الرئيسية / خبر رئيسي / متى يخرجُ الببغاء إلى الهواء؟

متى يخرجُ الببغاء إلى الهواء؟

دفاتر مسافر

فُسْتان | لُورْيُو | ألمانيا

ترجمة من الألمانية إلى العربية: نورالدين الغطاس

مقدمة:

“الذي يعتقدُ أن الفُكاهة هي الضحك على الآخرين، لم يفهم بعد معنى الفُكاهة. لكي تكونَ ذو دعابة ومزاح يجبُ أن تضعَ نفسكَ أولاً رهن ذلك.” لُورْيُو

في رثائه قال الرئيس الألماني السابق كْرِسْتْيَانْ فُولْفْ “لقد تعلَّمنا عبر لُورْيُو الضحك على الأمور المعقدة والبديهية في الحياة. نحنُ معجبون بأفكاره، خياله اللامحدود، وهدوءه المتميِّز. (…) فكاهتهُ، التي لا تُنسى، تجعلُنا سعداء، تعكسُ، بدون مَثِيل، السلوك الإنساني…”

يقترنُ اسم لُورْيُو في الذاكرة الألمانية بالفكاهة الجميلة، العميقة، القريبة والبعيدة في آن واحد. ما زالتْ نصوصه حيَّة وكأنَّها كُتِبَتْ البارحة. لقد تعرفتُ عبرَ أعماله على بعض خبايَا الروح الألمانية، بقدر ما تجعلني طريقتهُ الغير المباشرة دخول بيوت الكثير من الألمان، أتحسسُ فيها حواراتهم الحميمية، بقدر ما أجدُ في نصوصه شاعرية، ربما لا تظهر جليًّا عند القراءة الأولى. في سنواتي الأولى بألمانيا أهدتْنِي إحدى صديقاتي كُتَيِّب صغير لِلُورْيُو تحت عنوان “مشاهد زواج بالصورة والكلمة”، الكُتَيِّب أكلتهُ الشمس وأصبح أصفر مع مرور السنوات، لكنَّه يحوي نصوصا رائعة، غالبيتها حوارات بين زوج وزوجته، أعيدُ دائما قراءتها بدون ملل. هل يُفْشي الحوار بين الزوج وزوجته، بشرط أن يكون هناك حوار، أشياء عن المجتمع والقيم السائدة؟ هل هناك لغة للنساء ولغة للرجال؟ خصوصا في ضوء سوء التفاهم بين الجنسين…

ما بدى لي بعد مراجعتي وترجمتي لهذا الحوار هو أن لغة الزوجة تبحثُ عن الاقتراب الحميمي، تريدُ المشاركة، كونُها تبحثُ عن شيء آخر، وراء الكلمات بلغة غير مباشرة، في حين لغة الزوج تحملُ شيئا من اللامبالاة، وفقاً للشعار “دعيني وأمري، لا أريد الإزعاج”، مما يجعلُ أجوبته رهينة الحقائق بلغة مباشرة. كلاهما يؤوِّلُ حسب تركيبة تفكيره.

بإحساسه وأعماله ساهم لُورْيُو في ترميم النفس الألمانية الكئيبة بعد الحرب العالمية الثانية، حتى يُمكننا القول إنه أعاد الابتسامة إلى الوجوه بعد دمار الحرب ووحَّد النُّفوس. هذا الرجل، الذي كان كذلك رسام كَارِيكَاتُور، كتبَ الكثير الجميل والعميق، سُؤِلَ يوماً عن عمل الفكاهي فقال، “…الفكاهة عمل كالغناء والسياسة، عمل مدرُوس للغاية على المكتب، يتطلبُ تركيزا هائلا…”

للترجمة اخترتُ هذا الحوار بين زوج وزوجته وهم يستعدون في المساء للذهاب إلى دار الأوبرا، يتواجدون بين الحمام وغرفة النوم، فيما يسمى غرفة الملابس، بالوسط مرآة كبيرة، المرأة تحاول تجفيف شعرها، والرجل منشغل بربطة عنقه. كتبَ لُورْيُو هذا الحوار سنة ١٩٨١م.

نورالدين الغطاس – المغرب

فُسْتان

الزوجان: الزوج السيد لُورْيُو (هو)، الزوجة السيدة إِفِلِينْ هَامَانْ (هي).

هي: هل يُعجبُكَ فُستاني؟

هو: أي فُستان؟

هي: الفُستان الذي أرتدي.

هو: جميل بشكل مُتميِّز.

هي: أم أنَّ الفُستان الأخضر يُعجبُكَ أكثر؟

هو: الأخضر؟

هي: الفُستان، النِّصف الطَّويل ذو فتحة العنق المُدَبَّبَة.

هو: لاَ.

هي: لماذا، “لاَ”؟

هو: لا أجدهُ أجمل من الفُستان الذي ترتدي؟

هي: لقد قُلتَ، الفُستان يليقُ بي جيّداً.

هو: نعم، يليقُ بكِ.

هي: لماذا لا تجدهُ أجمل، إذن؟

هو: أجدُ الفُستان الذي ترتدي جميل، والآخر يليقُ بكِ كذلك.

هي: آهِ. هذا إذن لا يناسبُني جيِّدا؟

هو: بَلَى. أيضاً.

هي: إذن، سوف أرتدي الفستان الأزرق الطويل بقصة البيبلوم، مرة أخرى.

هو: أه نعم.

هي: أم كونُهُ لا يعجِبُكَ؟

هو: بَلَى.

هي: أعتقدُ، إنَّهُ فستانُكَ المفضل؟

هو: نعم.

هي: إذن هو يعجِبُكَ أحسن من الذي أرتدي، ومن الآخر النصف الطويل، الأخضر بفتحة العنق المُدَبَّبَة.

هو: أجدكِ فاتنة في الفُستان الذي ترتدي.

هي: الإشادات لا تُساعدُني اللحظة في أي شيء.

هو: حسناً، إذن اِرتدي الأزرق الطويل بقصة البيبلوم.

هي: أنتَ غير مُعجب بما أرتدي كليًّا!

هو: بَلَى، يبدو أنكِ أنتِ غير سعيدة على ذلك.

هي: غير سعيدة؟ هذا أجمل فُستان في حوزتي.

هو: إذن، احتفظِ بما ترتدين.

هي: من قبل قُلتَ، يجبُ أن أرتدي الفستان الطويل الأزرق بقصة البيبلوم.

هو: يمكِنُكِ ارتداء الأزرق بقصة البيبلوم، أو الأخضر بفتحة الصدر المُدَبَّبَة، أو الذي ترتدي.

هي: آهاَ، أنتَ لا يهمُكَ بتاتاً ما أرتدي.

هو: إذن، اكتسِ الأخضر، الخلاَّب الأخضر بفتحة العنق المُدَبَّبَة.

هي: أولاً، يجبُ عليَّ الاحتفاظ بما ألبسُ، بعدها يجبُ عليَّ لباس الأزرق، والآن فجأةً الأخضر؟

هو: حبيبتي، يمكِنُكِ إذن…

هي: نعم، يُمكنني الحديث معكَ حول النفايات النووية، حول أزمة النفط، الحملة الانتخابية والتلوّث البيئي، لكن حول…لا أهم من ذلك…!!

فِيكُو فُنْ بِيلُوفْ، الملقب بي لُورْيُو، من أبرز الفكاهيين الألمان بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ مشواره الفني كرسام كَارِيكَاتُور، بعدها التمثيل والإذاعة. ولد في الثاني عشر من نوفمبر ١٩٢٣ بألمانيا، ترعرع ببرلين، قبل الرحيل مع والده الى مدينة شْتُوتْغَارْتْ حيث أنهى تعليمه. درس الرسم والتصميم الجِرافيكي بجامعة هَامْبورغْ، أنجز العديد من الرسومات، الحكايات القصيرة، كُتُب وأفلام. تتميّزُ أعماله، خصوصا الرسومات بتركيزها على مواقف بسيطة من الحياة اليومية، غالبا صحبة كلمات قصيرة، تتركُ كل المساحة للمشاهد والقارئ للتأويل. في بداية مشواره لم يكن النجاح صاحبه، بعدما نشر سنة ١٩٥٤ أولى أعماله في كتاب رسومات، دار نشر سويسرية، انطلق مشواره الفني بطريقة مستمرة وناجحة. بحق يعتبر لُورْيُو فنان استثنائي. ترك بصماته واضحة على ألسنة الألمان. وافته المنية يوم الثاني والعشرون من أغسطس سنة٢٠١١، عن عمر يناهز ٨٧ سنة.

شاهد أيضاً

 تودوروف و سيرولنيك : مامعنى الشر؟

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *