الرئيسية / إضاءات / ويل للمصلين؟؟؟ وحكاية أخرى

ويل للمصلين؟؟؟ وحكاية أخرى

  خاص- ثقافات

*محمد الصالح الضاوي

في إحدى الجمعات، صادف أن كنت في مدينة بعيدة عن موطني المعتاد، فاضطررت إلى صلاة الجمعة في إحدى مساجدها… كان مسجدا كبيرا فسيحا… حتى أنه عجز عن الامتلاء بالمصلين… بالرغم من عددهم الهام… وكانت خطبة الجمعة عن موضوع الصلاة والمحافظة عليها.. وقد استشهد الخطيب، كعادة الخطباء عند تناول هذه المسألة، بسورة الماعون، وخاصّة بالآية الإشكال: ويل للمصلين…

وكان الإمام وفيا إلى التفسير التقليدي المتوارث عندنا، يؤكد بكل ما يملك من حجة، أن “ويل للمصلين” تتحدّث عن المنافقين (المسلمين)، الذين يؤخرون الصلاة لوقتها، وهي من عادة المنافقين، وأن معنى السهو في الصلاة هو تأخير الوقت وإضاعته، وأن الله تعالى توعّد هؤلاء بنهر في جهنم، عبّر عنه: بالويل.

وقد كنت أستمع للخطيب وهو يسرد علينا خلاصة التفاسير المعروفة في كتب التفسير… وهو معتقد تمام الاعتقاد في ما يقوله… وكنت أحدّث نفسي: كيف يمكن لي أن أقنع هذا الخطيب بأن كل هذا التفسير لا علاقة له بواقع السورة، ولا بمحتواها المعرفي…؟؟؟

المسألة صعبة عليّ أن أسوّقها، فما بالك بمن أريد منه الاعتقاد فيها… ووجه الصعوبة يكمن في أننا سنحاول تجنب كل التفاسير دفعة واحدة، وتبني تفسير آخر فريد من نوعه… وتكمن الصعوبة أيضا، في ردّ روايات منسوبة إلى ابن عباس، حبر الأمة، وأخرى إلى جماعة من أفاضل التابعين..

فهذا ابن كثير، يحوصل لنا التفسير الكلاسيكي المتوارث، فيقول:

“ثم قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) قال ابن عباس، وغيره:

يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر.

ولهذا قال: (لِلْمُصَلِّينَ) أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق، وأبو الضحى.

وقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: (عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) ولم يقل: في صلاتهم ساهون.

وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي.

كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا” فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى، كما ثبت به النص إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا؛ ولهذا قال: “لا يذكر الله فيها إلا قليلا “. ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه  الله، فهو إذًا لم يصل بالكلية. قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا النساء: 142. وقال هاهنا: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ)”

وأول إشكال، في هذا التفسير، هو أن الحديث عن المنافقين يقع في بيئة مدنية عادة، والسورة مكية باتفاق العلماء.. على أن بعضهم قال: السورة نصفها مكي ونصفها الآخر مدني.. وهذا الرأي لم يثبت، ولم يشر إليه ابن كثير مثلا، لكن المفسر ابن عاشور، في التحرير والتنوير، يسوق لنا مجموع مواقع التنزيل التي عرفت عن السورة فيقول:

“وهي مكية في قول الأكثر. وروي عن ابن عباس، وقال القرطبي عن قتادة: هي مدنية. وروي عن ابن عباس أيضا. وفي الإتقان: قيل نزلت ثلاث أولها بمكة أي إلى قوله (المسكين) وبقيتها نزلت بالمدينة، أي بناء على أن قوله (فويل للمصلين) إلى آخر السورة، أريد بها المنافقون، وهو مروي عن ابن عباس، وقاله هبة الله الضرير وهو الأظهر.”

ويظهر لنا، من خلال نص ابن عاشور، أن أكثر العلماء على رأي أن السورة مكّية، على الرغم من أن صاحب التحرير والتنوير يميل إلى الأخذ بالرأي القائل بالمناصفة بين مكّة والمدينة، والذي قال به أقلّية، محتجا بما روي عن ابن عباس. وأن إشكالا ثانيا، ظهر لنا، يتمثل في ثلاث مواقف متناقضة مروية عن ابن عباس: مكة والمدينة والمناصفة بينهما… ولا ندري، أيّة رواية نصدق، وأية رواية نردّ؟؟.

ويستمرّ مسلسل الاختلاف والتناقض في سبب النزول، حيث يشير الشيخ الطاهر بن عاشور إلى:

” وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل في الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل في عمر بن عائذ المخزومي، وقيل في أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه، بسبب أنه كان ينحر كل أسبوع جزورا، فجاءه مرة يتيم، فسأله من لحمها، فقرعه بعصا. وقيل في أبي جهل: كان وصيا على يتيم، فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه، فدفعه دفعا شنيعا”.

 والذين جعلوا السورة مدنية قالوا:

“نزلت في منافق لم يسموه، وهذه أقوال معزو بعضها إلى بعض التابعين”

فواضح أنه هناك اضطراب كبير في هذه المعلومات، وأن الرأي القائل بنزولها في المدينة، لا يمتلك أي أدلة قوية غير أقوال التابعين (ابن وهب والأشهب)….

وبرجوعنا لترتيب النزول عند السيوطي، نلاحظ أن السورة تحتل المرتبة السادسة عشرة في ترتيب السور، حسب رواية البيهقي ورواية ابن الضريس، والشيخ الطاهر بن عاشور يجعلها في المرتبة السابعة عشرة، والاختلاف بسيط.. ولعله وهم من الشيخ.. وهذا الترتيب يجعل السورة من أوائل الوحي المنزّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل السنة الخامسة بالتأكيد (أي قبل نزول سورة النجم) حيث تؤرخ وقائع السورة لمشهد اجتماعي وأخلاقي من عمق المجتمع الجاهلي الشركي.

وتبدأ السورة بمخاطبة النبي كاشفة له عن هذا النمط الجاهلي الذي يتميز بالمميزات التالية:

1 يكذب بالدين [بالإسلام والبعث والمعاد والجزاء].

2 يدع اليتيم [يقهره ويظلم حقه].

3 لا يحض على طعام المسكين.

فهذه ثلاثة صفات أنتجت شخصية، رآها النبي رؤية مكاشفة بالبصر والبصيرة. وهذه الصفات هامة جدا لأنها ترسي قواعد التعامل الاجتماعي الديني… من خلال الإطعام وكفالة اليتيم، ولعل انتفاءها من قلب الشخص، يجعل منه مكذبا بالدين… وهذا الشخص معروف لدى النبي ومقصود وصفه بهذه الصفات السيئة… ومن خلاله، عمد الله تعالى إلى التعميم والإطلاق، واصفا لنا شخصية مريضة من المصلين، متميزة بما يلي:

1الذين هم عن صلاتهم ساهون.

2 الذين يراؤون.

3 الذين يمنعون الماعون.

وهنا بيت القصيد، فأغلب المفسرين فهموا من الصلاة المذكورة في هذه السورة، الشعيرة المعروفة المتكونة من قيام وركوع وسجود، في حين أن الصلاة بهذا المفهوم، نزلت في السنة الثانية عشرة للبعثة، أي بعد حوالي ثمان سنوات من نزول سورة الماعون…[1]

صحيح أن المسلمين زمنها، كانوا يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنها صلاة لم تفرض عليهم بعد… وما دار في خلد هؤلاء المفسرين أن تكون الصلاة المقصودة هي الدعاء وشعائر العبادة الخاصة بالكعبة من طواف وغيره، وذلك من قبل المشركين… الذين وصفتهم السورة بهذه الأوصاف والخلال السيئة.

فالويل: ليس للمسلمين، وإنما للمشركين الذين وجدت فيهم الصفات الثلاثة: السهو عن الصلاة والرياء والمنع. والدليل أن الآية لو لم تكن تخاطب المشركين، لما وقفت عند كلمة المصلين: ويل للمصلين [أي المشركين] وليس المسلمين… وعلامة انتهاء الآية، دليل على اكتسابها معنى مستقل… ولا يمكن استقلال المعنى في “ويل للمصلين” إلا إذا كان المخاطب أهل الشرك.

والويل، ذكر في القرآن 27 مرة، كلها متصلة بالمشركين، بل ذكرت متصلة بالمكذبين الكفار إحدى عشر مرة، في نفس سياق هذه السورة.

والسورة، سبقتها سور ذكرت مشاهد مماثلة للركح الجاهلي الشركي… مشاهد، وصفها الله تعالى لنبيه وصفا دقيقا، تؤرخ لنمط الصراع الدائر في أول لبعثة، بين الوحي والشرك.. من خلال نماذج معروفة ومقصودة، اشتهرت بعداوتها للنبي، وللإسلام، مدعية أنها لم تخرج عن طقوس العبادة الحنفية التي، يدعو لها الرسول صلى الله عليه وسلم،من ذلك: في سورة العلق، أول سورة قرآنية نزلت على الرسول عليه السلام، حيث قال تعالى: أرأيت الذي ينهى، عبدا إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، أرأيت إن كذّب وتولى… وفي سورة القلم: ولا تطع كل حلاف مهين، همّاز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم… ثم في سورة المزمل: ذرني والمكذبين أولي النعمة ومهّلهم قليلا… وفي سورة المدثّر: ذرني ومن خلقت وحيدا….ثم سورة المسد..وهكذا على ترتيب النزول… كان بدايات الوحي عرضا لصور ومشاهد تكذيب المشركين للنبي وإقرار لمآلهم الجهنمي…فالويل، في هذه السورة، لا يعدو أن يكون جزاء التكذيب للمشركين..المتصفين بالصفات الثلاثة التي ذكرتها السورة[2].

فأين هذا، من كلام المفسرين، الذين يسوقون الآية “ويل للمصلين” ويعنون بها المسلمين الذين يؤخرون الصلاة؟؟ فتراهم يستدلون بها لتخويف المؤمنين، ويعدونهم بالويل الجهنمي؟؟؟ والحال أن السورة عرض لمشهد جاهلي شركي لا دخل للمسلمين فيه؟؟؟[3].

ولعل السبب الأساسي في ذلك، هو جنوح المفسرين إلى التفسير باللغة وما تحمله من معنى اجتماعي وحضاري، وإغفال اللحظة المعرفية التي تنزّل فيها الوحي، وانحراف عن المعنى الحقيقي الذي قصده الوحي، عند تنزّله. فكأن المفسرين، يعمدون إلى إعادة تشكيل الوحي بآليات اللحظة الراهنة التي يقرأ فيها، ويتغافلون عن الحقيقة التي تنزّلت مع النور القرآني، والتي، من المفروض، أن ندركها، في إطار تقبلنا للوحي، والإيمان به. وهكذا، ينسى المفسرون، مع الوقت، اللحظة المعرفية الأصيلة للوحي، وينسبون لحظاتهم المعرفية الحضارية، معتمدين عليها في قراءتهم للقرآن، حتى أصبح تفسيرهم يقارب، في مثل هذه المواقف، تحريفا وإلحادا فيه.

ويمكن للقارئ أن يراجع التفاسير، لهذه السورة، حتى يكتشف حجم التناقضات المروية، والتأويلات الوهمية، والتنزيلات الاجتماعية… بعيدا عن جوهر السورة وما تعنيه في أصلها، وحين تنزلها.. لنعلم حجم المشكلة التأويلية التي وقعنا فيها، وانسقنا خلالها في تمرير ثقافة تفسيرية للقرآن لا علاقة لها بالحقيقة المنزلة..

فمتى يعي الخطباء لحظة المعرفة الحقيقية للوحي، في تجلياتها النورانية، كما نزلت على الحبيب المصطفى.. ؟؟ دون داع إلى تضخيم المعنى وتفخيم الصوت، بلا فائدة؟؟؟

[1]  والأغرب أن هؤلاء المفسرون يروون روايات عن السلف، تفسر الماعون بالزكاة، والحال أن الزكاة فريضة مدنية وليست مكية.

قال ابن كثير:

” عن مجاهد: قال علي: الماعون: الزكاة. وكذا رواه السدي، عن أبي صالح، عن علي. وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر. وبه يقول محمد بن الحنفية، وسعيد بن جبير، وعِكْرِمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.”

في حين، يروى عن ابن مسعود، بطرق مختلفة، قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الماعون: الدلو، والفأس، والقدر، لا يستغنى عنهن.

فأين هذا مما ذكر أعلاه، عن طريق التابعين وتابع التابعين، في أن الماعون هو الزكاة؟؟ وذلك استمرارا في التمشي الذي ينحرف بموقع النزول إلى المدينة؟؟

وقال الرازي في مفاتح الغيب، حول معنى الماعون:

“قول أبي بكر وعلي وابن عباس وابن الحنفية وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك: هو الزكاة، وفي حديث أبي: “من قرأ سورة {أرأيت} غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا” وذلك يوهم أن {الماعون} هو الزكاة، ولأن الله تعالى ذكره عقيب الصلاة، فالظاهر أن يكون ذلك هو الزكاة

والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين، أن {الماعون} اسم لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني، ينسب مانعه إلى سوء الخلق ولؤم الطبيعة كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم، ويدخل فيه الملح والماء والنار”.

ونحن نستغرب كيف جاز لأغلب المفسرين أن يخالفوا: أبا بكر وعلي وابن عباس وابن الحنفية وابن عمر؟؟؟ إلا إذا كانت هذه الروايات مدسوسة ولا دليل عليها.

[2]  أغلب المفسرين يقسمون السورة إلى جزأين: بداية السورة إلى “المسكين” خاص بالمشركين، ثم من “ويل” إلى آخر السورة، خاص بالمنافقين… وهذا التقسيم الذي لا مبرر له، ولا دليل عليه، ننكره من حيث السياق أيضا.. إلا أن الرازي في مفاتيح الغيب، وعند ذكره لبعض مسائله، شذّ عنهم واعتبر أن السورة تمثل وحدة موضوعية، تستدعي تفسيرها على أساس أنها نازلة في المشركين،  وإن كان تراجع عن هذه النظرة في عرضه لبقية المسائل المتصلة بالسورة. فليراجع التفسير.

[3]  والحديث الوحيد الذي يستدل به المفسرون، هو:

“وقال ابن جرير أيضا: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عِكْرمِة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) قال: “هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها”.

قال ابن كثير:

“رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فَرُّوخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي الربيع، عن جابر، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفًا وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم.”

ويفهم أنّ هذا الحديث، لم يثبت رفعه للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت وقفه على قول سعد بن أبي وقاص، قاله البيهقي والحاكم.

شاهد أيضاً

في مئوية الدولة: الثقافة مرتكز أساسي للتأسيس والنهضة

( ثقافات ) مجدي التل  فكرة بداية مأسسة الحالة الثقافية والابداعية في الدولة الاردنية الحديثة؛ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *