الرئيسية / إضاءات / فصول من كتاب “الثقافة” للكاتب والمنظّر الأدبي البريطاني تيري إيغلتون(1)

فصول من كتاب “الثقافة” للكاتب والمنظّر الأدبي البريطاني تيري إيغلتون(1)

 

خاص- ثقافات

 *ترجمة وتقديم :  لطفيّة الدليمي

 

   ظلّت مفردة ( الثقافة ) واحدة من أكثر المفردات إشكالية على صعيد المفهوم والتطبيقات ، كما ظلّت الدراسات الثقافية – التي تعدُّ حقلاً معرفياً تتداخل فيه الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا وتأريخ الأفكار واللغويات والفلكلور والسياسات الحكومية المؤسساتية – ميدان تجاذب لم يخفت صدى المعارك الفكرية المحتدمة فيه وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وحيث باتت الثقافة وسيلة من وسائل القوة الناعمة في الحرب الباردة ثمّ إنقلبت سلاحاً من أسلحة العولمة التي تسعى لتوسيع نطاق الرأسماليات الرمزية المدعمة بمصنّعات مادية تُعلي شأن الإقتصاديات المتفوقة وترسّخ سطوتها على الساحة العالمية .

   أقدّم في هذا القسم ( وأقسام أخرى ستُنشرُ تباعاً ) ترجمة لفصول منتخبة من كتاب ( الثقافة Culture ) المنشور عن جامعة ييل الامريكية العريقة عام 2016 للكاتب البريطانيّ الذائع الصيت ( تيري إيغلتون Terry Eagleton ) ، وهو ناقد ومنظّر أدبيّ وباحث في حقل الدراسات الثقافية وسياسات الثقافة . نشر إيغلتون العديد من الكتب وقد تُرجم بعضها إلى العربية ( ومنها مذكّراته التي نشرتها دار المدى بعنوان ” حارس البوّابة ” عام 2015 ) ، وسبق لتيري ايغلتون أن أصدر كتابا من قبلُ بعنوان ( فكرة الثقافة ) وهو غير كتابنا هذا .

                                                         المترجمة

                                مقدّمة المؤلّف

 

   الثقافة مفهوم متعدّد الأوجه ؛ الأمر الذي يفاقم صعوبة اعتماد مفهوم موحّد بالغ التحديد والصرامة بشأن الثقافة . يضحّي هذا الكتاب ، تأسيساً على الفكرة السابقة ، بأي شكل من أشكال التوحيد الصارم لما يعنيه مفهوم الثقافة إبتغاءً لمقاربة هذا المفهوم من زاوية عددٍ من المنظورات المختلفة : أبتدئُ هذا الكتاب بمساءلة المعاني المختلفة التي يثيرها مصطلح ” الثقافة ” ، ثم أمضي في إستكشاف بعض الفروقات الجوهرية بين فكرة الثقافة ومفهوم الحضارة ، وبعدها أواصل مساءلة المبدأ مابعد الحداثيّ الخاص بالنزعة الثقافية Culturalism ؛ لأنّ الثقافة كانت على الدوام أمراً أساسياً للوجود الإنسانيّ ، وفي سياق فعل ذلك سأعمد لتقديم المفاهيم الخاصة بالتنوّع diversity ، التعدّد plurality ، الهُجنة ( التهجين ) hybridity ، الشمول inclusivity في إطار نقديّ بعيد عن النقودات المعيارية المتداولة . سأتناول كذلك الموضوعة الخاصة بالمعتقدات السائدة في حقل النسبية الثقافية .

   يمكن رؤية الثقافة باعتبارها شكلاً من أشكال اللاوعي الإجتماعيّ ، ومع الحفاظ على هذه الفكرة حاضرة في العقل سأتناول أعمال إثنيْن من أكابر الداعين لهذه الفكرة : الفيلسوف السياسيّ إدموند بورك Edmund Burke ، المؤلّف الذي تُعرَفُ كتاباته على نطاق واسع ؛ غير أنّ تأثيره في صياغة فكرة الثقافة لم يلقَ صداه المستحقّ لدى الأوساط العامة ، أما الداعية الثاني فهو الفيلسوف الألمانيّ جوهان غوتفريد هيردر Johann Gotfried Herder الذي لم يتماشَ فكره الفريد في أصالته بشأن الموضوعات الثقافية مع ” الموضات ” الثقافية السائدة ؛ لذا لم يلقَ التقدير الذي يستحقّه بجدارة . لديّ كذلك بعض التعليقات بشأن كون الثقافة نمطاً من اللاوعي الجمعيّ في أعمال تي. إس. إليوت T. S. Eliot و رايموند وليامز Raymond Williams : هذان المفكّران اللذان لطالما كانت الثقافة لهما مفهوماً حيوياً بدرجة فائقة ولكنْ من موقفين سياسيّين متعارضيْن على نحو حاد .

   ثمة فصلٌ في الكتاب عن أوسكار وايلد Oscar Wilde يقدّم بعض آيات الإجلال والتوقير لهذا الناقد الثقافيّ الأكثر جسارة والمُجمَع على قدراته العظيمة بين النقّاد الثقافيين ، ويوفّر هذا الفصل تلخيصاً لبعض المفاهيم المُعدّلة للثقافة والتي تمّت مساءلتها من قبلُ ، ثمّ أنعطف في الكتاب لمساءلة الأسباب الكامنة وراء تعاظم فكرة الثقافة في عصرنا الذي ينظَرُ إليه غالباً بأنّه عصرٌ حديثٌ متواضع الثقافة ، ثمّ أتناول طائفة من تلك الأسباب ، وأهمّها من الناحية الجوهرية : فكرة الثقافة باعتبارها نقداً جمالياً ومثالياً ( يوتوبيّاً ) للرأسمالية الصناعيّة ، نشوء النزعات القوميّة الثورية ، السياسات الخاصة بالتعددية الثقافيّة والهوية ، البحث عن بديل للدين ، إنبثاق ماصار يسمّى صناعة الثقافة Culture Industry . أقدّم أيضاً رؤية نقديّة لمبدأ النزعة الثقافيّة الذي يمتدّ عميقاً في بواكير الوجود الأنسانيّ  وحتى عصرنا الحاضر جنباً إلى جنب مع موضوعة النسبيّة الثقافيّة Cultural Relativism . ثمة فصل ختاميّ أقدّم فيه حصيلة إستنتاجيّة أناقش فيها عدداً من الأسباب الداعية لاعتبار الثقافة في كلّ الأحوال موضوعة جوهرية وأساسية للغاية في المجتمعات الحديثة وعلى النحو الذي يراه بعض أهمّ المُدافعين عن الثقافة وحاملي لوائها .

   سيلاحظ بعض القرّاء المدقّقين ذوي الفكر الثاقب وجود نكهة إيرلنديّة ينطوي عليها الكتاب برمّته : مِنْ سويفت ( المقصود جوناثان سويفت ، المترجمة ) ، بورك ، وايلد وحتى السياسات الإيرلنديّة المناهضة للنزوعات الإستعماريّة .

                              الفصل الأوّل

                  الثقافة والحضارة

 

    ” الثقافة ” مفردة معقّدة على نحو إستثنائيٍ ؛ فقد شاع إدّعاءٌ بأنها المفردة الثانية أو الثالثة في ترتيب الكلمات الأكثر تعقيداً في اللغة الإنكليزيّة ؛ لكنْ يظلّ ثمّة أربعةُ معانٍ رئيسية يمكن إقرانها بمفردة ” الثقافة ” : قد تعني الثقافة (1) تراكماً من العمل الفنّي والذهنيّ ؛ (2) الصيرورة التي يحصل بها الإرتقاء الروحانيّ والذهني ؛ (3) القيم ، العادات ، المعتقدات ، والممارسات الرمزيّة التي يوظّفها الرجال والنساء في الحياة ؛ أو (4) الطريقة الكليّة المُعتَمَدة في الحياة . ” الثقافة اللابيّة Lappish Culture” يمكن أن تعني الشّعر ، الموسيقى ، والرقص لدى اللابيين* ، أو قد تضمّ صنف الطعام الذي يتناولون ، نوع الرياضة التي يلعبون ، وشكل الدين الذي يمارسون ، أو قد يمتدّ مفهوم هذه الثقافة أبعد من ذلك ليشمل المجتمع اللابيّ كوحدة كليّة بما يحتويه من شبكة نقل ، نظام تصويت ، وطرق التخلّص من النفايات ؛ ولكنْ في كلّ هذه الحالات فإنّ مايُعدُّ حالة نموذجية تقترن بالثقافة اللابيّة قد لايكون حالة مقصورة على تلك الثقافة دون سواها : اللابيّون ، على سبيل المثال ، يأكلون لحم الرنّة ، وكذا تفعل أقوام أخرى سواهم ، ويوجِبُ عليهم القانون السائد وضع إطارات شتويّة في سياراتهم خلال فصل الشتاء ، وهذا الأمر هو الآخر سائد لدى العديد من الأمم الواقعة أقصى شماليّ القارة الأوربية ؛ ولكن على كلّ حال يمكن للمرء زيارة ( سانتا كلوز ) حيث يقيم على تخوم الدائرة القطبية الشماليّة بمنطقة اللابيين ( لابلاند ) طيلة السنة ، وتلك سِمَة  – ربما – لايمكن إيجادها في مكان آخر على سطح هذا الكوكب .

   الثقافة ، بالمعنى الفنّي والذهنيّ للمفردة ، قد تشتمل على أوجه الإبتكار السائدة ؛ في حين أنّ الثقافة كطريقة في الحياة هي في العموم مسألة عادات : يمكنك أن تؤلّف كونشرتو جديدة أو تنشر مجلّة جديدة ؛ ولكنْ عندما يختصّ الموضوع بالثقافة في المعنى الأوسع والأشمل للمفردة فإنّ فكرة إنبثاق حدثٍ ثقافيّ جديد تمتلك شكلاً من أشكال التعارض الذاتيّ المتأصّل فيها رغم أنّ أشياءً مثل هذه قد تحصل بالطبع . الثقافة بهذا السياق هي مافعلتَهُ أنت مراراً من قبلُ ؛ بل وحتى ، ربما ، مافعلهُ أسلافُك لملايين المرّات ، ولكي تكون أفعالك صالحة للإنضمام في هذا السياق الثقافيّ يلزمُها أن تكون متساوقة ومتناغمة مع أفعال الأسلاف . الثقافة في السياق الفنيّ يمكن أن تكون حالة طليعيّة ؛ أمّا الثقافة كطريقة للحياة فهي في مجملها مسألة عادات وحسبُ ؛ ولمّا كانت الثقافة الفنّية في الغالب موضوعة تختصّ بها أقليّة نخبويّة – ويشمل هذا الأمر الأعمال الفنية العصية على الفهم أو الإقتناء – فهي تختلف في هذا الجانب عن الثقافة باعتبارها صيرورة تطوّرية والتي قد يراها المرء موضوعة أكثر إرتباطاً بمُتطلّبات المساواة والعدالة البشرية ( لاالإقتصار على محض الإنشغالات النخبوية التي تهمّ الأقلية حسب ، المترجمة ) . لو حصل أنّ بعضاً من غير المثقّفين في يومنا هذا تمّ تثقيفهم وغدوا مثقّفين مُعتَبَرين في وقت لاحق فيمكن حينئذ القول أنّ أيّ فرد يستطيع مراكمة الرأسمال الثقافيّ متى ماإعتزم فعل ذلك : يستطيع المرء تعهّد نموّه الروحانيّ بالرعاية على مدى سنوات عديدة ؛ في حين أنّ الزراعة تشتمل على رعاية النموّ الطبيعيّ للنبات خلال فترة محدّدة من الزمن . الثقافة بهذا المعنى ليست شيئاً يمكن إكتسابه دفعة واحدة وعلى نحوّ فوريّ مثل إمتلاك حيوانٍ منزليّ أو الإصابة بجائحة أنفلونزا .

   إذا ماشئنا الحديث في موضوعة الثقافة بعامّة فيمكن القول أنّ المعاني الثلاثة الأولى بين المعاني الأربعة لمفردة الثقافة تبدو أكثر فائدة من المعنى الرابع ( الذي يرى في الثقافة طريقة كلية لعيش الحياة ) ؛ ولكن ستظلّ هذا المعاني الثلاثة عُرضة للمخاطرة في توسيعها بضمّ أشياء جديدة لها دوماً . أشار رايموند وليامز إلى أنّ ” الصعوبة الكامنة في التعامل مع فكرة الثقافة هي أنّنا مُرغَمون على الدوام بتوسيعها إلى الحدّ الذي قد تغدو فيه متماثلة – على وجه التقريب – مع كلّ حياتنا الجمعيّة المشتركة ” ؛ أمّا لماذا نحن ” مُرغَمون ” على توسيع تخوم مفردة الثقافة فتلك مسألة غير واضحة المعالم على الرغم من أنّ وليامز مُحقٌّ تماماً في رؤيته التي تقول أنّ مفردة ” الثقافة ” تنطوي على توجّهات توسّعية مُحتواة في جوهرها . لاتبدو هذه التوجّهات التوسّعية مقلقة لوليامز بالقدر الذي ينبغي أن تكون حدود القلق المفترضة ؛ فإذا كان المعنى الجماليّ لمفردة الثقافة مفرطاً في التحديد والضيق فإنّ المعنى الأنثروبولوجيّ للمفردة ذاتها قد يكون مُغالياً في السّعة إلى الحدّ الذي يجعل الثقافة موضوعاً بلا شكل محدّد أو ماهيّة دقيقة التوصيف ؛ ولكن برغم هذه الحالة فإنّ المعنى الأكثر سِعةً وشمولاً لايُعدَمُ أن تكون له إستخداماته المفيدة : وليامز ذاته يحدّد الفرق بين الثقافة باعتبارها فناً والثقافة باعتبارها طريقة كلية في الحياة من خلال الإشارة إلى أنّ ثقافة حركة الطبقة العاملة البريطانيّة ليست أمراً يختصّ بمسألة الرّسم أو الشّعر بقدر ماهي موضوع يختصّ بالمؤسّسات السياسيّة : إتّحادات التجارة ، الحركة التعاونيّة ، حزب العمّال ،،،،، الخ ؛ في حين أنّ الفيلسوف الألمانيّ جوهان غوتفريد هيردر – الذي سنتناول عمله في فصول لاحقة – يرى أنّ الثقافة تشتمل على الصناعة ، والتجارة ، والتقنيّة بالقدر ذاته الذي تشتمل فيه على القيم والعواطف .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * اللابيون : هم سكان لقسم من شمال أوروبا يعرف باسم سابمي Sápmi  ، وهذه المنطقة  تشكّل حالياً جزءً من شمال السويد والنرويج وفنلندا وشبه جزيرة كولا الروسية . ( المترجمة )

_________
*المدى

 

شاهد أيضاً

رواية “القط الذي علّمني الطيران” لهاشم غرايبة PDF

( ثقافات )  ننشر تاليا النسخة الكاملة من رواية الأديب الأردني هاشم غرايبة ” القط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *