الرئيسية / نصوص / سُنتمترات قَليلة إلى الأَسْفل

سُنتمترات قَليلة إلى الأَسْفل

خاص- ثقافات

*سيومي خليل

ظل سِنين كَثيرة يَنتظر . ينزوي ككلب هزيل في هذه الحواشي الكثيرة للعَالَم ويَرقب أن يقع شيء ما . كانَت لَه مهنة مثل الآخرين ؛ حَلاَّق ، أو سائق طاكسي متَجهم لايُعجبه أي شَيء ، أو بائِع أحْذية صينية الصنع علَى أَي رَصيف مُمكن…كُل المهن يمكنها أن تليق به ويُمكنها أن لا تليق به.
اكتشَف بَعد مدة أن رأسه يميل إلى الأمام دَائِما ويَنحني . كلَّمَا حَاول أن يمْشي مُستقيما كمَا يَمْشي جميع البشر إلاَّ فشَل في ذلك ، فالرَّأس كان يقوم بنفس الحَركة دائمَا ؛ يتقدم أمَاما وينحني .
أحيانَا يَنُوس الرأس بفعل الريح ، أو فكرة سَيئة لاَ تُريد أن تَختفي من عليه كأنَّها ذبَابة خَضراء ضخمة . حينَ يَنُوس الرّأس يَصير مُضحكا فهو يبدو كالكُرات الصغيرة والملونة المعَلَّقة بحبل المهدْ التي يلعبُ بهَا الأطفال الصغار.
لمْ ينْتبه بداية إلى الأَمْر ، فقَد كان مَشْغُولا دائما بانتظار شيء ما يَأتي من وراء السّديم لدرجة كَانَ يَنْسى فيهَا أن يَرى أطرَافه ويتفحصها إن كانت في أماكنها الصَّحيحة،ويَنْسَى أن يتحسس تجَاعيد وجهه التي تنتشر كالسَّحَاب في السماء ، لكنَّه بَعد أن أَحس بثقل غير معتاد يَسْقُط على منكبيه الهزيلين تَذَكر ضَرورة اللجوء إلى المرآة .
هذَا ما رآه ؛ رأْس متقدم مُنْحني يحمل وَجهه الحزين .
ارْتَعب كمَا يُمكن لأي أحد أن يرْتعب ، لكنهُ بَعد ذلك ضَحك بشدة كَطفل فَرحٍ بمَقدم العيد . كان لزامَا عَليه أن يَعتاد الأمر ، فمثلمَا اعتاد أن يَمْشي منْحرفَا في كل الطرقََات التي مرّها، والدّروب التي قطعهَا ، وأن يَجلس دَائما بشكل مُريب على جَميع كراسي الانتظار البَاردة ، يُمْكنه أن يَعتاد أن يستَمر إلى أنْ يمُوت ورأَسُه منحني إلى الأمَام .
كان اسمه محمد ، أو أحمد ، أو مَحمود …
علَى كُل حَال فأسماؤُنا دائما هكذا تَتلاشى دون أن نُقيم علَاقة حميمية مَعها . سَكن الدور الثَالث من تَجزئة الرَّاحة التي لمْ يَكن شَيء فيها يُريح أبدَا، نبتَت عماراتُها في نَفْس وقتْ نُمو الزيزفزون في الأراضي التي أُقيمت عَليهَا . الدُّور الثالث من عمارة غريبة الشّكل تخرج منها جُيوش من الآلات صباحا لتعودَ لَيلاً للتَناسل في شُققها الضيقة ، ومُشاهدة فلْم حب سَيء ،واحتساء فنَاجين من الشاي البارد… عمارات تَبدو كَأنها آلات تَفريخ عظيمَة لآلات صَغيرة تتهندَم قبل أن تخرجَ منْ شققها . الشُّقة لاَ تتجاوز ستين مترَا ؛ لقَدْ كَانت كبيرة عليه هو الوَحيد الذي لا يُرافقه حتَّى ظله إلى الشقة . كل شيء كان بالشقة مُّنظم كأنَّ يد فنَان هي من نَضدته ..عمومَا لمْ تَكن هناك أشياء كَثيرة لتحتاج يد فَنَان أو حرفي أو مّجردَ يد ، يكفي ركنهَا جميعا في رُكن غرفة كي تَبْدو الشُّقة فارغة ومنظمَة جدا ..
العالم في الخَارج كَالعالم داخل شقَتي ؛ فَرَاغ دائم …هكَذا كَان يُفكر حين يَزدَاد عَليه ثقل رَأسه . عرفنَاه قبل أنْ يُصاب بهذا المَرض ، يخرج صباحا كباقي الآلات حاملاً حَقيبة سَوداء صغيرة ، تبدو ملابسُه مُكوَاة بعناية كأن خَادمة مَا تَأتي عنْد الفجر لتَعتني به ، لمْ يَبدو عَليه شَيء يشير إلى مرض ما سيصيب جَسَده ،فَقد كان يَمشي شبْه مُستقيم ككل الذين نَعرفهم ..عُموما أغلبنا لمْ يَستطع أن يمشي بشكل آخر غير أن يمشي شبه مُستيقم ، أغلبنا تقريبا نحن الذين كنا نَتَجول في هذه الأنْحَاء الموبوءة بأمْرَاض الحياة لمْ نَستَطيع أنْ نَكون لا فوق ولا تَحت وظللنَا أَشباه مُستقيم معوج ومنْحرف .
كانَ يَشتغل بأحدى البَلديات القَروية التي تَبْدُو بنايتهَا منْ بَعيد كأنها كومَة منْ قَش مَوضوع بشكل مُرتب، ومكاتبهَا التي لاَ يُوجد عليها أي دليل مكتوب عنْ وظائفهَا كانت تبدو كَبيوت الزويا التي تسْتقبل عَابري السُّبل المتفرقة الذين لا يَنْتهون. أحمد أو محمود أو مُحمد كانَ له عمل هناك ، هناك في أحد بيوت الزَّوايا كان يقيم بالإمضاء المسترسل على أوراق لا تنتهي ، هُنَاك يقضي يومه كأنَّه ينزل في أحد الفنادق الرخيصة .
دون أَي تغييرات ولو طَفيفة على مَا بين قيامه ونومه ظل حياته تَدب كأنها أحد الحلازين المتمردة على بطئها الذي لم يُغَيره تمردها ، ظل هناك في أحَدْ حَواشي الوُجُود قابعا كَكَلب هَزيل يَنتظر شيئا ما .لم يَتَزوج ، وكل النساء اللائي عرَفهن أَحْبَبنه كأنَّه حبة كمثرى تَليق أن تكون وجبة موسمية لاَ دَائمَة ، يَقضمن منهَا قضمة بكل شهوة ، ويَتَقيأنها سريعا لأنّهن مواظبَات على ريجيم صارم للعشق .كُل مَشاريعه الطُّوباوية الحَالمة ظلتْ كأنَّها طَلُّ الصباح الذي سُرعانْ ما تُبخره شَمس نفس الصَّباح.
هو الآن كأنَّه في لحظَة بعيدة حَدثت قَبل عُقود ، فلاَشيء تَغير غير هذا الزَّمن ، وسَواد شعره، ومشيتُه التي لمْ تَكن يومَا مُستقيمة وكَانت دائما كأنها وقوف اضطراري …والأكثر أنَّه أُصيب بمرض غريب ؛ انحنَاء الرأس إلى الأمَام أكثَر منْ اللازَم . سَنتان قبل أن يَحصل علَى تَقَاعده الوظيفي ويَعود إلى نقطَة البَداية البَربرية التي يُريد أنْ يَعيشها الجَميع ؛ لحْظة الكَسَل الدَّائم دُون حلم. كَأنَّ هَاتين السَّنتَان طَريقان مختلفَان لنفس الكسل؛ يَختلفان في الزَّمن النفسي لاَ غير ، خُصُوصا أن المرض ازداد أكثر ، والكل أصْبَح يُشير إلى رأسه المتقدم إلى الأمَام والمُّنْحني ، الكل باتَ يُحوقل كلما مرَّ منْ أمَامهم حاملاً حَقيبته السَّوداء يَمْشي منحرفا رأسه كسلك مُتَدلي من جدار هش…
عليك أنْ تُعالج هذا المَرض يَا والدي ..
قال شَاب لَهُ ..
أجاب..
الوقت متأخر عنْ العلاَج ،لم يعد هُناك ما يكفي من المواقف كي أعيد بهَا رأسي إلى مكانه ، ربما أنت أمامك ذَلك ،لكن يبدو أنك سَتَرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبته أنَا، وسنتتظر شيئا مَا يَقع ، هذا السنتمترَات القَليلة التي يَنْحنيها الرأس إلى الاسفل تَتشكل دون أن ننتبه لها .

شاهد أيضاً

حلم الفاصولياء

( ثقافات ) * محمود عيسي موسى لم يَعُد لديّ متسعٌ لتحريرِ الفاصولياءِ الخضراء والاوطان. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *