الرئيسية / خبر رئيسي / الواقعي والمتخيل… ارتسامات أولية في ” وسطى الأباخس”

الواقعي والمتخيل… ارتسامات أولية في ” وسطى الأباخس”

خاص- ثقافات

*عبد الرحمان الكياكي

تتأسس المجموعة القصصية على مسافة سردية تمتد لسنوات ، ارتأى من خلالها الكاتب  إشراك المتلقي  ضمن ترابط وثيق بين ماهو واقعي وما هو متخيل ، بل وجعل الواقعي  متخيلا بطريقته الإبداعية في إعادة بناء نصوصه القصصية  في قالب فني رائع  ، يظهر براعة الكاتب في تناوله لقضايا مختلفة ومتعددة ، رغم (( رداءة الكائن)) و(( زيف المكان )) بتعبير الحبيب الدائم ربي. والصعوبات والعراقيل المرتبطة بالكتابة الأدبيةذاتها ،وعليه  يكون  الالتزام عند كاتبنا  بتعبير الحبيب الدائم ربي دائما (( رهان جمالي  يحمل رؤية نقدية للعالم )) .   تتجلى تلك الرؤية من خلال تناول الكاتب لنصوصه  القصصية التي تجعل من ((شخصيات وازنة))  في المجتمع  مجالا للسخرية  من خلال  تلك الذميمة  عند غالبية الناس وهي تحريك الوسطى  والنعت بها للطرف الثاني و التي لا تضاهيها في كذا مبيقاتبتعبير الحبيب الدائم ربي الا ((الكويزة)) .  لما  يحملان من معنى عميق الدلالة  في الدفاع عن النفس في الأوساط الشعبية . يقول الكاتب : حين كتبت ((وسطى الاباخس )) ونشرتها بجريدة بيان اليوم ( ملحق نوار الشمس )، ثم قرأتها  خلال أمسية أدبية بدار الشباب  بالشماعية … كانت الحكاية صادمة  ومشاكسة ومستفزة ..استهدفت أشخاصا  بسخرية تتقطر فضحا .  كانت الحكاية إدانة لرموز سياسية  واجتماعية وفكرية متسلطة على البلدة والمجتمع ..كانت الفكرة مبنية على إرسال رسائل مجهولة إلى تلك الرموز ..مكتوب فيها جملة وقحة : ” لكم مني وسطى الاباخس  . . وبذلك يكون الكاتب قد كشف لنا عن نواياه   وهو ما يسمى بتعرية التقنية. نوايا المبدع الملتزم ، أو بالمفهوم الكر امشي (( المثقف العضوي )) . ضمن باكورته الأولى  المجموعة القصصية ((وسطى الاباخس )) التي تضم 32 نصا .  من الحجم المتوسط .  وتكون قراءتي  لهذه المجموعة  القصصية  هي عبارة عن ارتسامات  حول الكتابة القصصية  لدى العميري ، في علاقته  بمحيطه الاجتماعي والسياسي والثقافي . وتكوينه الخاص  كأستاذ يمارس مهنة التدريس ، وناقد ومبدع ، ثم نقابي متميز ، يظهر ذلك من خلال مواضيع المجموعة القصصية  التي لها ارتباط بالمقدس والمدنس على السواء . كما أن الحديث عن الكتابة القصصية عند الأستاذ لعميري مرهون بوضعنا في الاعتبار مقوماته اللغوية والثقافية . خاصة وأن قصص المجموعة كتبت بطريقة تستفز القارئ  وتقول الحياة   وتروي حياة أشخاص  ينتمون الى النخبة والى الرعاع .لكنهم يتساوون في مستوى الادراك والإحساس والتفكير ، رغم الاختلاف في المواقع والمواقف . من خلال تسلسل الأحداث وتوازنها ، ومزاوجته بين اللغة الفصيحة والدارجة  ، وتنوعه في بناء الحكاية .  في مستهل المجموعة مقاطع من حوار مع المبدع القاص  أحمد بوزفور . حول تعريفه للقصة ومفهومه لها تم تقديم للأستاذ الحبيب الدائم ربي عنونه بعطر الكتابة  حيث أشار الى أن هذه المجموعة  هي : تجربة ماتعة هي إلى تجارة العطر أقرب .. وكلما تيسرت لها أنوف عاشقة للأريج كانت أبهى وأجمل .                                                                         وتبدأ رحلة المتاعب عبر هذه المسافة السردية لنصوص  انفردت بعناوينها المتميزة  والمثيرة  في استفزازها للقارئ  والثورة على الجاهز ((  الخيالة –الكولية- كسكس بشحمة الأذن– حكاية قصتي مع النعناع – رداءة الكائن – بنت الخادمة –  وسطى الاباخس –بوزكري– نطفية المخزن – النخيل والبيوض –جحش متسيس–الضامة بالبخوش– الصوت – يوم إحراقالأسماء المزيفة – جور – ا- نوي –الذفراء – الرسالة التي – اخلال بالحياء –بوفرينو– بيت الشيطان – تقشير الأنف –  حوسبة الرئيس –سيرة النار – كراب – شيء ما في القلب – العطار –كوابيس ملونة –كبوة إحساس وفوكو بدرهمين – السيد الكلديبي– سبت…..ه – مقهى الحصائر – مقهى الوردة الحمراء . في المتن الحكائي : تقدم المجموعة القصصية  ( وسطى الاباخس ) في مسافتها السردية نصوصا قصصية  وفق تصور محكم  للكاتب  يروم ملامسة  معظم القضايا  الاجتماعية والسياسية والثقافية والإنسانية  وتقديمها في قالب سردي  من خلال سارد عارف بكل شيء ثارة و شخصية  مشاركة  في القص ثارة أخرى  . وقد اختار الكاتب لنصوصه  شخصيات تبدو من خلال تصورها للأشياء والعالم  واقعية ، ومتخيلة في آن واحد .تلتقط تفاصيل الحياة  بكل جزئياتها لتجعل من المجموعة القصصية نصا ذو ثوابت ومتغيرات  ، من خلال تعددها وتنوعها : جنسا وهوية ووظيفة ، فهناك رئيسالمجلس البلدي والأستاذ والخادمة وزوجة الكوميسير  وحارس مستودع الأموات  والمتقاعد المدني والعسكري  ، والفقيه ، والعطار  والجدة ، والمديع ، وزعيم حزب .. مع هؤلاء وغيرهم تنوعت الأمكنة ، إذ نجد البيت والشارع والمقهى وفضاء البادية الهادئ . …..              ففي قصة   (( الكولية)) مثلا استفزاز للقارئمن خلال الحكي  عن طقس الزواج ، حتى ولو تم خارج الحدود ، هذا الطقس في نظر جميع المغاربة والعرب جميعهم هو شرفهم ، فشرف الزوج أن يعرف الجميع وبالدليل القاطع  أن زوجته بكر ، وهو  ما تحكيه القصة . داخل الكولية :صورة العريس وعروسه ، مكتوب على ظهرها  : تحية لامي وأبي وأخواتي وإخوتي ..هذا حقكم من العرس  حتى موعد مقبل..”ومنديل أبيض، ناعم الملمس، يلف سروالا مغربيا أبيض مطرزا بنقوش خضراء..سروال الدخلة ، وعليه آثار دم جاف.ثمينتقل بنا السارد إلى ظاهرة  لها ارتباط أكثر بالذاكرة المتعفنة، ظاهرة الشعوذة في قصة ((كسكس بشحمة الأذن)) .  بطلتها الطاهرة  التي أغرت عبد السلام المعروف(( بكميحة)) ، حارس مستودع الأموات  بالنقود  لتعد الكسكس بيد الميت . فتم الاتفاق بين( اكميحة) وصديقه( اشحيمة)  ليقوم هذا الأخير بدور الميت وتكون الغنيمة من نصيبهما ..لكن  السحر  انقلب على الساحرة ، وذلك بعد جز الطاهرة أذن اشحيمة  الذي صرخ من شدة الألم ، فتراجعت الطاهرة ، وجحظت عيناها  ثم فقدت وعيها .  وهناك أمثلة كثيرة ضمنها المؤلف قصصه المكونة للمجموعة  لاتقتصر فقط على  التوصيف  والتشريح ، بل ترفض المصالحة مع أعداء الحياة والإنسان بتعبير الحبيب الدائم ربي ((وأتخيل أصحاب الكراسي الوثيرة ، يكتشفون في ذلك الصباح  وسطى الاباخس تنتظرهم فوق كراسيهم ، مما ينتج عنه أزمة وطنية سببها انتهاك حرمات كبار القوم . وستطارد وسطى الاباخس ويلقى عليها القبض  بتهمة الإخلال بالأمن النفسي لأناس مهمين جدا في الجغرافية المحلية .وسيحكم عليها بالشنق  وهو شنق بمنشار .)). إضافة الى سخرية الكاتب من الانتخابات  والانتقام من الأحزاب السياسية  في قصة ((جحش متسيس)) بطلتهاالأم التي : قررت الانتقام من مرشحي الانتخابات  في الدوار ، فبحثت عن ألوان المرشحين    ( حجري / كاكي / أصفر / وأزرق / ووردي  …) فخاطت قطع ثوب بنفس الألوان  وجعلتها أوسمة وجوارب لجحشها الصغير ….   . ومن النصوص المثيرة كذلك ((الضامة بالبخوش))  بطلها العسكري المتقاعد . و المعلم  الذي ظل يجاهر بفوزه الكاسح على الكابران . هذا الأخير الذي أسس جماعته الخاصة (أحباب الفراغ ) ، وقد تسرب خبر الضامة بالبخوش الى الاعلام ، وسجلت القناة مباراة في الضامة بالبخوش، واعتبر أحد الباحثين بأن العسكري ثائر غاضب من النظام  الانتخابي  المغربي … كما علق أحدهم في اطار خلق تقابلات بين اللعبة والواقع  فقال : ان الضامة هي المجتمع وأن البخوش هم الناخبون ، واللاعبون هم المرشحون … وثنائية الناخبين / البخوشلاتحمل أي حمولة قدحية ، بل التشابه بينهما من حيث عدم وضوح حركتها  وانسجامهما وتجاوبهما مع نوايا اللاعبين / المرشحين ، وبذلك تكون حمى الانتخابات  تتسبب في خسائر كثيرة في المال والمشاعر والأشياء …وحتى الأرواح  .  عادة ذميمة تعود عليها المغاربة ’ تمارس من طرف جميع الشرائح الاجتماعية ،  (( تقشير الانف))  يكون وقعها أشد ، عندما يشاهد الشخص وهو يقود سيارته الفارهة ، وسبابته تمارس هوايتها الأليفة ، وشوهد كذلك عندما هم بالدخول الى استوديوهات تلك القناة ، وهو يستخرج معادن منجم ((الخنفرة))  ليكون ضيفا على برنامج ((البق مايزهق))، وفي الكواليس حكى له المذيع ، مقدم البرنامج نكتة  عن النخبة المغربية التي استفادت من خبرات يابانية ، وقد  عاد كل واحد بسبابة مقطوعة ، كان جواب الياباني عن الرسالة التي كتبها المدير المغربي  : سيدي إن أطركم تدمن تقشير الأنف ، وهذا ممنوع عندنا ، لأنه يتسبب في خسائر اقتصادية ونفسية فادحة … وبذلك تكون القصة المعنونة ب ((تقشير الأنف )) تعبر عن مستوى متدني  يمارس من طرف جميع الفئات الاجتماعية دون تحديد للسن أو الجنس . حيث شوهدت المكلفة بالماكياج تقشر أنفها  وزعيم حزب كبير في السن ،  يناضل في أنفه ، وقارئ قصة ، وحوذي عربة  حمار ….كانت الكاميرا تعرض آلاف اللقطات لتقشير الأنف ،: في الطوبيس ، في المرحاض ، في المدرسة ، في الفرن التقليدي  . ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر : تلك قصة أخرى جديرة بالقراءة  ,                                                                        وأختم هذه الارتسامات بقصة ظريفة وجديرة بالقراءة ((حكاية قصتي مع النعناع)) هذه القصة التي تطرح وبالحاح أزمة النشر والقراءة . في زمن المراسلات الرقمية ،فلم تنشر تلك القصة الابعد قيام كاتبتها بإرسال نسخ مخطوطة لعدة جرائد، فنشرت من طرف واحدة مازالت تعترف بالطرق التقليدية . الا أن تلك القصة لم تقرأ رغم تعدد قرائها  واختلافهم في الجنس والمستوى الفكري  ، الى أن جمعت الجريدة  وأصبحت في عداد المرجوعات ، ، وهكذا بيعت بالكيلو ، فوجدت القصة نفسها بين  أحضان بائع النعناع ، هاهو يلف النعناع على صدر القصة  وروائح المواد الكيماوية ,, والنعناع المبلل ,, النعناع يعانق القصة وكأنه يقرأها ,,,وفي البيوت يتطفل البعض على قراءة ما تبقى سطور القصة ، وبذلك تكون قد وصلت الى بعض القراء.
وبذلك يكون  كاتبنا له ارتباط وثيق بالكتابة الابداعية عامة والكتابة القصصية خاصة واستثمارهللموروث الثقافي  المغربي ، فهو يدرك عمقه ويقدمه في قالب قصصي ساخر . وقراءاته المتنوعة للنصوص السردية  العربية والغربية ، أذكر على سبيل المثال شغفه الكبير بالروائي إميل حبيبي وعبد الرحمان منيف ونجيب محفوظ

شاهد أيضاً

بين فوكو والسينما

 ثقافات * صفاء صنكور ترك الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أثرا لا يمحى في نظرية السينما، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *