الرئيسية / قراءات / “سلالم الصحو” للروائي جابر محمد جابر الحكاية الإطارية وسرد (الما بعد)

“سلالم الصحو” للروائي جابر محمد جابر الحكاية الإطارية وسرد (الما بعد)

خاص- ثقافات

قراءة:عقيل هاشم

“الإهداء:إلى استاذتي التي روت لي حكايات الف ليلة وليلة وقصت لي أجمل القصص وزرعت في حب السرد ،اختي الغالية ملوك محمد جابر..”
(لم يشأ أن يخبر أحداً من أفراد أسرته عن الهاجس الذي يؤرقه..واسقط النوم من حساباته،فكر في كل شيء..أراد أن يتدبر امره ..فيما لوحصل له مايتوقعه فعلا..)
العتبة الأولى:
العنوان: النبش في الذاكرة:
“سلالم الصحو” رواية للقاص والشاعر والاعلامي جابر محمد جابر عن دار بعل 2016 .
رواية “سلالم الصحو”رواية قصيرة،رواية السير بالحكي صعوداً واسترجاعاً قد جسدها (العنوان ) (ثريا نص) كاشفا عن انتهاكات للذات المتحققة في الذات المتشظية في القصص الموزعة في النص الأم ..الرواية سلالم الصحو .رواية الحكاية الإطارية المتشظية عن نصوص استرجاعية (نوستالجيا)، ففي حالة كهذه، حيث العودة الى الماضي هو سبيل الخلاص والاستسلام لبلاغة التحسر الذاتي، أو شكل آخر من التعبير عن السرد الذي يصير محض تابع للكلام الشائع التداول في أوقات الضعف والاستسلام.
كان هذا السؤال مصدر قلق لمن يصر إلى التغلب عليه إلا بعد اللجوء إلى فن التهكم. فالتهكم على حالة ميؤوس منها، وهي الحالة المقصود وصفها حد اليأس الذي بلغته هذه النصوص فقط وإنما أيضا  يبين أن الندم والحزن والغضب والتحسر الذاتي لا طائل منه أمام هذا التشرذم لشخصية(خالد المثقف) المصاب باللوعة الجسدية والنفسية . فعلى الرغم أن البطل المنهمك بالهوية الإنسانية  هذا ما جعله وثيق الصلة بالواقع التاريخي، ومن ثم مسألة الهوية، ليس فقط اهتمامه بما كان يطرأ على الأدب والحياة، أو الجدل حول العلاقة ما بينهما والمجتمع من خلال التحول (المابعد)، وعلى نحو يبين عجز البطل عن دفعها بعيدا  عنه. بل أن هذا التحول ظل يراوح صعودا ونزولا على سلالم الصحو (القصدية )في سرد المسكوت عنه من الحكايا المستبطنة…
وإذا كانت رواية «سلالم الصحو» قد شخصت تشظي هوية جيل مجتمع المابعد 2003ودور المثقف المعطل نهائيا ،لتثير معضلة الاتصال مع إشكالية (الأنا/الآخر) و سعيها عبر لغة الحكي لجدل هذا الاتصال من خلال حكايا قصيرة متداخلة ومكثفة ، هذا السرد المتعاقب والقائم على فضح استبطان الذات ووضعها في موقع المراقبة والرصد، القائم على الحكي والبناء المشهدي للحكايات المتداخلة داخل الحكاية الإطارية الأولى  ، التي تجمع القصص القصيرة  بطريقة تشيدية ترتبط بعلائق من الأفعال الحياتية ..(حكايات) (العم صبحي/ والجارة (أم عدنان و….الخ) والتشباك بينهما وان اختلفت الحكايا فهي تشتبك بذات الهموم والتشرذم ،
أقول لقد اتخذ المؤلف في سرد روايته (الذات الفردية)، وما تمتلكه من معرفة وتجارب معاشة أساساً لبناء النص، وهي ذات تنتمي للطبقة الفاعلة في المجتمع (دورالمثقف في مجتمع المابعد )،  وبهذا تعكس الذات المنكفئة على نفسها ويستخدم المؤلف فيها لغة باطنية، أو عضوية، متوترة، لا تشير إلي الخارج، والنص كله يدور حول الذات في تطوحاتها الإنسانية، ويغلب عليها العدمية وعدم القدرة على الفعل الإيجابي، وهي في معظمها إما رثاء للتراث أو عرض أزماتها أمام الخيار الإنسانى المعقد أو الاقتراب من خيالات هذه الذات المحاصرة من جميع فئات وشرائح هذا المجتمع وهذا الشكل في الأداء يكرس عزلة الذات، وتوحدها في أحسن الأحوال ،أما في حالات الضياع والتمزق الروحي الذي يصيب الذات نظراً لعدم تحقق الفعل الإنسانى المباشر فتحيل الى إحالات من  العزلة وجلد الذات  حيث ارتكز السرد على الحواس مما جعلها شخصية لها إدراك واستبطان كابوسية السرد بإتجاه الوقائع التي تدفع الذات المتورطة في الصراع كوسيلة لإنتاج الدلالة من خلال  اللغة المحكية ب(الأداء اليومي) والتي تتمظهر أولاً في الفعل اللغوي ومن العلاقات القائمة على اللمس وحركة الأعضاء .
” صفع يده اليسرى مرة أخرى , لأنها تدخلت بفعل لا إرادي في التقاط ورقة سقطت من على المنضدة، مهدداً إياها بعقوبة أشد قسوة إن حاولت مرة أخرى التدخل في شؤونه الخاصة ..” ص19
هذا السفر الوجودي في تاريخ الذاكرة الذاتية والاجتماعية حين يتحول إلى عامل خفي يطارد بلا هوادة صيرورة الذات التي تنتهك حدود الواقع ..هي استرجاعات من زمن تعتوره نقائص تاريخية وسوسيولوجية تعوق دون اكتمال فحولة بطلها .الكتابة عند المؤلف هي تعبير عن رؤية للعالم تعبر عن جيل له ذاكرة مثقلة محاطة بتاريخ منسي ومحرمات كثيرة تخصي دفق الحياة ..إنها أيضا كتابة عن المفارقة السوسيولوجية المتمثلة في الصيرورة الاجتماعية المبنية على فعل الزمن والتورط، هذا التورط الذي يكشف عن تورط ذاتية تبحث عن أجوبة يطرحها الوعي الجمعي في صيرورته التاريخية والزمنية..يعيش بطل الرواية (خالد) في صيرورة زمنية وتاريخية ويسائل نفسه هل وعيي يساير وعي الكائن والزمن الذي يكتب عنه، وعندما يمعن النظر في ما يكتب يكتشف أن لاشيء تطور وإنما ما يحلم به يخالف ما يكتب عنه.( مثل الكشف عن قيامه ببيع اطروحة دكتوراه جاهزة (الوجود عند متكلمي المسلمين) في حواره مع الصعلوك، الذي يتوهمه وهو يقتحم عليه غرفته في المشفى، أو الطريقة التي كان يكتب بها تقاريره الصحفية، في مجلة (الوعي الحر) كما يُذكره الصعلوك عن التقرير الذي كتبه عن مقام (السيد منيهل الشرع) في العمارة، )..
٢-العتبة الثانية:
بنية المحكي/بنية الزمن :
يتمفصل زمن الكتابة في رواية (سلالم الصحو) بين زمنين زمن الماقبل وزمن المابعد.فالتاريخ يتسلل  عنوة وبالفعل والقوة إلى صلب الحكاية ،في هذا التمازج تتمسرح الذاكرة الذاتية وصيرورة قولها الخاص في صيرورة الزمن ،بين ماض/حاضر والتي تتسم بطابعها الدائري،
فلقد ساهم المؤلف في انتهاج أسلوب سردي واضحا في هيمنة “الواقعي” في نصه الروائي وهو يتجسد من خلال حضور بنيات تتصل بالهوية  والايديولوجي من جهة ومن خلال السؤال الدائم عن معنى الواقعية وتمرده المتواصل على “القصة” أو الحكاية ذات البداية والنهاية، يظل لذلك الخطاب الروائي متحللا من قواعد السرد الروائي بمواصفاته التي تحددها المادة الحكائية، ويظل الخطاب ينسج عوالم حكائية غير قابلة للحكي لأنه وهو يفككها يفكر فيها. ويسعى من خلال هذه العملية إلى تقديم صورته عن (الواقع/الشخصيات المستلبة) والذي يحاول الإمساك بهما، أو تشكيلهما بصيغ وأشكال خطابية متعددة، وخرقها في الآن نفسه.
أن الروائي يلجأ الى “الحكي” في هذه الرواية، لكن الحكي يستدعي مادة حكائية أو قصة قابلة لان تروى، لكن الروائي في العمق ضد الحكي. تحل المفارقة المركزية التي جعلناها السمة الأساسية لتجربته بالمبدأ نفسه: “أنا أروي، ولكني لا اروي” انطلاقا من محاولة تشييد عالم حكائي، ولكن من خلال تقديمه، او تخطيبه بطريقة لا حكائية، وإذا كان التفكيك وتقطيع السرد، وإتباع الأسلوب الميتاسرد ،فان اللجوء الى توظيف الطبقات النصية المختلفة والمؤتلفة في آن هو ما يطبع هذه الرواية، ويجعلها في الوقت نفسه سليلة التجربة وبداية لتطويرها وتحويلها..هذا اللعب السردي يتشكيل في عالم الرواية التجريبية ، وما تزخر به من إيحاءات ودلالات يجتمع قي فضاء تتجمع فيه شخصيات، وتتقرر مصائر، تقع فيها أحداث شتى، وتمر بها شخصيات عديدة، وهي عوالم قابلة لأن تكون عرضة للذكرى والنسيان، غير أن الروائي وهو يسعى لتجسيدها من خلال السرد أو التخييل قد يوجه منظوراته نحو أحداث بعينها، ويعمد الى إغفال البعض وفي إكمالها الى النهاية  وحين يقع ذلك في الزمان، وتنأى المسافات الزمنية عما جرى في لحظات تشكل الشخصيات والأحداث يعمل الروائي على ترهين أحداث خاصة من منظوره الخاص، وكل ذلك يتحقق وفق أشكال ودلالات محددة ينشدها الكاتب من خلال إنتاجه الروائي.(خيط الفجر اطل علي من النافذة ،حتى إنني سمعت زقزقة العصافير في حديقة المستشفى ،وقبل أن تدب الحركة في الممرات حزمت أمري …جمعت فصول روايتي …ارتديت معطفي ،خرجت قاصدا منزلي ..تاركا هواجسي ومرضي يذهب مع الماء في المجاري وخزانات الصرف الصحي ..ذهبت ماشيا وعندما أشرقت الشمس دخلت مباشرة إلى منزلي …ص119)
أخيرا أقول إن التداخل بين حكايات منفصلة داخل الرواية الإطارية  بكل ما تزخر بها هذه التقنية وغيرها  من تقنيات وتفاعلات نصية يظهر لنا من إبراز الأحداث المساهمة في الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات للمؤلف دون الإخلال في فنية النص الروائي.  حيث تتعدد البنيات النصية ويتصل بعضها ببعض أحيانا، وينفصل عنها أحيانا أخري، وينفرد بعضها أحيانا بممارسة الحكي، وبعضها الآخر بتجاوزه إلى نقيضه. يوحي بجلاء إلى البحث عن لمتلقي فاعل كان يعول عليه المؤلف  لملء البياضات الناقصة لحكايته المتناسلة داخل الرواية الأم كي يعيد قراءة التاريخ الشخصي المستبطن للشخصية العراقية المثقفة بعد (المابعد) التغير ..!

شاهد أيضاً

معجم «مفاتيح التراث» للدكتور محمد عبيد الله.. مشروع معرفي ضخم

 مجدي دعيبس   عندما شرعتُ بقراءة المقدمة التي وضّح فيها الدكتور محمد عبيد الله منهجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *