الرئيسية / خبر رئيسي / الانحراف الجنسي في عصر الحروب الصليبية

الانحراف الجنسي في عصر الحروب الصليبية

خاص- ثقافات

*إسراء المنسي 

تعتبر الحروب الصليبية فصلاً رائعًا من فصول الرواية الضخمة التي تمثل الحياة البشرية، فقد أضفت مسحة أخلاقية ودينية على الاتحاد بين القوة العسكرية والإخلاص الديني، كما أنها عالجت الذروة من الجراءة والتقوى، وهوت إلى أحط مدارج الخزي والعار، وقد تنطوي أيضًا على نوازع المصلحة الشخصية، فالنوازع الدينية لم يكن الغرض منها سوى شراء الخلاص بثمن بخس، بينما ترمي النوازع الدنيوية إلى اقتناء الثروات وامتلاك الأراضي.

والواقع أن الكتابة التاريخية عن عصر الحروب الصليبية تدور في نطاق الرجال ومعاركهم وصراعاتهم في الأغلب الأعم، فتعددت الدراسات الخاصة بالجانبين السياسي والحربي سواء لدى المسلمين أو الصليبيين، وندر الاهتمام بالجانب الاجتماعي، وكثيرًا ما وجد الجانب الأخير ضمن دراسات مسحية عامة عن تاريخ الحروب الصليبية، واشتمل على صفحات قليلة العدد على الرغم من الأهمية الواضحة لذلك الجانب من أجل تحليل ظاهرة الحروب الصليبية من خلال البناء الاجتماعي لكل من الطرفين المتصارعين.

لقد ندر وجود دور المرأة من خلال المادة التاريخية التي وصلت إلينا من ذلك العصر، كما أن موضوع السلوك الجنسي في المجتمع الصليبي يُعَدّ من البحوث التي تحتاج إلى معالجة موضوعية دقيقة، نظرًا لأهمية الموضوع ودقته، وقلة المصادر الخاصة به، وتناثر المعلومات في الكتب.

ومن منطلق أن “التاريخ الجنسي” اتجاه حديث في الدراسات التاريخية في الغرب الأوربي والأمريكي خاصةً، فإن الكتاب الذي بين أيدينا في تناوله لموضوع “الانحراف الجنسي داخل الكيان الصليبي” يكشف لنا عن قسم من التاريخ الواقعي للصليبيين، وليس كما حرصت كتب الحوليات المبكرة على تصويرهم أنهم أطهار وجند المسيح ولا تحركهم سوى الزاوية الدينية، فهم عمليًا كانوا أشخاص عاديين تحركهم ذات الدوافع والمشاعر التي حركت غيرهم. إن دراسة الكيان الصليبي الدخيل على المنطقة من الداخل ومن خلال الأمراض الاجتماعية التي استشرت فيه يمثل أمرًا على جانب كبير من الأهمية من أجل معرفة العوامل الداخلية التي مهدت لضعفه ثم انهياره في النهاية.

تتبع صفحات الكتاب (الصادر عن دار البشير للثقافة والعلوم، 2017) التاريخ الجنسي للصليبيين بدءًا من اشتراك البغايا في الحملات الصليبية على الشرق بقصد الترفيه عن الجند المشاركين في هذه الحملات، حيث التصقت روح الميوعة والانحلال الخلقي بالصليبيين منذ بداية قدومهم إلى بلاد الشام، فانغمسوا في كثير من الانحرافات التي اعتادوا عليها، وكان للخطايا الجنسية مثل (الزنا، الدعارة، اللواط، الشذوذ الجنسي) وشيوعها داخل المجتمع الصليبي دوافع وأسباب اجتماعية، واقتصادية، وعسكرية، ودينية.

لقد سادت حياة الفساد والمجون طبقات المجتمع الصليبي المختلفة، وعلى الرغم من سمو مكانة الطبقات الاجتماعية العليا، إلا أنها انهمكت في الملذات، وتناسى أفرادها منزلتهم وعلو مكانتهم في المجتمع، فارتكبوا الموبقات دون حرص، أو خوف من سوء عاقبة ما يفعلون. لذا يبرز الكتاب مظاهر الانحراف الجنسي في الطبقة الحاكمة، وطبقة رجال الدين، وطبقة التجار، كما يلقي الضوء على العلاقات الآثمة، والاغتصاب، وإدمان بيوت الدعارة في طبقة الفرسان والجنود، أضف إلى ذلك الشواهد التاريخية الدالة على انحراف طبقة العلماء والطلاب، وطبقة العامة حيث كان الشرق اللاتيني مرتعًا خصبًا للفسق والشرور.

كان تأثير الحروب الصليبية من الناحية الاجتماعية واضحًا في بلاد الشام أكثر منه في أي منطقة أخرى في العالم العربي، إذ أن البنية السكانية وعلاقات القوى الاجتماعية، والنظام القيمي والأخلاقي قد اهتزت كثيرًا نتيجة الاستيطان الصليبي الذي عاش فوق تراب هذه المنطقة حوالي قرنين من الزمان. فقد تأثر المجتمع الإسلامي والعربي بسلوك الصليبيين الجنسي خاصةً مع مخالطتهم لأخلاقيات الصليبيين بكل ما فيها من حسنات وسيئات، لذا تعرض صفحات الكتاب ما سجلته بعض المصادر التاريخية المعاصرة للأحداث عن الانحرافات الجنسية للمسلمين في إطار الموضوعية والحيادية التاريخية.

كانت الدعارة في عصر الحروب الصليبية من أكبر وأشهر صور الانحراف الجنسي وقتئذ، ويتناول الكتاب عكا، وأورشليم القدس، بصفتهما من أهم المدن التي اشتهرت بالدعارة في الكيان الصليبي. وأمام هذا السيل الجارف من الانحرافات الجنسية التي عمَت كل طبقات المجتمع في عصر الحروب الصليبية، كان لابد للكنيسة الغربية أن تقوم بدور مهم للحد من هذ الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه أبناء الغرب الأوروبي في المدن الصليبية في بلاد الشام. وقد اتخذت الكنيسة عدة إجراءات للحد من ذلك الانحراف متسلحة في ذلك بسلطتها الدينية على طبقات المجتمع المختلفة، يشير الكتاب إلى أهم هذه الإجراءات والتي تمثلت في عقد المجامع الدينية، وقرارات وعظات رجال الدين، وقرارات وقوانين الهيئات الدينية العسكرية، بالإضافة إلى دور الدولة ممثلة في الملوك والأمراء وقادة الجيوش، وكذلك دور بعض عناصر المجتمع في العمل على الحد من هذا الانحراف الجنسي.

لقد كان للانحرافات الجنسية أثر كبير على الحركة الصليبية، تناول الكتاب تلك الآثار من اضطرابات سياسية، وشائعات جنسية، والسبايا الصليبيات، وانحطاط مكانة رجال الدين، والأطفال غير الشرعيين نتاج العلاقات المُحرمة، وزيادة عدد المطلقات بسبب الخيانة الزوجية، وكثرة عدد المومسات، والنتاج الأدبي في تلك الفترة الذي أخذ طابع الألفاظ المبتذلة الداعية إلى الرذيلة والفسق. وقد دل ذلك كله على مدى الانحطاط الذي وصل إليه ذلك المجتمع الذي سقط بالفعل من الداخل قبل سقوطه على أيدي قادة حركة الجهاد الإسلامي من الخارج.

وهكذا، ألقت صفحات الكتاب الأضواء الكاشفة على ذلك الجانب من حياة الصليبيين خلال فترة وجودهم في بلا الشام (1095 – 1291م)، في محاولة من الباحثين الأستاذ الدكتور إمام الشافعي محمد (جامعة الأزهر)، والدكتور أشرف صالح محمد (جامعة ابن رشد)، لجمع شتات ما توفر في المصادر والمراجع عن السلوك الجنسي للآخر الفرنجي.
__________

* كاتبة وأكاديمية من مصر

شاهد أيضاً

الفن الفلسطيمي المعاصر: الأصول، القومية، الهوية

( ثقافات ) صدور كتاب :الفن الفلسطيني المعاصر:الأصول، القومية، الهوية بشير مخول و غوردن هون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *