الرئيسية / خبر رئيسي / “شقة في باريس” لغيوم ميسو: مفاجآت تحملها هموم صغيرة

“شقة في باريس” لغيوم ميسو: مفاجآت تحملها هموم صغيرة

* يوسف ضمرة

كنت قرأت لهذا الروائي الفرنسي الشاب رواية بعنوان «الصبية والليل»، وقد فوجئت به يكتب رواية بوليسية «موضوعًا وحبكة» وبخيال بعيد المدى. وحين قرأت روايته هذه «شقة في باريس» تحقق ما فكرت فيه، من حيث كونها رواية بوليسية كذلك. ولا أخفي إعجابي الكبير بهذه التقنية المشوقة والممتعة، التي تقوم على مفاجآت تحملها تفاصيل صغيرة ربما يستخف بها القارئ في البداية.

يخالف غيوم ميسو منذ البداية توقعاتنا في روايات كهذه؛ فأن يلتقي شاب وشابة في الأربعين، في شقة «أصبحت لهما لأيام» بعد استئجارها، يتوقع أن تتبدد سحب النفور الأولى ليتحول مسار الرواية إلى قصة حب، لا نعرف كيف تنتهي، وبخاصة أننا نتحدث عن خمس مئة صفحة! المفارقة الأولى تتعين في استئجار الشقة في وقت واحد من جانب اثنين، وهو ما يتبين على الفور أنه خطأ في الإعلان على الشبكة العنكبوتية. فما إن يدخل الكاتب المسرحي الشاب «غاسبار» إحدى قاعات المنزل، حتى يفاجأ بامرأة شبه عارية بعد خروجها من الحمام، فتصيبه صدمة عنيفة. وحين يسألها عن سبب وجودها في منزله، تجيبه أن هذا هو السؤال الذي توجهه هي إليه.

ثمة أسباب عدة للنفور، فكلاهما استأجر الشقة في ضاحية شبه ريفية، لأن كلًّا منهما لديه أسبابه الخاصة؛ فهو كاتب مسرحي شهير تعرض مسرحياته على أكثر من خشبة حول العالم، إلى الحد الذي يجعلنا نقول: إنه شاب ثري. هي عملت مدة طويلة محققة جنائية في بريطانيا قبل أن تصاب بانتكاسة بسبب ارتكابها خطأً في إحدى القضايا، وهو ما أدى إلى فصلها، ليتبين لاحقًا أنها كانت محقة ويعاد لها الاعتبار، لكنها تختار العمل في نيويورك ضمن القضايا الجامدة أو المجمدة التي تثير الملل، فتقرر الانسحاب. تجمع ثروة صغيرة تؤهلها لحياة مريحة.

غيوم ميسو

يستأجر غاسبار المنزل ليتفرغ لكتابة عمل مسرحي جديد، ومادلين تستأجره محطة ترتاح فيها قبل عملية جراحية تنتظرها في مدريد، لتعود لقضاء نقاهة في المنزل بعد العملية. هذه هي القاعدة التي تبدأ الرواية معمارها فوقها، من دون إغفال لتفاصيل تخص شخصية كل منهما. هو بالطبع لا يستطيع الكتابة طالما هنالك شخص آخر في المنزل، وهي لا تستطيع الحصول على الراحة المطلوبة لا قبل العملية ولا بعدها.

يتحرك الفضول الإنساني لاكتشاف المنزل. يعرف كلاهما أنه ما تبقى من ثروة رسام شهير يدعى شون لورينز، ولا يوجد أحد مهتم بالثقافة والفنون إلا وعرفه وقرأ عنه وشاهد لوحاته، سواء على نحو مباشر أم غير مباشر. يتأملان أثاث المنزل واللوحات والصور الفوتوغرافية، ويعرفان من الوصي على تركة لورينز أن الرسام فقدَ ابنه الصغير على أيدي عصابة مجهولة. تتناول الرواية (صدرت عن المركز الثقافي العربي 2020م، ترجمة حسين عمر) مرحلة الثمانينيات في نيويورك حيث معدلات الجريمة العالية والفوضى والمخدرات، إلى الحد الذي أصبحت فيه نيويورك مدينة مخيفة. فالسرقات لا توقف بل تزيد نسبتها، والجرائم تتنوع، والخوف يخيم على المدينة، وهي المرحلة التي شهدت تغوّل وول ستريت على المدينة، بل على البلاد كلها تقريبًا.

الرسام الراحل شابًّا

تنشأ علاقة ودية بين الوصي ومادلين، فيبدأ في كشف بعض المعلومات عن الرسام الراحل شابًّا، بينما يُقلّب غاسبار في أوراق لورينز في المنزل ويعثر على بعض المعلومات. وفي النهاية تبرز بعض المعطيات التي تختفي وراءها أكثر من جريمة، بما فيها مقتل الطفل ابن الرسام لورينز. وهنا سيكون علينا الانتباه إلى مسألتين: الأولى أن حالة من التوافق والود نشأت بين مادلين وغاسبار، والثانية هي بروز شخصية الرسام الغريبة التي تقفز لتصبح الشخصية الأساسية في الرواية. ولكن اللافت هو أن الاثنين يبديان الاهتمام نفسه في الكشف عن بعض الغموض الذي يلف حياة الرسام واختطاف ابنه وقتله، ويتجاهل كل منهما السبب الرئيس الذي جاءا لأجله إلى باريس.

هذه التقنية الروائية الفريدة، تجعل من الرواية البوليسية أكثر من مجرد متابعة قاتل غامض، فهنالك حياة ثرية وإنسانية يطلعنا عليها الروائي تدريجيًّا، بحيث نتعاطف أحيانًا مع بعض القتلة من دون أن ندرك ذلك. ونود لو تأخذ الرواية منحًى يلامس عاطفتنا، لكنها لا تفعل ذلك دائمًا. نعرف من الوصي أن شون لورينز توقَّف عن الرسم تمامًا بعد اختطاف ابنه وقتله. ثم نكتشف أن هنالك ثلاث لوحات رسمها لورينز بعد هذه الحادثة، وهي مفقودة تمامًا.

نتذكر على الفور رواية هاروكي موراكامي «مقتل الكومانداتور» حيث يقيم رسام البورتريه في منزل رسام ياباني شهير، ويكتشف مصادفةً أن هنالك لوحة مغلفة للرسام الشهير لم يرَها أحد، ما يوجه اهتمام رسام البورتريه إلى هذه اللوحة التي لا يعرف بها أحد حتى ابن الرسام الشهير نفسه. هنا يبدأ غاسبار الكاتب والمحققة السابقة مادلين في البحث عن هذه اللوحات الثلاث، حيث تدرك مادلين أن كل تفصيل مهما كان دقيقًا ربما يكون مفيدًا أو علامة على طريق الكشف.

وهو ما يفعله رسام البورتريه في مقتل الكومانداتور، حيث يتابع ضربة فرشاة أو درجة لون أو تكوينًا أو توازنًا هنا وخللًا هناك؛ ليعرف في النهاية المعنى الذي أراد الرسام الشهير تضمينه في تلك اللوحة. ولكن هنا يبرز سؤال لا بد منه، وهو: كيف أصبح شون لورينز رسامًا؟ وكيف اكتسب هذه الشهرة؟ وهل لطفولته علاقة بالأمر؟

دائرة الأسهم النارية

يكتشف غاسبار ورفيقته مادلين أن شون لورينز كان في مراهقته في نيويورك مشاغبًا، وفي أواخر الثمانينيات كان يُشكّل مع اثنين آخرين عصابةً أو مجموعةً أطلقت على نفسها دائرة الأسهم النارية. لقد سرق سرقات بسيطة، لكن الأهم هو اهتداؤه إلى فن الغرافيتي، حيث كان يُرى دائمًا وفي يده علبة الألوان، وكانت رسوماته أخذت تتكاثر على عربات المترو وزجاج المحلات وجدران البنايات ولوحات الشوارع. هكذا اكتُشف رسام سيصبح بعد وقت قصير عَلَمًا من أعلام الفن التشكيلي في أميركا، وترتفع أسعار لوحاته شيئًا فشيئًا إلى أن أصبح فنانًا ثريًّا. لكنه ظل انطوائيًّا ولم يكن يحب الظهور في وسائل الإعلام، وهو ما رأت فيه وكيلة أعماله كارن حافزًا لمزيد من الشهرة.

هل ثمة شيء من التوافق بين الكاتب المسرحي غاسبار والرسام لورينز؟ يخبرنا الروائي أن الكاتب المسرحي معروف بعزلته وبُغضه الناس وعدم اختلاطه بأحد، وهو يعيش قرابة ستة أشهر سنويًّا في أرخبيل الجزر اليونانية حيث يمتلك شقة وقاربًا، ويغادر الأرخبيل في موسم السياحة اليوناني، فيعود إلى نيويورك. وإذا ما عرفنا أن الرسام لورينز تزوج وأنجب طفلًا ثم انفصل عن زوجته، أدركنا حجم التشابه في الشخصيتين. كلاهما مبدع، وكلاهما من أبناء العزلة، وكلاهما لا يقيمان علاقات شخصية بأحد، حتى إن الكاتب المسرحي غاسبار لا يستخدم وسائل التقنية الحديثة، لا للكتابة والقراءة، ولا للتواصل مع أحد، لدرجة أنه لا يحمل هاتفًا ولا يجيد استخدامه. وكلاهما معروف على نطاق البلاد. وربما لولا هذه التشابهات ما كان الكاتب غاسبار لينخرط في موضوع الرسام وما حدث معه وله ولابنه. بمعنى أن الكاتب كان يبحث من خلال متابعته قضية الرسام وحكايته عن شيء آخر غير المجرمين أو المصاير الغامضة.

كانت الحياة للكاتب غاسبار، عبثية وبلا جدوى، ولا تستحق أي عناء، وكان يرى في العلاقات مجرد استعراضات وديكورات هامشية لا معنى لها. لكن اختطاف طفل وقتله ذبحًا أيقظ فيه كثيرًا من المشاعر، خصوصًا حين يعرف تداعيات هذا الفعل الإجرامي على حياة الرسام شون. شيء ما في داخله أنساه المسرحية التي جاء لكتابتها وتبع مشاعره الكامنة بوصفه إنسانًا. لقد تمكنت حادثة واحدة عرفها من قرب، أن تجعله يخاطر أحيانًا بحياته وهو يلاحق التفاصيل والأخبار والأسماء والأماكن الخطرة والمجرمين القتلة. لقد أجرى الرسام لورينز عمليتين في القلب، لكنه توفي بعد عملية خطف ابنه ومقتله، وكان هو في طريقه إلى مكتب مادلين التي كانت تخلَّت عن عملها في ذلك الوقت. كانت تلك مأساة حقيقية، خصوصًا أن الرسام كان بلا قريب أو صديق، إذا استثنينا ضابط شرطة يدعى أدريانو سوتوماير، كان يشكل معه وفتاة تشيلية مجموعة الأسهم النارية. لكن سوتوماير يُقتل قرب المكتب، لنكتشف أن شون لورينز كان ذاهبًا لمقابلته لا لمقابلة مادلين. لقد تخلَّت مادلين عن عمليتها التي كانت تتضمن تلقيح إحدى بويضاتها لتنجب طفلًا، وتخلى غاسبار عن مسرحيته ليتفرغا معًا لمتابعة مأساة شون لورينز وابنه.

بياض يغطي مساحة اللوحة

كان الكاتب غاسبار يكتشف في كل خطوة يخطوها أنه يزداد تصميمًا على معرفة ما حدث. ولذلك أخذته الصدمة حين عُثِر على اللوحات الثلاث المفقودة لشون لورينز. كان يحدق غير مصدق هذا البياض الممتدّ الذي يغطي مساحة اللوحة. لكن ما جذبه أكثر هي تلك اللوحة التي رسمها شون، كترجمة لونية لإحدى حكايات الأطفال. كانت مكونات الحكاية التي كان يحكيها ليليًّا لابنه، موجودة في اللوحة، لكن لورينز أضاف الحمار الوحشي غير الموجود أصلًا في الحكاية، وهو الأمر الذي أثار مخيلتي غاسبار ومادلين. ماذا كانت تعني تلك الخطوط السوداء والبيضاء؟ وبعد جهد جهيد يتمكن الاثنان من تركيب بعض الحروف من خلال تلك الخطوط، ليكتشفا جملة تقول: «جوليان حي»! وجوليان هو ابن الرسام لورينز.

كان هذا أحد ألغاز الرواية؛ فقد صُوِّرت عملية طعن جوليان وشاهدها الجميع، وهو ما جعل مادلين وغاسبار يحاران في الأمر؛ فهما قد شاهدا عملية القتل، كما أنهما لا يعرفان كيف تمكن الرسام لورينز من تأكيد مقولته، وهو ما جعله يحاول إيصالها لعدد ممن هم قادرون على إنقاذ ابنه!

لقد تمكن الاثنان أخيرًا من العثور على الطفل، ليعود بنا الكاتب إلى بداية الرواية؛ فحين جاءت مادلين لاستئجار المنزل كان ثمة طفل يلعب بطائرة صغيرة، ويقول بصوت عال: «إنها تطير يا ماما». ويقول الجملة نفسها قرب غاسبار: «… يا بابا». لقد اكتشف غاسبار ذاته المفقودة؛ ذاته التي نخرها العبث في عزلته وفي بُغضه الآخرين. كان يبتعد من الآخرين لأنه ربما يخشاهم ويخشى ما يترتب على علاقاته بهم.

لا أستطيع تلخيص الرواية المليئة بالتفاصيل، ولكنني أشدد على أن الجريمة أو المأساة كانت سبيلًا لإيقاظ روح إنسان كان يدرك في أعماقه أنه ليس حيًّا تمامًا، على الرغم من ثرائه والامتيازات التي يحظى بها. وكما انفصل شون لورينز عن زوجته عارضة الأزياء، ينفصل غاسبار عن ماضيه العبثي، وتقلع مادلين عن فكرة الإنجاب بالتلقيح الخارجي؛ لأن الاثنين نراهما وجوليان ابن الرسام معًا في المنزل.

كان لورينز مقبلًا على الحياة محبًّا لها، لكنه أصيب بعطب في قلبه سلبه حياته واستمتاعه بابنه بعد حياة الفقر والبؤس التي عاشها صبيًّا ومراهقًا مطارَدًا. بينما غاسبار كان يدير ظهره للحياة لأنه لا يراها، إلى أن اكتشفها في شغف لورينز بالرسم وفي حبه ابنه الطفل، حتى في حبه زوجته بينيلوب التي يرسمها أكثر من عشرين مرة. لقد اكتشفت بينيلوب أن فن لورينز يعيش على حياة الناس كما قالت لغاسبار، حيث تزداد لوحاته التي استلهمها منها جمالًا، بينما هي تتقدم في العمر وتذوي. إنها رواية بليغة عن الحياة، في جوانبها المختلفة كلها.

 

  • عن الفيصل

شاهد أيضاً

هل كان المتنبي عنصرياً؟

د.حاتم الصكَر   1- لا تزال قراءة الشعر حتى  التراثي منه تتم بطريقة تُجرده من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *