الرئيسية / قراءات / سيمياء العنوان في “منديل أزرق جميل”

سيمياء العنوان في “منديل أزرق جميل”

خاص- ثقافات

*حنين ابداح

يتبارى الكُتّاب بالاهتمام بجماليات العتبات الأولى في مؤلفاتهم، وتشتمل هذه العتبات على الغلاف والعنوان والإهداء، ومرد هذا الاهتمام بالعتبات الأولى أن الأصل بها أن تكون مُرشدة إلى متن النص؛ وتتولى كشف مُعمياته.

ودون أدنى شك، يشكل العنوان أهم العتبات النصية الموازية المحيطة بمتن النص، ذلك أنه يتولى طائفة من الوظائف تتجلى من خلالها مدى أهميته، لعل أبرزها: توضيح دلالات النص، واستكشاف معانيه الظاهرة والخفية فهمًا، وتفسيرًا، ونحليلًا، وتفكيكًا. فهو المفتاح لسبر أغوار النص، والمضي قُدمًا في متن النص بالرغم من دهاليزه الممتدة، وكذلك هو الأداة التي يتحقق بها اتساق النص وانسجامه، وهذا يعني أن العنوان يحقق وظيفة الاتساق والانسجام على مستوى بناء النص أو الخطاب، ويعد كذلك من أهم العناصر التي يتم بها تحقيق الوحدة العضوية والموضوعية والشعورية ، وفي هذا، يقول جون كوهين : ((إن الوصل عندما ينظر إليه من هذه الزاوية ، لا يصبح إلا مظهراً للإسناد ، والقواعد المنطقية التي تصلح للآخر. ))وبها تبرز مقروئية النص، وبذلك فإن العنوان يقدم مساعدة كبرى لضبط انسجام النص واتساقه، وفهم ما غمض منه، وما خُفي. هذا عدا عن وظيفته الإغرائية في جذب المتلقي، يقول جيرار جنيت إن العنوان: ((مجموعة من العلامات اللسانية التي يمكن أن توضع على رأس النص لتحدده، وتدل على محتواه لإغراء الجمهور المقصود بقراءته)).

ويرتبط العنوان ذو صلة وثيقة بأفق انتظار القارئ، إن أفق هذا الانتظار يتحدد بالعنوان أولًا ومدى جاذبيته وقدرته على استفزاز قريحة المتلقي، ليكون سببًا بالولوج إلى متن النص، حيث أن أول ما يقف عليه القارئ هو العنوان، إذ هو في واجهته، فهو أول لقاء بين الكاتب والمتلقي.

و”العنوان سمة الكتاب أو النص، ووسمًا له وعلامة عليه وله، كما أنه يعود إلى القصدية التي قد تؤدي إلى مرجعية ما: ذهنية أو فنية أو سياسية أو مذهبية أو أيديولوجية”، لذلك لا يمكن مقاربة العنوان مقاربة علمية صائبة، إلا بتمثل المقاربة السيميائية التي تتعامل مع العناوين أولًا؛ باعتبارها علامات أو إشارات ورموزًا، انطلاقًا من مصطلح (Semiology) للعالم اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير والذي اعتنى بفاعلية العلامة وتوظيفها في الحياة العملية خاصة في عملية الاتصال وفي علم اللغة وبذلك نقلها من منظور فلسفي إلى حقل الدراسات اللغوية.

في ضوء ذلك، ما كان من السيمياء إلا أن تولي العنوان عظيم الاهتمام، بوصفه مصطلحًا إجرائيًّا في مقاربة النص الأدبي.

عنوان رئيسي مركزي وعناوين فرعية ثانوية

في المجموعة القصصية “منديل أزرق جميل” لإبراهيم غرايبة

لا نقصد بالعنوان فقط العنوان الرئيسي المركزي على غلاف صفحة المجموعة القصصية “منديل أزرق جميل”، إذ ثمة ما يشكل عناوين فرعية ثانوية داخل القصص، وهو إشارة لغوية تحدد بدقة مواضيع القصص، فداخل الكل الشاسع الذي يميل إليه العنوان المركزي، نجد تخصيصًا لجانب من جوانب القصة. هو إذًا عنوان ثانٍ يحد من شساعة أفق التصور التي يخلقها العنوان الرئيس.

وإذا كان العنوان الخارجي يعنون المجموعة القصصية ككل، فإن العناوين الداخلية تعنون الأجزاء الصغرى الداخلية وتحدد مضامينها أو توحي بها، أو ترتبط بها بأي شكل من أشكال الارتباط التام أو الجزئي، يقول ريناتير: ((يمكن للعناوين أن تشتغل دلائل مزدوجة، فهي تقدم القصيدة التي تتوجها ، وتحيل في الوقت نفسه إلى نص غيرها .. وبإحالة العنوان المزدوج إلى نص آخر فإنه يشـير إلى الموضوع الذي تفـسر فيه دلالة القصيدة التي يقدمها القارئ عبر المقارنة..)).

لا بُدَّ من الإشارة أن المجموعة تحتوي على أربع وعشرين قصة، هذا يعني أننا بإزاء أربعة وعشرين عنوان رئيسي مركزي للمجموعة.

لا غرابة أن تتصدر المجموعة قصة “منديل أزرق جميل” فغالبًا ما يكون عنوان القصة الأولى هو عينه عنوان المجموعة القصصية، ولكن إلى أي حد كان إبراهيم غرايبة مُوفقًا في انتقاء العنوان؟

إنَّ القارئ للقصة يجد أن القصة ذات فكرة واحدة غير متشعبة؛ لذلك اكتفى غرايبة بعنوان رئيسي، دون الحاجة إلى عناوين فرعية، كان فيها العنوان “المنديل الأزرق الجميل” هو رمز الأمل الذي يتمسك السجين به، فمن وجود المنديل الأزرق الجميل في بدلة السجن استمد السجين الأمل كما تشير القصة، ثم يكتشف السجين عند مغادرته السجن بأن هذا المنديل ليس لإدارة السجن، وإنما تركه سجين سابق في بدلة السجن، فيتعاظم شعوره بالأمل ليبقى محتفظًا بالمنديل على مدى سني حياته، وممنونًا لذلك السجين الذي لم يعرفه، فالمنديل هو قماشة رقيقة، والأزرق لون مُحبَّب للنفس، ونُعت المنديل بالجميل، كل هذا جعل منه أو إشارة أو علامة أو رمزًا منطقيًا،  للأمل الذي توالد لذاك السجين، وهذا يدفعنا للقول بأن العنوان قدّم عتبة قرائية موازية للقصة التي أسهمت في تلقيها، وفهمها، وتأويلها.

كذلك انفردت القصتان الثانية والثالثة بعنوان رئيسي لكل منهما، فكان عنوان القصة الثانية هو “محمية طبيعية” وعنوان القصة الثالثة هو”مصنع النسيج” ذلك أن أرض سرد أحداث القصة الثانية كانت محمية طبيعية، في حين كانت أرض سرد أحداث القصة الثالثة هو “مصنع النسيج”،  فيُظهر بذلك العنوان علاقته الانعكاسية للقصة؛ حيث تُختزل القصة – بناءً ودلالة – من العنوان، فأهمية العنوان سيميولوجيًا إذًا ليست هامشية، كونه أشد العناصر (السيميولوجية) وسمًا، للعمل الأدبي دون غيره من العناصر الأخرى، لأنه يشكل واجهة النص، وبؤرة اختزال الأفكار التي ينوي النص إبلاغها.

ويستمر غرايبة في نهج استخدام العنوان الرئيسي دونما الحاجة لاستخدام عناوين فرعية خلال القصة، فكانت القصة الرابعة بعنوان “صيد الثعالب” وهو عنوان رمزي، فالثعلب رمز المكر والخداع، والخداع أساس اللعبة، كما يعبر غرايبة بأنَّ “صيد الثعالب لعبة إدارة المدينة”.

وفي القصة الخامسة معنونة بـ: (الحذاء) وهو عنوان رمزي، يشير إلى دلالة الصراع الإيديولوجي الذي يشكل نظمًا من الأفكار في السياسة والقانون والأخلاق.

أما عنوان القصة السادسة (إلى المدرسة) فيعيدنا إلى ما قلناه في عنوان القصة الثانية والثالثة اللذين جاءا ليعكسان أرض سرد الأحداث.

 ونظرًا لأن المجموعة القصصية تُعنى بالمهمشين والوحيدين وأزمتهم في مواجهة الذات والمجتمع والدولة، فالقصة السابعة -كسائر قصص المجموعة- لم تتخلى عن هذا الهم فجاء عنوانها (أَنِي والخوف أردنيان) مستخدمًا فيه لفظ (أَنِي) لا (أنا)؛ وهذا استخدام مقصود فلفظ (أَنِي) يشير للبساطة على عكس (أنا) التي تحمل التعالي والكِبر. أما ذكر الخوف الذي نجده في العنوان قبل الولوج في متنها فهو باعتقادي مرتبط بالمعنى الوجودي، حيث يدفع الإنسان الذي يرغب في الحياة والحرية؛ لأن يعزل نفسه عن المجتمع، والمعنى الوجودي للإنسان قد يتأتى من الخوف، الذي قد يشكل طريقا ليصبح الإنسان حرًا طليقًا مسؤولًا عن تصرفاته، وهكذا؛ يصل غرايبة إلى التطهير بكل ما يحمله من معاني التنقية الإنسانية، وتصفية النفس من انفعال الخوف، وهذا يجعلنا نقول: بأن العنوان تمكن من تحديد هوية النص، والإشارة إلى مضمونه، لا سيما أن وظيفة التحديد هي الأهم من غيرها.

وإذا انصب تركيز القصة الثامنة المعنونة بـ: (من اليقين إلى الشك) على الوعي، الذي هو المحصلة الكلية للعمليات العقلية التي تشترك في فهم الإنسان للعالم والوجود الإنساني، مركزًا أكثر على وعي الذات، وهو عملية تعمل على تمكين معرفة الإنسان بذاته وبسلوكه وأفكاره ورؤاه واهتماماته، فلا غرابة أن يمثل العنوان صورة من صور التحول في استخدام من وإلى.

ولأن طريق التحول والتغير في حياة الفرد غالبًا ما يحوفها كثيرًا من الصعاب والمتاهات والمزالق، مما يُولد تشعبًا في الطرق للوصول إلى نقطة التحول، هذا الأمر لم يغفله غرايبة في القصة فكان تشعب أحداث القصة يتطلب عناوين فرعية ثانوية للقصة غير العنوان الرئيسي المركزي “من اليقين إلى الشك” وتلك العناوين الفرعية هي: “الذئاب الروسية” و”باص رقم5″ و”نصائح” و”ديناصور”، التي كان من شأنها عكس تشعب الطريق للوصول من اليفين إلى الشك.

وبالنظر للقصة التاسعة نجدها قصيرة بالقياس إلى القصص التي سبقتها، هذا القصر بالإضافة إلى احتواها على فكرة مركزية واحدة، جعل من القصة تعتمد على عنوان مركزي وهو “سقط غدًا جعل” دونما الولوج إلى عناوين فرعية.

يحوي العنوان “سقط غدًا جعل” على وظيفة إيحائية وإغرائية للقارئ، ذلك أن العنوان يحوي انزياحًا عن المألوف وهو بأن يستخدم الفعل الماضي للسقوط وهو “سقط”، ثم الظرف الدال على المستقبل وهو “غدًا”.

وفي القصة التاسعة يعكس عنوانها “المِذْراة” بأن النفس البشرية بحاجة للتمسك بشيء، ربما يكون ذلك مذراة -كما عند غرايبة- وربما يكون شيئًا آخر عند غيره، ولكن المسألة تبقى برمزيته.

أما القصة العاشرة المعنونة بـ: “حلم” فضجت بعناوين فرعية ثانوية كثيرة، وهي: “غابة” و”بحيرة” و”سفارة” و”أسد صغير” و”غدر” و”حديقة ومقعد” و”الصحف التيتانيك” و”صلاة” و”متاهة” و”بانتظار النهاية” و”بطاقة ائتمان (كريدت)” و”الصمت” و”حادث مرور” و”حدث يومي” و”اللوحة” و”الثور” و”حكومة” و”الأصلة”، هذه العناوين الفرعية شكّلت نقاط لسير العنوان المركزي “حلم”.

ويستمر غرايبة في سلك نهج اختيار عناوين فرعية لقصصه، كما في القصة الحادية عشرة المعنونة بعنوانها المركزي “الهمس” واحتوت بعض العناوين الفرعية في سرد أحداث القصة، في حين اكتفت القصة الثانية عشرة بعنوانها المركزي “مصباح علاء الدين” وهو عنوان يجذب انتباه المتلقي لما له في الذاكرة من قصص خيالية.

أما القصة الثالثة عشرة المعنونة بـ: “طفولة” والقصة الرابعة عشرة المعنونة بـ: “المقهى” فاكتنزتا بعناوين فرعية كان من شأن كل منها أن تؤدي دلالات مختلفة.

في حين اكتفت طبيعة القصص من القصة الخامسة عشرة حتى القصة الأخيرة بعناوين مركزي، ذلك أن الأصل في القصة أن تتسم بعنوان مركزي فقط، لكن إذا استدعت الحاجة لعناوين فرعية بتشعب فكرة القصة كان من باب الأولى استدعاء عناوين فرعية ثانوية.

اختتمت المجموعة بالقصة الرابعة والعشرين معنونة بـ: (الندم) جاء هذا العنوان المركزي ليعكس إحساس خذلان المهمشين الضعفاء الذي حاولوا كل ما في وسعهم للارتقاء وإثبات الذات، إلا أن لا أحد اهتم لأمرهم، فبعد سنوات من الأمل الذي رمز إليه “المنديل الأزرق الجميل” لم يلتفت إليه إلا ذاك البوم الوفي “رمز الحكمة” الذي كان يأوي كل ليلة إلى شرفة البيت.

وأخيرًا: إن هذه الدراسة جاءت لتسلط الضوء على التطور الحاصل في أهمية العنوان، الذي بدأ ((يتمرد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته وأقصاه إلى ليل من النسيان)).

وقد اتخذت الدراسة من المجموعة القصصية “منديل أزرق جميل” لإبراهيم غرايبة، مادة تطبيقية، ليتجلى وعي غرايبة في انتقاء العناوين المركزية، دون التخلي عن إبراز وظائف العنوان: وظيفة التحديد، والوظيفة الوصفية، والوظيفة الإيحائية، والوظيفة الإثارية الإغرائية. وقد برز تحقق هذه الوظائف كلها في عنوان واحد في غير عنوان من عناوين القصص، بحيث كان يصف محتوى القصة، ويوحي بأشياء أخرى، ويغري المتلقين بالقراءة ويجذب انتباههم. وكذلك وعيه متى تقع الحاجة لعناوين فرعية ثانوية للقصص ومتى تكتفي طبيعة القصص وحجمها بالعناوين المركزية، كل هذا، جعل العنوان عند غرايبة ليكون شيئًا ذا بال يزاحم النص في أهميته، لا ليكون جزءًا منه بل ليكون نصًّا موازيًا له.

شاهد أيضاً

“انتقام النرجس” لحنين رياض: مزيج من التحليل النفسي والرؤى الرومانسية

عمّان- ثقافات تُقدّم حنين رياض في عملها الروائي الأول “انتقام النرجس” الصادر حديثًا عن “الآن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *