الرئيسية / إضاءات / قِرَاءَةٌ فِي وَعيِ الذَّاتِ العَرَبِيَّةِ بِالدِّيمُوقْرَاطِيَّةِ

قِرَاءَةٌ فِي وَعيِ الذَّاتِ العَرَبِيَّةِ بِالدِّيمُوقْرَاطِيَّةِ

خاص- ثقافات

*الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إِسْمَاعِيْل

في مصر مشهد يتنامى ظله ويرتفع صداه منذ إعلان الفريق المصري أحمد شفيق ترشحه لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة ، لاسيما وأن إحداثيات إعلان الترشح هي التي أعطت الخبر هذا التنامي والتصاعد ، فالإعلان جاء من قلب العاصمة الإماراتية الشقيقة ، وجاء أيضا من خلال البث الذي أذاعته قناة الجزيرة التي يتم توصيفها شعبيا في مصر بالمعادية نظرا لسياساتها غير السليمة والصحيحة الخاصة بالشأن المصري منذ الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 ، والممارسات غير المهنية التي اقترفتها الجزيرة بالنظام المصري آنذاك وربما بالطقوس الحياتية المصرية بوجه عام .
وبغض النظر عن ما تتداوله الوسائط الإعلامية من فضائيات وإذاعة وشبكات تواصل اجتماعي من تحليل لا يشارف الصواب بخصوص هذه الإحداثيات ، وبغض النظر أيضا عن استشراف مستقبل يصنعه المصريون بأنفسهم صوب حياتهم السياسية ومنها انتخابات الرئاسة المقبلة ، وأيضا ليس هذا المقال يقف معاديا لفكرة ترشح الفريق أحمد شفيق لانتخابات رئاسة مصر المقبلة لانتقادات عديدة يمكن أن توجه إليه وأيضا الظروف الآنية لم تعد كالسابقة لاسيما ومصر اليوم تواجه تحديات عجيبة ومدهشة أيضا . لكن هذه السطور تتعلق بفكرة تقبل الإنسان لفكرة ممارسة الديموقراطية وهي المعضلة التي لم تنجح انتفاضة يناير في تكريسها كون الانتفاضة نفسها لم تستند إلى ركائز أصيلة أو رموز رصينة .
لذلك حينما نستقرئ حجم الوقت الذي استقطعته البرامج الفضائية التي تبث من مصر وخارجها عن إعلان ترشح الفريق أحمد شفيق لانتخابات الرئاسة ، نكتشف أنها لم تخرج عن مشاهد بليدة ووئيدة ومحددة . مشهد يقارن بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والفريق أحمد شفيق وتاريخ كل منهما ، ومشهد يكيل الاتهامات للفريق أحمد شفيق لحساب تدعيم الرئيس عبد الفتاح السيسي ، ومشهد ثالث يؤكد صلاحية شفيق لرئاسة مصر وأنه وطني حتى النخاع . ومشهد رابع أراه طبيعيا وفطريا هو الترحيب بمنافسة في انتخابات الرئاسة ليس لصالح مرشح بعينه بل لإثبات أن مصر وطن التعددية وحضن دافئ للديموقراطية ؛ دحضا لما أقره سابقا رئيس وزراء مصر السابق أحمد نظيف الذي اتهم سابقا بتهم فساد وتربح طويلة وكثيرة بأن الشعب المصري غير مؤهل للديموقراطية ، وهي تهمة لابد وأن يعاقب عليها مجددا أحمد نظيف الذي قطع الاتصالات وقت الانتفاضة المصرية الشعبية في يناير 2011.
لأن مصر تمتلك كل المقومات التاريخية التي سجلتها كتب السياسة والتاريخ للديموقراطية هذا من جهة ، وأن مصر ـ بالفعل ـ تشهد حراكا ديموقراطيا رائعا لا يتمثل فقط في المجالسات والمنازلات البرلمانية ، بل نجدها من خلال حراك طلابي رائع بالجامعات المصرية ، ونتلمس أطرافها في كافة المؤتمرات الشبابية التي عقدها الرئيس عبد الفتاح السياسي مع الشباب المصري الواعد والواعي لقضايا وطنهم ، ونجدها حقيقة واقعية فيما يخطه المصريون على شبكات التواصل الاجتماعي من تغريدات تويترية أو منشورات فيسبوكية تعكس وعي هذا الشعب بالديموقراطية التي تعتبر جزء أصيلا فيه .
هذه المشاهد مجتمعة ، وتلك الإحداثيات المرتبطة بها تدفعنا دفعا إيجابيا لمناقشة مواضعة الديموقراطية التي تشتعل من وقت لآخر حسب الواقع السياسي رغم أنها حالة مستدامة لا يمكن الفكاك منها وخصوصا أنها تتعلق بالفكر والاجتهاد العقلي أكثر من ارتباطها بالحالة السياسية  أو تحليلها .
ولاشك أنه من المواضعات الأكثر جدلاً وحضوراً منذ اندلاع انتفاضة الشعب ضد نظام مبارك السياسي وبعض أطرافه مثل وزير داخليته حبيب العادلي في مصر مواضعة الديموقراطية ، واضطرمت الصحف والبرامج الحوارية بالحديث عن خصائصها وسماتها وجذورها الضاربة في القدم وكأن الشعب لأول مرة تتطرق أسماعه لكلمة الديموقراطية التي تم اكتشافها وقت انتفاضة يناير، ودار الجدال حولها بين مؤيد ومعارض ومحايد لايدري من أمره وامر وطنه شيئا سوى الطعام والشراب والنكاح والملبس والمأوى، بين مؤيد يرى في الديموقراطية جنة البسطاء على الأرض ، ومعارض لأنها فكرة مستوردة تنتمي للتيارات العلمانية التي انتشرت في أوروبا وقت الثورتين الفرنسية والأمريكية منذ قرون مضت .
وبغض النظر عن هذا الجدال الأيديولوجي الذي لا يزال دائراً بسبب تقاعس الأنظمة التربوية الرسمية التي ترتبط بالوزير المسئول أكثر من ارتباطها بفكرة التنوير والتجديد ، تعد الديموقراطية مرحلة مهمة في حياة المجتمعات المدنية المتقدمة ، وكم من مجتمع يطمح ويثابر لتحقيق هذا الحلم الذي يرى أنصارها ـ الديموقراطية ـ  بدونها يصير المواطن أسيراً ذليلاً داخل وطنه بل يبدو غريباً لا وجه له . وقد يظن البعض أن تلك الديموقراطية تحمل سمتاً واحداً وهو حرية الفرد في الحقوق والتعبير ، وتمتعه بالمساواة وعدم الاستبعاد الاجتماعي والتمييز والعنصرية .
وراح المؤيدون لنظرية الديموقراطية التأكيد على أن الفقر يساعد الناس على تحطيم أغلال الظلم التي تقيدهم ، لأن الفقراء من وجهة نظرهم لا يخشون على ضياع أي شئ يملكونه، وهم يشيرون دائماً إلى أن الديموقراطية فكرة سحرية تحرر البسطاء من نير الفاقة ، والتحرر الشامل من الطغيان .
ولاشك أن الأنظمة التعليمية وإن اجتهدت في ممارسة الديموقراطية بصور شتى وفي مظاهر متنوعة ، إلا أنها ـ بحكم الضرورة ـ لم تكترث بمسألة المفاهيم واكتسابها ، رغم أن معظم التربويين المصريين بل إن جميعهم يؤكدون في دراساتهم وأبحاثهم رهينة المكتبات الأكاديمية أن عملية اكتساب المفهوم من أعمق وأجلّ أهداف التعليم والتعلم ، لذلك نجد مئات بل آلاف الدراسات التربوية تتناول عملية اكتساب المفاهيم كونها مرحلة رئيسة في الفهم والتفسير ومن ثم التلقي الإيجابي لأى طرح فكري بعد ذلك .
إلا أن الديموقراطية نفسها تعاني من التباين وعدم وضوح الصورة ، فهي تتضمن صورتين متباينتين مختلفتين حسب النظريات السياسية ، وليست صورة واحدة وهي الراسخة في مظان المواطن ، فالديموقراطية فلسفتان سياسيتان متمايزتان، وكلتاهما لهما مخاطر واضحة قد تنزلق إلى المسخ المشوه ما لم يؤخذ في الاعتبار تقنين تطبيقها وواقعية هذا التطبيق ، وما يتوافق مع نظم مجتمعاتنا الإسلامية والعربية.
ومخطئ من يظن أن الديموقراطية في جملتها هي عنوان الدولة المدنية بدليل الصورة الأولى لها المسماة بالديموقراطية الاجتماعية الكلاسيكية . وهذه الصورة من صور الديموقراطية تعرف بالأوساط السياسية بمفهوم اليسار القديم . وفيها يتم تدخل الدولة في حياة الفرد الاجتماعية والاقتصادية تدخلاً مباشراً ، وهي تنظر إلى رأسمالية السوق الحر باعتبارها سبباً للعديد من المشكلات ، ولكنها تعتقد أن هذه المشكلات يمكن معالجتها أو تجاوزها من خلال تدخل مباشر من الدولة في نظام السوق .
وهذه الديموقراطية الكلاسيكية أو ما تعرف باليسار القديم تؤكد على هيمنة الدولة على المجتمع المدني ؛ وهذا التدخل يتمثل في مظاهر عدة منها فرض الضرائب التصاعدية ، وتطبيق استراتيجيات تحقيق التكافؤ ، وخلق مجتمع أكثر مساواة نظراً لأن الحكومة هي المهيمن على المشهد الاجتماعي والاقتصادي .وهذه الصورة كثيراً ما استخدمها واستعملها الرئيس المخلوع مبارك طيلة ثلاثين عاماً ،زذلك من خلال زعمه لإقامة ديموقراطية مدنية شعارها التكافؤ في هيئة فرض حزمة من الضرائب ولكنه في حقيقة الأمر يمارس سلطة استبدادية مقنعة .
وتحاول الديموقراطية الكلاسيكية إلى توفير دولة رفاهية شاملة تحمي المواطنين من المهد إلى اللحد وهي في ذلك تخالف الظروف الطارئة التي بإمكانها تقويض الوطن نفسه بتعرض الدولة لأزمة اقتصادية طاحنة قد تعصف بمقدراتها الطبيعية والبشرية، ورغم ذلك فإن أنصار ذلك الاتجاه يرون ضرورة أن تأخذ الدولة من الأغنياء لتعطي الفقراء وهي في ذلك أيضاً تسير بصورة وئيدة نحو المساواة والعدالة الاجتماعية ، وفي سعيها هذا تحاول هذه الديموقراطية القضاء على فكرة التمييز بين الفقراء والأغنياء عن طريق المساواة السياسية والاجتماعية وتقليص السلطة الحاكمة المركزية والمطلقة. ولكن ما شهدته مصر خلال السنوات العشر الأخيرة هو صعود طبقة من المحتكرين من أهل الصناعة والتجارة الذين استغلوا علاقتهم أو باصطلاح رجال الساسة تزاوج السلطة ورأس المال في احتكار صناعات بعينها والتربح من خلال الاستغلال البشري للعمال .
ويرى عالم الاجتماع ت . مارشال أحد منظري دولة الرفاهية في بريطانيا أن مفهوم دولة الرفاهية تمثل قمة عملية تطورية طويلة لحقوق المواطنة ، ولكن هذه الدولة لا تعطي اهتماماً كبيراً لقضايا البيئة أو لم تتعامل مع القضايا الأيكولوجية بطريقة متسقة. لذا فنجد أن معظم الدول التي تنادي بالديموقراطية من دول العالم العربي تعاني من ظواهر التلوث بأنماطه وأشكاله رغم الحملات التوعوية الإعلامية للحد من ظاهرة التلوث ، وكذلك عدم الاستفادة من مخلفات البيئة الزراعية في تطوير صناعات أخرى .
أما النظرية الثانية للديموقراطية ، أو الصورة الأخرى لها فهي تتمثل في دورها المحدود للحكومة ، وأنها تشترط وجود مجتمع مدني مستقل ذاتياً ، مع وجود نزعة قوية نحو السوق الاقتصادي الحر ، وهذه الديموقراطية تؤمن بالاقتصاد الفردي بل ةتشجعه وتشير إلى أن الاقتصاد لا ينتعش إلا عن طريق المبادرات الاقتصادية الفردية . ورغم ما تتمتع به الديموقراطية الجديدة أو ما اتفق على تسميته بديموقراطية اليمين إلا أنها لا تعترف بالمساواة وهذا أمر بدهي ؛ لأنها تشجع الاقتصاد الحر والفردي ، وهذا بالضرورة يخلق مجتمعاً طبقياً.
ولعل أبرز ما في الديموقراطية الجديدة هو الكونية أو ما يعرف بالعولمة ، فالصورة الأولى للديموقراطية كانت مركزية إلى حد بعيد ، بخلاف الصورة الثانية التي ترغب فيها الدولة إلى إقامة علاقات ممتدة مع دول أخرى ، وإقامة علاقات دولية بصورة واقعية ، وهي في ذلك تسعى لأن تبعد شعوبها عن ويلات الحروب وطمع الأعداء في ثروات ومقدرات الدولة نفسها .
وبعقد مقارنة سريعة بين نوعي الديموقراطية نكتشف أن الصورة الثانية لها هي الأقرب للتطبيق والأكثر جدوى للشعوب ، بالرغم ما تعانيه ديموقراطية اليمين من مشكلات ومصاعب مثل إعلاء قدر الاقتصاد الفردي الذي يمثل خطورة على المجتمع من خلال عدم المساواة الاقتصادية ، وتفاوت المستويات الاقتصادية بين أفراد الأمة الواحدة .
ولكن في ظل ما تشهده البلاد أحيانا من حريات غير مضبوطة أو مشروطة ، هل تبقى الديموقراطية طوق نجاة للثائرين والغاضبين والمطالبين بإعلاء قيم المساواة وعدم التمييز ؟ .إن الديموقراطية وإن كانت من الأمور الضرورية لحياة كريمة إلا أنها تشترط وجود ضوابط شرعية وحدود حاسمة وفواصل حازمة لتطبيقها من أجل سلامة مجتمعاتنا الإسلامية والحفاظ على قيمنا وتقاليدنا التي تأبى الخروج على قواعد الدين الحنيف .
ولذلك فإن خبر ترشح الفريق أحمد شفيق وإن بدا غريبا في توقيته وغياب الرجل نفسه عن المشهد المصري منذ سنوات سفره إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ، يمثل فرصة ذهبية للثقافة المصرية من أجل تعزيز فكرة التعدد والديموقراطية لا من منطلق الحجب والإقصاء والتهميش لاسيما وأن هذه السياسة فرضتها علينا جماعة الإخوان في مصر حينما حاولت كثيرا ممارسة أساليب الإقصاء والحجب ، لكن الصورة هنا مختلفة ، والمشهد اليوم ليس على سابقه ، لاسيما وأن مصر قد صدرت للعالم صورة رائعة متميزة حينما استضافت منتدى شباب العالم لتقول للعالم نفسه هنا حضن الديموقراطية .
وأخيرا ، إن هذا العجب من قبل البرامج الفضائية إزاء ترشح الفريق أحمد شفيق لخوض انتخابات الرئاسة المصرية المقبلة لهو دليل دامغ وصارخ على فشل مقرر التربية الوطنية الذي درسه جيلي وأجيال سابقه في المدرسة الثانوية ، لأننا باختصار فشلنا عن طريق أنظمتنا التعليمية في اكتساب المفهوم ، ألا وهو الديموقراطية .
ـ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية
كلية التربية ـ جامعة المنيا

شاهد أيضاً

إدوارد سعيد: رواية فكرية

* جمال شحيد كان يطيب لإدوارد سعيد ودومينيك إدّه أن يتجولا كعاشقين في حدائق بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *