الرئيسية / إضاءات / خطاب ما بعد الحداثة وأزمة السلطة والهوية في كاتالونيا..!!

خطاب ما بعد الحداثة وأزمة السلطة والهوية في كاتالونيا..!!

خاص-ثقافات

*عمر ح الدريسي

المؤرخ الأمريكي، جوان ولاتش يقول، ما يميز المفكر الحاسم، هو” قدرته على الإشارة إلى المتناقضات”، لعلي هنا أستحضر، من خلال ما تشاهده مقاطعة كاتالونيا من سجال سياسي بين الطبقة السياسة المحلية للإقليم والطبقة السياسية للمركز، بالعاصمة الإسبابية مدريد، نظرية ” العود الأبدي”، لفريديريك نيتشه، من خلال ما عاشه الكاتب  البنامي الأصل، الإنجليزي الجنسية، جورج أورويل، في ثلاثينية القرن الماضي كمراسل إعلامي لـ  “CNN”، في اسبانيا، وكمناضل مع  الطبقة العمالية في كاتالونيا، ضد الحركة الفاشية (الفرانكاوية أنداك)،  والذي دفع بالكاتب إلى  اعتصار رواية غاية في الحبك والسرد، وسمها  بـ “الحنين إلى كاتالونيا”. هذه الرواية التي تحكي وتسرد، بحبكة فنية وتقريرية،  غاية في الوصف الصحفي للأحداث؛ صراع الإسبان السياسي على السلطة، وعلاقته بأفكار الخطاب السياسي والإيديولوجي العالمي أنداك،  وبوادر فكر ما بعد الحداثة، هذا الذي سيحيلنا إلى فكر ميشيل فوكو وفكر بيير بورديو في “الخطاب” و”السلطة”، دون إهمال ما تطرقت له، رواية أخرى من روايات جورج أورويل المتميزة، وبخاصة منهم، التي تعبر برمزية بليغة وبالغة، عن الواقع السياسي المرير، والتي وسمها بـ “مزرعة الحيوان”.

يقول الكاتب أمين معلوف، في مؤلفه، “الهويات القاتلة” (ص 15)، “قد علمتني حياة الكتابة، أن أحذر الكلمات. فتلك التي تبدو أكثر وضوحا، هي في الغالب أشدها خيانة.. ولعل أحد هؤلاء الأصدقاء المزيفين، هو بالتحديد كلمة “هوية.”.

فكثيرا ما ينسب إلى سياسة المواجهة على صعيد العالم بأنها نتيجة طبيعية، بل وحتمية للانقسامات الدينية والثقافية والطبقية، ناهيك أن يكون مدبروها والمستفيدون منها، نُخب لوبيات، وممثلي تروستات، تجارية ومالية، محلية وعابرة للأقاليم ومنها للدول، والتي تُسمى بلوبيات المال والأعمال العابرة للحدود، وهي  نخب  الديانات على اختلافاتها العقدية نفسها، ونخب الثقافات أيضا نفسها، على اختلاف تنوعاتها وتمايزاتها، المُستأثرة طبعا بالثروة.

الضحية  في تلك المواجهة الحتمية، تبقى من الغالبية العظمى من الشعوب، وخاصة الضعيفة منها تنظيما وحكامة ووعيا واقتصادا، والمقهورة حتما سياسيا، غالبية ممن لا أنياب لهم، على حد وصف أحد رؤساء الدول الغربية، على لسان عشيقته الصحفية، نهاية علاقتهما العاطفية، نكاية فيها وفي عائلتها التي تنتمي إلى الغير المحظوظين من سكان باريس، أي الإقرار بالصعوبة، وبعدم تأمين الحاجيات اليومية. وهذا في قلب أوروبا،  ومن عاصمة أكبر الدول المُستعمِرة (الميم الثانية بالكسرة)، ناهيك عن شعوب الدول المُسُتَعمَرة ( الميم الثانية بالفتحة)، أو شعوب بلدان “الذات المجروحة”، على حد تعبير صاحب رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، الكاتب السوداني، طيب صالح، و”سؤال الهوية” لديها، أي كيف حدث الشرخ النفسي، حتى صاروا من المغلوبين على أمرهم الثقافي، الحاملين عن جهل وغباء، أو عن تجهيل واستغباء، أن سبب تدني امكانياتهم المعيشة والحياتية، هو  نتيجة الصراع الحتمي ما بين المكونات المختلفة الدينية والثقافية والطبقية وغلبة القَوِي ماديا، وعليه يكونوا دوما، هم الضحايا أولا وأخيرا، وهم حطب المواجهة، أيا كان عنوانها، أو شعارها أو مبرراتها.

وعلى نقيض ذك  أعلاه، فالأفراد، أو الشخص الواحد من بلدان “الذات المجروحة”، من حاملي “سؤال الهوية”، الذي، سلك دروبا أخرى، لينفك من أثار  ومخلفات قرارات وأثار الصراع مع  “طواحين الهواء”، بطل رواية الكاتب الأندلسي الإسباني “ميغيل دي سرفانتيس”، والذي  لهول خوفه من نشرها أول الأمر، وعلى عادة بعض كتاب تلك المرحلة، نسبها سرفانتيس، إلى مؤلف عربي مجهول، يُدعى سيد أحمد بنجلي، وهي تروي، حكاية ذلك السيد البائس المنتمي إلى منطقة “لامانشا”، الذي عُرف بأخلاقه الطيبة وعونه للآخرين، والذي يطمح للعيش بحب وأمن وسلام، أي ما يُصطلح عليه حاليا، العيش بـ “إنسانية”. فمثل هذا الإنسان لا يتحمل، لا صراعات ولا تطاحنات، لا ناقة له فيها ولا جمل.

 حتما، هذا الإنسان، سينتقل  بدافع الطموح،  لتغيير  ظروف واقعه إلى حياة أفضل، حيث لا حيلة له، إلا البحث والانتقال والهجرة إلى داخل  هويات مختلفة جذريا عنه، بدياناتها وثقافاتها وطبقاتها الاجتماعية، تدفعه الظروف الجديدة،  ليجوب وجهات وأماكن، ويختلط مع رؤى وأنماط من  البشر، تختلف عن رؤاه وعن نمطه، بل ويقم بينهم، ويصبح منتميا لها “بالفعل” بحكم الجغرافيا، حسب أمين معلوف، ويحاول أن يتأقلم  في دواليب ومفاصل الحياة اليومية معهم، ليصبح منتميا بـ “الثقافة”،  كله رغبة، للإحساس بالسلام والطمأنينة التي فقدها في موطنه الأصل، فسرعان ما تتغير لديه النظرة، ويندمج في هذا المجتمع، الذي ليس بالضرورة كان مولودا فيه، ويصبح فاعلا مُجتمعيا إيجابيا، بل ومنتجا مهنيا فائق المردودية (قطاعات انتاجية تعتمد على عمالة مهاجرة في الكثير من البلدان)، بل ولامعا في اختصاصه (ربع هيئة الأطباء في الولايات المتحدة ليسوا من أبنائها)، بل حاملا لمسؤوليات قيادية وإدارية وتكوينية عليا (أكاديميو الجامعات المرموقة خليط عالمي)، وحتى مُؤتمنا وظيفيا في دواليب المسؤولية العليا (مرتبة وزير) في الدولة التي تمثل مواطني مجتمعه الجديد.

لكن عند المواجهات والتطاحنات، تكثر التناقضات ويصبح التواصل الإنساني تائها بين ما يُقال، وما يُعبر عنه، وتُفسر الإيماءات والأسلوب، بطرق غير مُطمئنة، مما ينتج عنها، الغبن الفردي والغبن  الجمعي، أي الغبن “المحلي – الهوياتي”؟ مما يؤدي إلى  أزمات اجتماعية واقتصادية  وحقوقية، والتي تتطور إلى أزمة “مطالب سياسية” و “أزمة “هوية” وأزمة “مصير إقليم”، يُريد أن يستقل عن الأخ الأكبر، حسب تعبير جورج أورويل، في رواية “مزرعة الحيوان”، كما هو حاصل بين إقليم كاتالونيا وإسبانيا حاليا.. !!

وهي الرواية الأشهر، من نار على علم، لأورويل، والموسومة ب ” مزرعة الحيوانات “، والتي استعمل فيها الرمزية الحيوانية، على خلاف أسلوب روايته الوصفية “الحنين إلى كاتالونيا”، أي  على شكل مؤلف، “كليلة ودمنة”، لابن المقفع، حيث أظهر قدرة كبيرة على ترجمة أحداث “الواقع المرير”، لكنه،  الواقع المجتمعي المعاصر لما بعد الحداثة، بكل ما تحمله هذه العبارة من حمولة فكرية لحد الساعة، هذا الواقع، الذي شخصه أورويل، بحبكة سردية على لسان الحيوانات، وعرض لصفات الأشخاص وطريقة وصولهم إلى موقع السلطة والحكم، إن كان على مستوى الدولة، أو على مستوى مؤسسات شبيهة، كالأحزاب السياسية والمؤسسات الكبرى العامة. فوجد أورويل في مجتمع الحيوانات، تلك الأمور الدالة على صفات الانسان، من خلال كشف أنانية الخنزير (نابوليون)، وخيانته لخنزير صديق (سنوبول)، وتملق الحاشية من خلال الخنزير (سكويلر)، وسذاجة الجمهور وتضحياته، والتي جسدها من خلال شخصية الحصان (بوكسر).

وما يجعل لهذه الرواية حقا، قيمة إضافية، طريقة  تقدميها، تحليلاً عميقاً للفكر الاستبدادي أينما وُجد، مُحاكيا، على لسان حيوانات المزرعة، أساليب صعود المستبدين، وسيطرتهم على الحكم وعلى الآخرين، وخدمة مصالحهم وأهوائهم، بتحريف التاريخ، وقلب الحقائق، وخلق أعداء وهميين، وتلبيسهم شتى التهم لتشويه سمعتهم، ولتصفية المنافسين والمعارضين، المدافعين عن مصالح عامة الشعب والسيطرة عليه، من خلال الأساليب الملتوية، والأخبار الملفقة والدعاية المفبركة، والوعود الكاذبة، وفرض القوة لبسط السيطرة.

 فالصراع السياسي المرير، والشد والجدب الطويلين، ما بين الخطاب  والخطاب، استدعى أفكار المُفكرين، ميشيل فوكو وبيير بورديو، في الخطاب، لتحليل  دفوعات، ما اطلق عليه، “خريطة الطريق” لـ “استقلال” او رغبة “انفصال”، اقليم كاتالونيا،  ليأتي  هذا الإعلان الذي كانت حكومة إسبانيا بمدريد، تتخوف من الوصول إليه، مما يضطرها، ومنذ 1987،  إلى الرجوع إلى المادة 149 من الدستور الإسباني، الذي وطد الديمقراطية والجهوية، وأرسى دعائم حكم  اللامركزية في جميع جهات إسبانيا، ومنح  حرية الحقوق الثقافية وسلطة الحكم  والتسيير للمنتخبين المحليين  لكل إقليم.  لكن هذا كله، لم يجعل الكاتالانيين على قلب واحد مع مدريد، بل لم يُثني إقليم كاتالونيا على الحبو سلميا، عكس إقليم الباسك شمالا،  إلى الإستقلال، وتم فعلا الإعلان عنه بالبرلمان المحلي الكتالاني، مساء يوم 27 أكتوبر 2017، هذا الإعلان الذي لم يأت صدفة أو على إثر مطالب سياسية رُفِضَت من قبل الحكومة المركزية بمدريد، بل جاء كنتيجة لـ “خارطة الطريق”،  التي وضعها برلمان كاتالونيا المنتخب يوم 27 سبتمبر 2015، وتطبيقاً لقانون الاستفتاء الذي صادق عليه البرلمان الكتالوني في السادس من سبتمبر 2017، والذي تُنأى عنه حكومة مدريد بنفسها، لعدم استشارتها فيه، وبعدم موافقتها عليه، وتنفيدا  للاستفتاء الذي منعته حكومة مدريد يوم فاتح أكتوبر بكاتالونيا، بفرض سلطة “دولة القانون والمؤسسات”،  والذي اعلنت حسب نتائجه الحكومة المحلية ببرشلونة، فوز الداعمين للاستفتاء، بما يقارب 93% ، لكن الرافضين له، يقولون بأن المشاركين، لايتعدون 42% ، من الكتلة الناخبة الكتالانية، مما يُزيح الشرعية عن كتلة الداعين للانفصال، وتسفيه نتائج الاستفتاء  قانونيا وسياسيا. وبناءا عليه، أعلنت حكومة مدريد، مساء 27 أكتوبر 2017، حل سلطات الحكم المحلي لكاتالونيا، والدعوة الى انتخابات جديدة تأتي بسلطة محلية تحترم الدستور  ومؤسسات دولة القانون الإسبانية.

تصارع الأحداث، تعبر عنها مواقف المتصارعين على السلطة، وبياناتهم وخطاباتهم السياسية، وبالعودة  إلى “ميشيل فوكو”، من خلال عديد كتاباته، وخصوصا  منها، لا الحصر، كتابيه، “حفريات المعرفة،  و”نظام الخطاب”، يربط الخطاب بالسلطة والذات والأخلاق والسلوك  والمعرفة والفلسفة والتاريخ والحضارة، فالخطاب حسب فوكو، شبكة من العلاقات، يُقيمها مع موضوعات أساسية في الفلسفة والتاريخ على السواء، مثل المعرفة والسلطة. ويمضي فوكو في علاقة الخطاب بالمعرفة، وعلاقته بالسلطة، أو بالممارسات غير الخطابية، واخيراً علاقة الخطاب بالذات والسلوك والأخلاق، فيتوجه الى الكشف عن الارضية التي تقوم عليها المعارف في مختلف الحقب. أما بيير بورديو فيعتبر الخطاب، رأسمال، أي أن المفاهيم المستعملة من قبل بيير بورديو ذات منشأ اقتصادي، إلا أنها مكيفة لتحليل الحقول التي هي ليست اقتصادية بالمعنى الحصري للكلمة، ولكن من الممكن أن تخضع إلى المنطق الاقتصادي، وذلك إذا توجهت نحو الزيادة في رأسمال معين، كالرأسمال الثقافي أو الرمزي.  وتبدو لنا مساهمة فوكو و بورديو، ذات فائدة منهجية في تحليل مختلف المشكلات اللغوية والرمزية للمجتمع، وذلك من حيث الربط بين الخطاب والممارسة او ما يسميه  فوكو بالممارسة الخطابية وغير الخطابية، وما يسميه بورديو، بنظرية الممارسة.

وعلى الرغم من الاختلاف في القيمة المعطاة للخطاب، حيث نلاحظ اهتمام فوكو بمكونات الخطاب ذاته على حساب ماهو اجتماعي أو اقتصادي، إلا أن تحليلاته بينت مدى الأهمية التي يعطيها للمجتمع، وكذلك فانه وعلى الرغم من إصرار بورديو على الطابع الاجتماعي والاقتصادي للغة، إلا انه، بيَّن آليات عمل بعض الخطابات، وخاصة الخطاب الديني و السياسي والإيديولوجي، وأكد على استقلالية الآليات اللغوية. و ما يجمع فوكو وبورديو، هو ضرورة العمل على إظهار آليات السلطة والمعرفة في كل خطاب ولغة.

لكن أمام التناقضات الاجتماعية المضطربة عبر العالم، لدى الهويات المنهزمة والمنتصرة معا، حيث   لا يمكنك أن تستعمِر العالم وتجعله واحداً، ثم تجلس مرتاحاً في طرف قصيّ منه، وأنت سعيد بقيمك وعوالمك، حسب الكاتب الطيب صالح، أي ليس في حدث كاتالونيا الإنفصالي  وحده، والذي اعتمده المقال كمثال لتحليل أزمة خطاب ما بعد الحداثة وأزمة السلطة والهوية، ولا في أمثلة عديد المناطق عبر العالم، مما يُشابه أزمة كاتالونيا، بل هو حقا، عندما يريد المرء، كمواطن عادي، او كمقيم، أن يعيش كإنسان في طمأنينة وسلام، ويجد نفسه بين أمواج المَاسِكين بالسلطة وبين أعاصير الطامعين فيها، وأمام سجالات مُمتلكي رأسمال الخطاب اللغوي والثقافي والرمزي، حسب بيير بورديو، ومُمتلكي  رأسمال خطاب المعرفة التاريخية والفلسفية، وما بين، وهو الأكثر فظاعة، من يحملون “سؤال الهوية”، حسب الطيب صالح، أو “الهويات القاتلة”، حسب الكاتب، أمين معلوف،  حيث يبقى هذا المرء المسالم، عالقا وتائها، تتجادبه آليات الخطاب والخطاب المضاد، والخوف من السلطة، وتعسر الحفر المعرفي والتاريخي، وخبو رمزيات اللغة وترهل تراكيبها وخيانة معاني كلماتها.. !؟

عمر ح الدريسي

[email protected]

شاهد أيضاً

جوهر.. القاهرة والأزهر..القصَّة التي لا يعرفها كثيرون

*حاتم السروي يذكرنا شهر أبريل من كل عام بذكرى شروع القائد جوهر الصقلي في بناء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *