، من يصنع الآخر؟

أحلامنا، والواقع، من يصنع الآخر؟

( ثقافات )

*ثائر احمد سلامة: كندا

  لا ينفك مسلسل “التغريبة الفلسطينية” الذي أبدعه أيما إبداع الكاتب الكبير الدكتور “وليد سيف” عام 2012 وعُرض مئات المرات (دون مبالغة) يعطينا من الدروس والحِكَم الشيء الكثير، وكأنه حكيم تجري الحكمة على لسانه ومن بين يديه كالنهر المتدفق، ومن هذه الحِكَم: كيف نتعامل مع الواقع، وكيف نجعل من هذا الواقع مصدراً للتغيير وواقعاً للدراسة، لا حقلاً نأكل فيه ونرتع وننتظر الفرج من عالم الغيب!

  في “التغريبة الفلسطينية”، وفي الحلقة الرابعة والعشرين وعند الدقيقة الثامنة، جرى حوار بين علي وسلمى، “علي” الذي جاء من عالم الفقر والأميِّة والجهل المجتمعي واضعاً نُصب عينيه أن يخلص نفسه وأسرته من هذا الفقر والجهل، بينما كانت “سلمى” فتاة مترفة مُنَعَّمة لم تجرب الجوع والعوز..

كلاهما من أصول فلسطينية، وكلاهما ذاق ما ذاق من حسرة ضياع البلاد وتشريد العباد. وإن كانت تجربة الهجرة والتشريد عند كل منهما تختلف عن الآخر..

كان “علي” يعطي “سلمى” دروساً خاصة لتحسين مستواها الدراسي…

كم دارت بينهما حوارات في مجالات شتى…

كان منها حوار حول ادب الكاتب اللبناني المهجري “جبران خليل جبران”

  ذلك الأدب الذي يصنع عالما آخر مُنْبَتَّاً منقطعاً عن الواقع، يدفع الحالم فيه للهروب إليه، وهو عالم يستهوي فئة من الناس، وسأتصرف في نص الحوار قليلا، متكئا على روعة ما توصل إليه الدكتور الفذ وليد سيف من نظرة بنى عليها علاقة فريدة بين الواقع والأحلام، وأثر الواقع في صناعة كينونة الإنسان، ذلك الإنسان الذي يغرف من هذا الواقع أجمل ما فيه، وأقسى ما فيه، ليشكل منها أحلاما يصنع مستقبله على مثالها،

الفرق بين الأحلام الجبرانية، التي يبنيها على عالم من الأوهام ليختبئ الحالم في قوقعتها بعيدا عن الواقع المر وبين الأحلام التي تحمل معها رائحة عرق الفلاح، و”الطوبرجي”، ودم الشهيد، ولا تخجل حتى من رائحة مجاري المخيم،

الأحلام التي ليست إلا مشروع المستقبل الذي يعمل الحالم على صناعته لأجله ولأجل الناس، لا الملجأ المنبت عن الحياة، الذي يهرب إليه الحالم كي يهرب من تكاليف الحياة، وخوض غمراتها، ومدافعتها، تصنعه تارة، ويصنعها أخرى!

 يقول علي لسلمى: لقد دفعت ثمنا غاليا حتى وصلت لمثل هذه القناعة!

ثم يسرد عليها جملة من أسباب الشقاء التي لازمته في طريق صناعته لكينونته التي بلغها،

مسير عشرين كيلومتر يوميا ليصل لأقرب باص يقله للمدينة،

غسْل رغيف الخبز المتعفن وتجفيفه تحت الشمس، والاكتفاء بشقه قوتا لليوم،

ومشاهدة الفلاح يكبر مع بارودته التي حملها في الجبال في ثورة 1936 الكبرى، وحملته لترفعه، لأنه تمثل في صناعة واقع يطمح إليه،

ثم عايش موت الثورة، واختفاء البارودة، لينتكس الفلاح ثانية ويرجع صغيرا بلا بارودته، فلم يعد له دور في صناعة الحالة،

عاد ليقع تحت رحى الواقع الذي يشكله على مثال بعيد عن الأحلام، فكان لا بد أن يرجع صغيرا مهما كد أو كابد!

وقارن ـ علي ـ  لها -من ثم- بين نفسه وأخيه حسن!

ذلك الذي كان يحلم صغيرا بأن يمتلك العالم كله، فيبني فيه بيتا فخما، ويرفع عنه الظلم، ويخفض الظالمين، بينما لم يكن علي يحلم كثيرا،

فلما حدثت النكبة (1948) حمل حسن بارودته واتخذ قراره الحاسم بالانغماس في غمرات الواقع الذي احتاج تضحية، فهذه ساعة عرس بين الأحلام وبين صناعة الواقع، فإما أن يشكل الواقع تشكيلا صحيحا، أو يمضي في أحلامه لآخر الشوط، فيضحي في سبيلها -إذ لم يستطع تحقيقها- بروحه!

بينما جلس “علي” يفكر ويتأمل، والأشياء تمر من حوله، وهو ضائع تائه في ركام الواقع والحاضر، لا يدري ما يصنع، لا يملك أحلاما يقيس الواقع على مثالها، ولا يملك فعلا يدفع الواقع تجاهه بالفعل،

ثم لم تلبث الصورة الواقعية أن اتضحت وتكشفت عن أخ شهيد وآخر يعاني من جراحه

سواء جراح الحرب، التي خلفت في صدره شظية لم يستطع إخراجها، أو جراح موت الثورة وعودته فلاحا في نظر المجتمع بلا قيمة،

والأشياء هذه حصلت لـ “علي” ولم يصنعها هو، إذ إن من لا يملك أحلاما، ويعيش متأملا في الواقع، فما لا يفهمه أكثر مما يفهمه، لن يملك تغييرا، فلن يكون إلا مفعولا به لا فاعلا!

والأدب والفكر الذي يحمله يخشى أن يكون جزءا من عجلة التغيير التي تدور رحاها من حولنا وتفوق قدرتنا نحن على التغيير،

وجوهر الموضوع هو الحاجة الفعلية للتغيير

فالأحداث العاصفة التي صنعتنا ودارت رحاها بأحلامنا وثقافتنا وشخوصنا نتجت عن وضعٍ أثبت حاجتنا لتغييره!

فما هي صفة التغيير الصحيح؟

انتهى الحوار بكثير من التصرف فيه . . .

إن عالم الأحلام المُنْبَتِّ عن طبيعة الحياة عالمٌ لا ينبغي العيش فيه ولا لثانية،

وإنما يجب أن نحيا الواقع وننغمس فيه لنغيره بأحلامنا التي نترجمها لعجلة دفع عملية التغيير نحو الغاية،

فلا نرضى من الواقع إلا ما اضطررنا إليه، نكون فيه فاعلين لا مفعولا بهم،

فلا نسمح له أن يصنعنا ويشكلنا برحاه التي لا ترحم

وإنما نصنعه على بصيرة بفكرنا وعلمنا وبصيرتنا فنجعله على مثال أحلامنا

شاهد أيضاً

من غير مشيعين مشى الأخضر إلى غيابه الأخير

* فاروق يوسف أسوأ ما في الموت أنه يستدعي الرثاء. ولأن الموتى لا يقرأون المراثي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *