الرئيسية / خبر رئيسي / العِلمُ العربي وعصور التنوير

العِلمُ العربي وعصور التنوير

  • يقظان مصطفى

تبدو دراسة (العلم العربي)؛ أي المكتوب بالعربية، ضرورةً، ليس فقط لرسم اللوحة التاريخية الإجمالية لتطور العلوم، بل لتثبيت وقائع تاريخ كلٍ من الفروع العلمية التي كانت محل اهتمام العرب والمسلمين، على طريق إظهار الجذور الثقافية للعلوم، بهدف إنعاش التماسك الاجتماعي والاحترام المتبادل بين الشعوب.

هنا محاولة لتعزيز الإدراك بما قدمته الحضارة الإسلامية العربية من إسهامات علمية في تشكيل الحضارة الإنسانية المعاصرة، وسينجلي لنا عصر ذهبي على مدى ألف من الأعوام امتدت من نحو العام (700م إلى 1600م). خلال تلك العصور التسعة التي كان فيها الغرب يعيش ما سمَّاه مفكّروه مرحلة (عصور الظلام)، كان الشرق العربي يعيش عصور علم وإشعاع و(تنوير)، واكبتها اختراعات وابتكارات أسّست لـ (عصر النهضة) الذي نتمتع به اليوم.. لكنها قرون تجاهلتها وغبنتها العصور التي تلتها.

لقد كانت الحضارة العربية الإسلامية شريكاً أصيلاً فيما وصلت إليه الحضارة الإنسانية اليوم من تقدم علمي وتقاني، بفضل نحو ألف سنة من العلوم والتكنولوجيا في حياة روّاد العصور الوسطى.. فمنذ القرن التاسع الميلادي كان للعلم لغةٌ هي العربية ما بين حدود الصين والأندلس: تداولاً بين العلماء المتنقلين بين أرجاء الإمبراطورية، ومكاتبةً ومراسلاتٍ علميةً بينهم، وبات ممكناً أن نقرأ، في لغة واحدة، في (سمرقند) كما في (غرناطة)، مروراً ببغداد ودمشق والقاهرة، ترجماتِهم للإنتاج العلمي للحضارات الأسبق عليها؛ هنديةً وصينية وإغريقية.. كما نقرأ بها أبحاثهم الجديدة بمضامينها المبتكرة.

اليوم توضح الدراسات الاجتماعية المنصفة لـ (العلم العربي) دور المجتمع الإسلامي والمدينة الإسلامية في تلك الحركة التاريخية التي أتاحت الالتقاء والتزاوج لتياراتٍ علمية كانت مستقلّة حتى ذلك الحين؛ ففي القرنين الحادي عشر والثاني عشر تابع علماءٌ عربٌ ومسلمون توسيع النتائج التي كان قد تم التوصل إليها، ودمجها في بنىً نظريةٍ، غالباً ما كانت غريبة عن حقولها الأصلية؛ وتلكم ظاهرة تبدّت في الطب وعلوم العقاقير والكيمياء.. وأيضاً في العلوم الرياضية، كما تشهد على ذلك مؤلفات البيروني، أو أعمال السموأل (حول الطرق الهندية في الاستكمال التربيعي)، وكذلك الصياغة التي قدمها ابن الهيثم لمبرهنة (البقية الصينية) في نظرية الأعداد.

من المؤلفات العربية القديمةكما أن الأسلوب الذي اتّبعه المسلمون في إدارة عالَمٍ يمتد من الصين إلى إسبانيا، وعلى أمد قرونٍ، على صعيد إدخالهم مفهوم (المؤشر الاقتصادي) في مكافحة التضخم الذي كان متفشياً في أرجاء الإمبراطورية الرومانية قد لفت أنظار مفكرين عتيدين ومنصفين.

وتقول سيدة الأعمال كارلتون فيورينا، الرئيسة التنفيذية لـ(هيوليت باكارد) والمؤرخة المرموقة: (.. إن الحضارة التي أتحدث عنها هي حضارة العالم الإسلامي منذ العام (800 م وحتى العام 1600م)، وشملت بلاطات بغداد ودمشق والقاهرة والسلطنة العثمانية). وتساءلت: لماذا لا نجد في مناهجنا الوطنية المعلومات التي تفصح عن إسهامات الحضارة العربية الإسلامية في صناعة التكنولوجيا.

حقّاً هي عصور ذهبية غطت العصور الوسطى، خلالها كان المسلمون روّاد ميادين علمية متنوعة: الطب والميكانيكا والكيمياء والهندسة والعمارة والفلك، والرياضيات بتعدد فروعها مع ابتكار فروع جديدة فيها، والجغرافيا وفن رسم الخرائط.. والتربية وإقامة المنشآت التعليمية والمستشفيات التعليمية؛ ترودهم تقصّياتٌ معزَّزةٌ بالتجارب العلمية الصارمة.

ومنذ ألف سنة وصف الزهراوي الطبيب الجراح الشهير في قرطبة في كتابه (التصريف) أصول النظافة، وخصّص فصلاً عن مستحضرات التجميل؛ معتبراً إيّاه فرعاً من فروع الطب. وألّفَ الكِندي الكوفي المولد، والفيلسوف والطبيب والصيدلاني والكحّال (طبيب عيون) والفيزيائي والجغرافي وعالم الرياضيات ولغات التعمية (التشفير).. والموسيقا أيضاً، كتاباً في العطور بعنوان (كتاب كيمياء العطر والتصعيدات).

وابن الهيثم، الأشهر في الغرب، أجرى قبل (1000) سنة تجارب دقيقة جداً مكّنته من إثبات أن (الإبصار يتم بانعكاس الضوء على الأشياء ومن ثمّ بدخوله العين)؛ رافضاً بذلك نظرية الإغريق في جملتها.. ما دعا المؤرخ جورج سارتون للقول في كتابه (تاريخ العلوم): لقد أحدث الحسن بن الهيثم Alhazen تأثيراً عظيماً في الفكر الأوروبي؛ من بيكون إلى كيبلر.

إن التماثل الصوتي بين السلم الموسيقي والألف باء العربية المستخدمة (دال، راء، ميم، فاء، صاد، لام، سين) يعد تماثلاً مدهشاً.. وقد ناقش الكندي الدلالات الكونية للموسيقا، واستخدم الحاشية الألفبائية للثُمن الواحد. بعده بسبعين سنة جاء الفارابي فطوّر الربابة؛ سلف عائلة الكمان، واخترع طاولة القانون الموسيقي، وألّف خمسة كتب في الموسيقا. وفي القرن الثاني عشر تُرجم كتابه (كتاب الموسيقا الكبير) إلى العبرية.

كما كان الطب متاحاً للجميع بلا مقابل، والعلاج متقدماً جداً بمعايير ذلك العصر، وتوضع المعارف الطبية في (البيمارستانات) رهن إشارات المرضى: الأدوات متطورة، والعلاجات دقيقة واللقاحات منتظمة والخياطة الداخلية وتجبير العظام معروفة.. كما كان التعليم الطبي المتطور يجري في المستشفيات التعليمية.

وفي مدن القرنين التاسع والعاشر، مثل قرطبة الأندلس وبغداد العراق، قدمت الحياة تجربة ممتعة؛ تجربة حضارة راقية تتصف بحرية التعليم وبالرعاية الصحية.. ووفرت مرافقَ للراحة كالحمّامات والمكتبات، والشوارع المضاءة ليلاً. كانت القمامة تجمع بعربات تجرّها الحمير، وعُرف فيها نوع كافٍ من الصرف الصحي والمجاري تحت الأرض. في تلك المدن كان الجيران يعيشون بسلام في بيوتهم ووئام في ما بينهم بعيداً عن الشوارع العامة.. أما الأعمال والتجارة فكانت تنجز في الشوارع الرئيسة والساحات العامة.

وللحدائق، العامة والخاصة، كان نصيب؛ فهي كانت تحاكي فردوساً فيه تَضخ آلاتُ رفع ضخمةٌ الماء من الأنهار إلى الحقول والمدن.. وما تحقق من تقدم وازدهار في هندسة العمارة، قد ظهر جلياً في المساجد الضخمة؛ فهيمنت القباب على خط السماء، وربطت الجسور المهيبة بين الصدوع الجبلية.

وبحث البيروني نظرية دوران الأرض حول محورها قبل غاليليو بستمئة سنة ودرس حركتي المد والجذر. آخرون لاحظوا زرقة السماء وعلّلوها وبيّنوا كيف يحدث قوس المطر (قوس قزح)، وآخرون قاسوا محيط الأرض.. أما الاتصالات بالمراسلة فوصلت إلى درجة من الرُقي عالية، فكُتب الكثير منها بالشيفرة، وتشهد على ذلك أساليب الكندي في كتابة الشيفرة، وفي فكّها أيضاً.

وقبل القرن الثامن الميلادي راقب العلماء المسلمون السماء بعيون مراصدهم المشهورة، وبالخصوص الشمس والقمر.. وقد حققوا اكتشافات صنعت عهوداً جديدة في التاريخ والفكر كأول تسجيل لنظام النجوم خارج مجرتنا، وطوروا أدوات مثل الكرات السماوية والمحلّقات (ذات الحلق) والأسطرلابات الكونية والسُدسيات، فكان أول مرصد وأول جداول فلكية دقيقة.. وبفضل هذه العقول الإسلامية البارزة نجد أكثر من (165) نجماً تحمل أسماءً عربية، لا تزول.

عبر هاتيك العصور تطورت العلوم الصحية والعلوم الفيزيائية – الطبيعية التي وضعت باللغة العربية في (بلاد الأندلس)؛ أي في كامل إسبانيا المسلمة، بمعنى الواقع السياسي والثقافي الذي طالت حدوده جبال البيرينيه في القرن الثامن الميلادي، حتى أضحى علمُهم علمَ العالَم على امتداد سبعة قرون.. ولغتهم لغة العالم.

وتلك ميزة للعلم العربي بقيت في الظل هي (العالمية): مصادرُ ومنابعُ وتطوراتٌ وامتداداتٌ.. حتى باتت ليس مجرد نقلٍ للنتائج العلمية بل اندماج تقاليد علمية مختلفة غدَت موحَدّةً تحت قبة الحضارة الإسلامية الممتدة؛ هي كانت نتيجة متعمَّدة ومستهدفة لحركة ترجمة كثيفة، علمية وفلسفية، أنجزها مشتغلون محترفون، مدعومة من السلطة ومدفوعة بالبحث العلمي نفسه؛ مولِّدةً مكتبة عامرةً تتناسب مع حجم عالم تلك الحقبة.

  • عن الشارقة الثقافية

شاهد أيضاً

ما دور الفيلسوف في زمن الوباء ؟

أجرى الحوار – غيوم لامي ترجمة وتقديم – د. حورية الظل   تتحدث الباحثة والمفكرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *